العدد التاسع والثلاثون - شباط

هل ينجح العرب في تحقيق التكامل بين الدول العربية بهدف ايجاد اتحاد عربي ؟

د. واجب قانصو
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

يعيش العالم اليوم عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى (الاتحاد الأوروبي، أميركا الشمالية NAFTA ، أميركا الجنوبية (الأرجنتين، بوليفيا، البرازيل، التشيلي، الباراغواي، والاوروغواي)) في ظل العولمة التي صارت موضوعا خلافيا مثيرا للجدل خاصة في وطننا العربي حيث لم نصل إلى مفهوم موحد للعولمة أو إلى برنامج موحد لمواجهة العولمة والاستفادة من التجارب الاقتصادية الكبرى لمواجهة تحديات العولمة على عالمنا العربي.

و تتمثل العولمة بالترابط بين المجتمعات، بحرية التبادل والاستثمارات، بالمنافسة، بالتطور، بثورة الانترنت ووسائل الاتصالات وغير ذلك...ولكنها لا تعني "الأمركة" ، وليست تسلط القوى الاقتصادية الكبرى على الدول النامية والفقيرة واستنزاف مواردها واليد العاملة فيها إلا إذا لم تعتمد هذه الدول سياسات تحمي نفسها...ولا تعني بالتالي التفريط بالسيادة وبالهوية والقومية إذا استطعنا حماية سيادتنا وهويتنا وقوميتنا...إنها تطال كل العالم بما يخدم التنمية الاقتصادية وتشكل حافزا للالتقاء على تطوير اقتصادياتنا والعمل على تأسيس الاتحاد العربي، مما يحولنا إلى شريك أساسي في صنع القرارات العالمية خاصة وأننا نملك سلاحا اقتصاديا أساسيا ألا وهو النفط ومما يضمن مصالح وحقوق الشعب العربي بوجه كل المشاريع الدولية التي تهدف إلى تمزيق الوطن العربي.

1.  مفهوم الترابط أو L’interdépendance

ذكرنا سابقا أن العولمة تتمثل بالترابط بين المجتمعات و يتجلى مفهوم "الترابط"  من خلال حدث اقتصادي في بلد معين يؤثر على الاقتصاديات الأخرى ولا سيما من خلال التدفقات التجارية والمالية. وقد ساعدت أزمة الأعوام الثلاثين على قياس النتائج السلبية عندما حاولت البلدان الصناعية تصدير الكساد إلى جيرانها من خلال تخفيض قيمة العملة المنافسة. وبرهنت فترة النمو التي اتسمت بها "الثلاثين المجيدة" أن ترابط الاقتصاديات يمكنه تغذية محرك النمو العالمي. فخلال الأعوام 1980 - 1990 انخفضت العقبات السياسية والاقتصادية والحواجز التقنية أمام تبادل السلع وتدفقات رؤوس الأموال، وتعزز اندماج الاقتصاديات بشكل أكبر، وتعددت قنوات انتقال الصدمات المتنوعة ، مما تتطلب من الدول تكييف أوضاعها الاقتصادية، الأمر الذي طرح مشكلة التعاون الدولي.

القناة الهيكلية الأولى للترابط هي التكامل الاقتصادي أو Economic Integration. وهو مفهوم يستعمل على نطاق واسع في الأدب الاقتصادي العالمي ، ويمكننا تمييز نوعين من التكامل الاقتصادي، الأول هو التكامل الاقتصادي الوطني ويقوم على أساس التبادل الإنتاجي بين الوحدات الأساسية داخل الدولة الواحدة، والثاني هو التكامل الإقليمي أو التبادل بين بلدان منطقة جغرافية واحدة ، ولهذا التكامل درجات متعددة وأهمها: منطقة تجارة حرة، الاتحاد الجمركي، السوق المشتركة، الاندماج الاقتصادي، الاندماج السياسي.

 والتكامل العربي المرجو هو شراكة اقتصادية سياسية أو تكامل اقتصادي سياسي يجمع الدول العربية في إطار يضمن سيادة كل دولة عربية وذلك للحفاظ على الوحدة العربية في مواجهة التحديات وعلى أمن الدول الأعضاء وحماية مصالحها العسكرية والأمنية والإستراتيجية للدفاع عن أراضيها في حال حصول أي عدوان عليها وها هي تجربة غزة ما زالت ماثلة أمامنا حيث أن الانقسام العربي شجع إسرائيل على الاستمرار في عدوانها دون أي رادع.

