العدد التاسع والثلاثون - شباط

كلدو وآشور في ذاكرة التوراة *

سهيل قاشا
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

يعتبر كتاب العهد القديم (التوراة) المساحة الواسعة التي يرسم كتّابه جغرافية كبيرة لبلاد كلدو وآشور سياسياً واجتماعياً وفكرياً ودينياً، حيث أن حضارة كلدو وآشور مدّت بالكثير من عطاءاتها اللغوية والأدبية والروائية والفكرية والدينية. ومازال الباحثون في حقل الدراسات الكتابية يكتشفون بين الآونة والأخرى التأثيرات - المقتبسات والمشابهات - الفاعلة التي طبعت حضارة كلدو وآشور بطابعها الكثير من المعطيات الكتابية، وهذا ما تفرضه الدراسات الحديثة من أجل فهم العديد من النصوص الكتابية فهماً علمياً صحيحاً، لن يكون ذلك كافياً ولا وافياً في صفحات معدودة بهذا الكتاب. لكننا نكتفي هنا بهذه "الدروس الأولية" آملين ان يثير فينا فضولاً وشهية للبحث الأشمل والغوص الأعمق في غنى تلك الحضارة (البابلية، الآشورية، الكلدانية...) على أفكار التوراة وطروحات العهد القديم.

 

توسع آشور :

أول من أسس الامبراطورية الآشورية الحديثة كان تغلات بلاسر الأول الذي سمّى نفسه "ملك العالم، ملك آشور، ملك الجهات الأربع، ملك أصقاع الأرض" وافتخر بأنه حقق انتصارات واحتلالات من التراب الأسفل حتى البحر الأعلى، عندما حكم حوالي العام 1100 ق.م سار لمحاربة بلاد نايرين (في الشمال) وقصد لبنان وقطع أرزه، وأخذ جزية من جبل (جبيل) وصيدون وآرواد.

عبر الفرات ثمان وعشرين مرة. وصل جيشه الى بحيرة وان (شمال شرق دجلة) سيطر على كل شمال بابل واحتلّ مدينة بابل. لكن هذه المرحلة من المجد لم تدم طويلاً إذ تبعتها قرون مظلمة.

تلا ذلك عصر آخر من السيطرة مع آشور ناصر بال الثاني (883-859 ق.م) ذي القوة والسطوة من بت _ أديني. عبر نهر الفرات، واستولى على كركميش، وتجاوز شمال سورية (حطينا)، وغسل أسلحته في البحر الكبير (الأبيض المتوسط)، آخذاً الجزية من صور، وصيدا، وأرواد، ومن مدن أخرى، ثم صعد الى جبال امانوس (شمال غرب سورية).

وسّع خلفه شلمناصر الثالث (858 - 824 ق.م) حدود آشور جداً، وكان يفتخر انه بلغ منابع نهري دجلة والفرات. سار لمحاربة اكاد (بابل) ودخل مدن بابل، وكونه، وبورسيبا، في الشمال وصل الى بحيرة وان بارمينية. وسنة 853 ق.م غزا سورية، فخضعت حلب له، ولكن في قرقر على نهر العاصي (أورونتس)، صادف تحالف اثني عشر ملكاً، كانت من ضمنه قوات آحاب ملك اسرائيل، وحدد عزر ملك دمشق، وفصائل ايضاً من حماة، وقو، ومسري، وارواد، وعرابيا، وعمّون سنة 841 ق.م . عبر الفرات للمرة السادسة عشرة، وهزم حزائيل ملك دمشق، وتلقى الجزية من صور وصيدا، ومن ياهوه ملك اسرائيل.

 

صعود نجم آشور:

أضعفت ثورات أوراترو (أرارات) وتجاوزاتها دولة آشور، لكن الملك تغلات بلاسر الثالث (745-727 ق.م) أوقف تقدّم أوراترو، فاحتل أرواد، وغزا فلسطيا، وتلقى الجزية من كمّوخو، وميليد، وقو، وشمأل، ودمشق، وصور، وجبيل، وعرابيا (بلاد العرب)، ومن مصادر أخرى، بمن فيهم مناحيم ملك اسرائيل.

 

 

 

 

وصل تغلات بلاسر الى طورشبا في اوراترو، ولكنه عجز عن احتلالها. وأقنعه آحاز بمواجهة اسرائيل ودمشق ضد يهوذا (اليهودية) (2 ملوك 16:15 - 19) (اشعيا 7-8) فاحتل دمشق والحقها بامبراطوريته، وضمّ اليها ايضاً كل اسرائيل باستثناء مقاطعة السامرة، وأجلس هوشيع على عرش اسرائيل.

وبعدما أصبح شلمناصر الخامس (727 -227ق.م) ملكاً للدولة الآشورية، انتفضت دولة اسرائيل عليه، عندها غزا شلمناصر اليهودية، وسجن ملكها هوشيع، وحاصر السامرة.

