العدد التاسع والثلاثون - شباط

هوغو تشافيز

نقطة ضوء في أفق الإنسانية
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

التاريخ يكتب. وبعد مئات السنين سيقرأ الناس قصة صمود غزة وانتصارها، وبطولات المقاومين والداعمين، وأصحاب المواقف الرائدة. وسيبرز اسم رئيس فنزويلا، هوغو تشافيز فرياس، الى جانب الأبطال القادة صانعي الحرية الشجعان الذين سطروا بمواقفهم صفحات مشرّفة في الكفاح ضد الظلم.

سيكون تشافيز أحد الأسماء البارزة في تاريخ شعوبنا والانسانية، أما الآخرون، "الأقربون"، المتواطئون من الحكام والساسة، فسوف يذكرهم التاريخ أيضاً، ولكن بسطور مختلفة، وعلى الصفحات التي ذكر فيها أمثال أبي لهب ويهوذا الإسخريوطي.

أصبح رئيس فنزويلا، ورغم بعد المسافة الجغرافية، أقرب الى أهل غزة من بعض حكام العرب وأعوانهم، بل صار عضواً أساسياً في معركة المقاومة البطولية التي يخوضها المجاهدون. تشافيز اكتسب هذه القربى بمواقفه الشريفة والشجاعة، في حين تحول آخرون ليصيروا أقرب الى العدو ومشاريعه، فقد جعلهم تخاذلهم وتواطئهم أعواناً للعدوان، ومروجين للاستسلام والخضوع، ومحاصرين لغزة، ومعادين للمقاومين.

في حرب تموز 2006، وقف تشافيز مندداً بالعدوان الصهيوني الأميركي، فهاجم الرئيس بوش وطالب بمحاكمته كمجرم. هذه المواقف الرائدة جعلت بعض الصحف المحلية عندنا تسمّيه: "أحسن رئيس عربي". أما إبان العدوان على غزة فقد قام بطرد السفير الاسرائيلي وأرسل المساعدات، وأطلق مواقف تضامنية ذات تأثير إنساني واسع، فانحاز للمقاومة في غزة بيده ولسانه وقلبه. أما بعض القادة والمسؤلين عندنا فصمتوا حيال الاعتداء، حتى أن بعضهم نددوا بالمقاومين وحملوهم مسؤولية ما يحصل، ولم يتجرؤوا على اتخاذ أية مواقف او قرارات ذات قيمة، بل إن بعضهم كان محاصراً لغزة. وبقي سفراء اسرائيل في عواصمهم آمنين مكرّمين، وأخذت أجهزة القمع تنكّل بالمتظاهرين، وتعتقل قادتهم، في حين بذلت أموالهم لتغدق على الأقلام والأبواق المروجة لثقافة الاستسلام وتهشّم بالصامدين المقاومين وتعمل كما دأبت دائماً على رمي الفتنة.

يدرك تشافيز أن العدو الذي جلب الويل لشعوب أميركا اللاتينية هو نفسه ذاك التنين الذي ينشب مخالبه وينهب الموارد في فلسطين والعراق وسائر أرجاء العالم، انه الإمبريالية عدوة الشعوب التائقة الى الحرية والعدل. هذه الإمبريالية دأبت على استفراد الأمم وتشتيت قواها حتى يسهل أمر اخضاعها وتطويعها.

في القرن التاسع عشر دعا المحرر سيمون بوليفير كل المقاومات الاستقلالية في أميركا اللاتينية، لتشكيل جبهة واحدة متعاونة لطرد الاستعمار الاسباني، وذلك بعد أن فشلت كل المحاولات الاستقلالية المحلية للمقاطعات بسبب استفراد الاحتلال لكل واحدة منها. وعلى أساس التضامن في جبهة واحدة تمكن المقاومون مع بوليفر من طرد الاحتلال الاسباني من سائر أرجاء القارة.

إنطلاقاً من الرؤيا التضامنية في مواجهته القوى العظمى، فإن تشافيز يدرك ضرورة التعاون بين الشعوب التائقة الى الحرية والعدل، كي تواجه الامبريالية التي تشكل اليوم قوة هائلة ممتدة في أرجاء الكرة الأرضية، والأكثر اتساعاً وقوة من إمبراطوريات القرن التاسع عشر. فالمقاومات الكيانية والاقليمية المحدودة لن تقوى منفردة على المواجهة، مما يستدعي التضامن بين كافة الشعوب المقهورة، لتشكيل جبهة واحدة تتعاون لرفع نير الظلم المتولد من هيمنة القوة الامبريالية وجبهتها الموحدة في أهداف السيطرة والنهب والتحكم بمصائر الأمم. وهذه الامبريالية تستعين بأدواتها من حكام فاسدين متواطئين، وطبقات مرتبطة بالمصالح الغربية والخادمة لها في سائر دول العالم الثالث.