ثم أكمل سرجون الثاني (721-705 ق.م) غزوها واخضاعها، وسبى (27290) اسرائيلياً الى بلدة حاله، ونهر الخابور (غوزان) وميديا. وأعاد بناء السامرة، وأتى بغرباء من بابل، وكوله، وأفّا، وحماة، وسيفارقايم (حوليات سرجون. ملوك الثاني 17 - 18). وهزم حنّو ملك غزة، وصيبا، ملك مصر في راقيا (رفح) (راجع ملوك الثاني 17:4).

سنة 711 ق./، أمسك أزوري، ملك أشدود، عن دفع الجزية، فانتشرت الانتفاضة. ومن دون أن ينتظر سرجون جمّع كل جيشه، غزا الساحل، فاستولى على مدن جت، وأشدود، وأشدودمو. بعد ذلك، أخضع سرجون بابل التي كانت تحت حكم مروباخ - بالادان، وبنى عاصمة جديدة في دور - شروكين.

قامت في وجه ابنه سنحاريب (704-681 ق.م) ثورة في فينيقيا، وفلسطيا، شجعهما عليها مروداخ - بالادان ومصر (2 ملوك 20:12 إشعيا 39) لكن سرعان ما استسلمت المدن الفينيقية، ومؤاب، وأدوم، وعمّون، أما الآخرون فدفعوا الجزية، ثم هزم القوة المصرية الأثيوبية في إلتكه، وحاصر عقرون وأخذها. بعدها غزا اليهودية وأرغم اورشليم على الاستسلام (حوليات سرجون و2ملوك 18، إشعيا 36) سقطت بابل أمام سنحاريب 789 ق.م فعاث جيشه في بابل فساداً بلا شفقة.

 

ذروة وأفول

أغتيل سنحاريب في نينوى في مؤامرة حاكها ضده إبناه أدرملك وشرآصر شقيقا أسرحدون الأكبر سناً (680-669 ق.م). لاحقهما أسرحدون حتى هانيجيليات غربي دجلة الأعلى، لكنهما فرّا الى "بلاد أرارات" (2ملوك 19:36-37) بعد فشل أولي في مصر، دخلها أسرحدون واستولى على ممفيس، وضم مصر الى الأمبراطورية، وبالرغم من هزيمة ترحالة ملك مصر، فقد نجح في الفرار الى نابّاتا. أعلن أسرحدون أنّه استولى حتى على اثيوبيا (كوش).

على أثر كل هذه الانتصارات، دعا نفسه "ملك آشور، حاكم بابل، ملك كاردونياس (بابل)، ملك مصر، باتوريسي (باتروس) الكتابية (في مصر العليا)، واثيوبيا". وفي طريق العودة، أخضع اشقلون (عسقلان). ولأن منسّى، ملك اليهودية، كان قد شارك، على ما يبدو في الثورة في هذا الجزء من الامبراطورية أو لأنه توقف عن دفع الجزية، فقد نفي الى بابل على الحدود الشمالية الغربية، هزم اسردون تيوسفا، ملك القمارين، و"داس رقاب الشعب في خلاكو، وأوقف مؤقتا تقدم القوطيين.

فام آشور بانيبال (668-630 ق.م) بحملة أولى ضد مصر، فاستولى على ممفيس واحتل طيبه، وفي حملة ثانية، هزم تندمان خليفة ترحاكه، واستباح طيبة يرد ذكره في سفر عزرا (10:4) على انه "اوسنبار" (هو آشور بانيبال، وحرفيا:استفر، النبيل والعظيم".

أيام آشور بانيبال، بلغت الدولة الآشورية ذروة نموها الثقافي، وهذا ما تعكسه أماكن اقامة الملك والمكتبة التي اكتشفت في نينوى التي كانت يومئذ العاصمة الأخيرة للدولة، تقوم على الضفة الشرقية من نهر دجلة، وكانت تعرف ب "المدينة العظيمة". يعلن واضع سفر يونان انه كان يلزم ثلاثة أيام

 

 

 لاجتيازها" (يونان 3:3). وتفيد المعطيات الأركيولوجية ان قطرها كان يزيد قليلاً على أربعة كيلومترات، لكن بالمقارنة مع قرى اسرائيل الصغيرة كانت تبدو وكأنها مدينة كبيرة. أظهرت الحفريات روعة قصر سنحاريب فيها، مع الأسوار التي كانت تحيط بالمدينة، التي كان طولها يبلغ 12 كم، وفيها اثنا عشر منها، اكتشف منها أربعة: شمش، نركال، مشتاكي، أدد.

تمكنت مصر وبابل من الافلات من قبضة الأشوريين، فكان الأفول بعد موت آشوربنيبال سريعاً.

أيام نابوبلاسر، نالت بابل الاستقلال سنة 626 قبل الميلاد، بعد هجوم آشوري فاشل على بابل. سقطت الدولة الآشورية بيد الماديين سنة 614 قبل الميلاد، ودمّرت نينوى على يد الماديين والبابليين سنة 612 ق.م (سفرناحوم).

تقلّد آشور وبلّيط الحكم على آشور في حاران وفي سنة 610 ق.م انسحب الى سورية عندما استولى الماديون والبابليون (الكلديون) على حاران.