ومن تجارب تشافيز، انه عندما واجه الطبقة المسيطرة على فنزويلا وقام بسلسلة إصلاحات زراعية، وإعادة هيكلة شركات النفط، وتأميم بعض المرافق الحيوية، وجد نفسه مباشرة في صراع مع الولايات المتحدة الأميركية، التي اعتبرت أعمال تشافيز خطراً على مصالحها في الاستغلال، مدافعة عن الطبقات الاحتكارية المتعاونة معها وشنّت عليه أبشع حملات التشهير، وقامت بالتحريض ضده، ومحاولة إسقاطه في إنقلاب فاشل، وهذا يدل على أن الفساد الداخلي موجود في كل دول العالم الثالث. إستطاع تشافيز عبر التعاون مع نظرائه في أميركا اللاتينية من تحصين مهمته وهزيمة محاولات واشنطن وسياستها النيوليبرالية.

وكما أثمر تعاون الشعوب المقاومة في جبهة تحقيق الاستقلال مع سيمون بوليفير في القرن التاسع عشر تحريرا لأميركا اللاتينية من الاستعمار الاسباني، فإن تعاون الشعوب اللاتينية المناضلة، قد أثمر انجازات كبرى بقيادة تشافيز ورفاقه في دول القارة، وأخذت الشعوب تخرج من هيمنة الامبريالية وأدواتها، وترسم طريقها في الحرية والسيادة. وقد نجحت حركات التحرر في أميركا اللاتينية باحباط محاولات الولايات المتحدة الاطاحة بها، أو استفرادها. بل إن المد التغييري أخذ يتسع بشكل كبير في كل الأرجاء، كما أنها بتضامنها استطاعت فك الحصار عن كوبا، التي حاصرتها واشنطن وأدواتها من الحكام المتواطئين في القارة طيلة 50 عاماً. في المقابل، نجد أن الأنظمة العربية عندنا كانت عاجزة بل متواطئة مع الولايات المتحدة، في حصار العراق واحتلاله، وحصار ليبيا اقتصادياً، والمؤامرات على السودان لتقسيمه والعدوان على لبنان، وحالياً يتكشف تواطئها في عملية حصار غزة.

بعض حكامنا في العالم العربي يشبهون كثيراً أولئك الحكام الطغاة الفاسدين في أميركا اللاتينية، الذين لعبوا دور الأدوات في إخضاع شعوبهم للهيئة الإمبريالية، وسجّلوا عمليات السلب لموارد بلداتهم أمثال: باتيستا في كوبا وسوموزا في نيكاراغوا وبيتوشيه في تشيلي وغيرهم المئات في سائر الدول كالبرازيل والأرجنتين والباراغوي ودول أميركا الوسطى وغيرها. وكل مراقب عالم يكتشف أوجه الشبه الكثيرة بين هؤلاء وسائر الطغاة من حكام العالم الثالث، كبعض حكامنا. كما أن مدن الصقيع التي تعج بعشرات الملايين من الفقراء المعدمين في مختلف أرجاء أميركا اللاتينية، تشبه كثيراً أحياء الفقر والفاقة ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في مختلف أرجاء العالم العربي، بالإضافة الى تشابه مآسي الفلاحين في أميركا اللاتينية وعالمنا العربي. وجميع هؤلاء هم ضحايا الامبريالية وأدواتها من طبقات حاكمة متواطئة مع الغرباء.

إن الشعوب المناضلة ضد الظلم والاستغلال هي حكماً في خندق واحد، تواجه عدواً واحداً متمثلاً بامبريالية متوحشة، وأدواتها في داخل كل أمة. لذلك، فإن توحد هذه الشعوب المناضلة أمر ضروري في جبهة الصراع العالمي نحو التحرر. ومن هذه الرؤيا ينطلق تشافيز مدركاً أهمية التعاون في ساحة المقاومة للظلم على مدى الانسانية. وبهذا تردم المسافات والفواصل الجغرافية وتذوب الحواجز لتنبعث حركة تعاون الشعوب المظلومة التائقة للحرية والعدل فتحقق هويمة الامبريالية.

إن هوغو تشافيز الحر الشجاع، صار أقرب الينا من العديد من ساستنا وحكامنا، الذين خضعوا للامبرياليين، وكبلوا شعوبهم بمعاهدات وتسويات على حساب الحقوق الوطنية. إنه أقرب إلينا كونه يستمد أصالته من إرادة شعبه الحر، الذي قرر أن ينهض، فشعبه يحبه ويحميه، أما عندنا فالحكام تحميهم مماليكهم من جيوش وأجهزة وتدخلات استعمارية.

إن هوغو تشافيز بمواقفه صار أخاً وحبيباً لكل مناضل في غزة وسائر ساحات الصمود والشرف. ورسالته التي أعلنها وحققها ستترجم الى فعل ونداء، ينتشر في العالم: بأن شعوب أميركا اللاتينية، الحاملة لواء الحرية والعدل، تتضامن مع كل ثائر مقاوم في ساحة الانسانية.

موقف تشافيز ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل نقطة ضوء في آفاق المستقبل، تنير طريق الشعوب المظلومة، وتدعوها للتوحد والتعاون على دروب الحرية والعدالة.