 والجدير بالذكر أن الدول العربية  لا تستطيع مستقلة تحقيق النمو والدفاع عن مصالحها الاقتصادية في ظل العولمة، أضف إلى ذلك أن المؤسسات أو الشركات العربية بحاجة إلى أسواق أوسع من الأسواق المحلية الوطنية لإيجاد زبائن جدد، من هنا أهمية السوق العربية المشتركة لتعزيز التنافس الحر وإزالة كل المعوقات أمام التبادل التجاري وكل الصعوبات الإدارية التي تحد من الانفتاح.

ولا شك أن القناة الهيكلية الثانية للترابط تتعلق بالتكامل المالي العربي لأن هذا الترابط المالي يشكل دعامة أساسية للانتقال السريع للصدمات، لأن الأسواق المالية تتفاعل بشكل سريع مع كل جديد والاندماج المالي يمكن بالتالي إنتاج ترابطا مبنيا على أساس الثقة ووضعية الأسواق، وهذه الثقة يمكن أن تكون دعما جديدا وقويا للترابط الاقتصادي.

 

 

2.  العناصر الأساسية للتكامل الاقتصادي

 

العناصر الأساسية للتكامل الاقتصادي

اتفاقية التجارة الحرة

إزالة التعريفات الجمركية بين الدول الأعضاء وتخفيف الحواجز غير الجمركية

الاتحاد الجمركي

اتفاقية التجارة الحرة + تعريفات جمركية موحدة بالنسبة للخارج

السوق المشتركة

الاتحاد الجمركي+ حرية انتقال رؤوس الأموال والأيدي العاملة + مواءمة جزئية للسياسات

الوحدة الاقتصادية

السوق المشتركة + سياسات ومؤسسات اقتصادية موحدة

 

 

3.  نماذج عن التعاون العربي

إن الاقتصاد العربي أقرب إلى اقتصاد الدول النامية رغم ارتفاع معدلات الدخل الفردي في معظم الدول النفطية، فالاقتصاديات العربية مجزأة، غير مترابطة ، تتمتع بأسواق محدودة، وترتبط كل دولة في المنطقة بالعالم الخارجي بأكثر مما ترتبط بالمنطقة، وبالتالي لا يرقى الوضع العربي إلى مستوى "الحقيقة الاقتصادية" ، و لقد أثبتت التجارب العربية، أن جامعة الدول العربية التي أسست للعمل العربي المشترك، أفلست بل أصبحت فاقدة الفعالية بفعل الخلافات الداخلية وعدم مصداقيتها لدى المجتمعين العربي والدولي. وهناك مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية في إطار الجامعة إضافة إلى العديد من الاتحادات العربية "المشتتة" كالاتحاد العربي للنقل العربي، واتحاد الموانئ العربية، الاتحاد العربي للصناعات الهندسية....

وإن أهم أشكال التعاون أو التكامل الاقتصادي التي تضمنتها المواثيق العربية هي:

1.   اتفاقية الوحدة الاقتصادية بين دول الجامعة العربية لتحقيق ما يسمى التكامل الاقتصادي العربي على مراحل تدريجية والتي أقرت في 3-6- 1957 ودخلت حيز التنفيذ في 30-4-1964، وتغطي المجالات التالية:

-  حرية انتقال الأشخاص وحرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة العمل الاقتصادي.

-  حرية انتقال رؤوس الأموال وحقوق التملك والإقصاء والإرث.

-  حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائط النقل والمرافئ والمطارات المدنية.

بل أن الاتفاقية قد ذهبت إلى أبعد من ذلك فدعت الأطراف المتعاقدة للوصول إلى تحقيق الوحدة المنشودة إلى جعل بلادها منطقة جمركية واحدة، وتوحيد سياسات الاستيراد والتصدير وأنظمتها، وتوحيد أنظمة النقل والترانزيت، و عقد الاتفاقات التجارية واتفاقات المدفوعات مع البلدان الأخرى بصورة مشتركة، وتنسيق تشريعات العمل والضمان الاجتماعي، وتنسيق تشريعات الضرائب والرسوم والسياسات النقدية والمالية وتلافى الازدواج الضريبي، وتوحيد أساليب التصنيف والتبويب الإحصائية.

 

2.  السوق العربية المشتركة: لتحقيق الأهداف التي نصت عليها الاتفاقية المذكورة أعلاه.

 

3.  مجلس التعاون الخليجي (الإمارات العربية المتحدة، البحرين، السعودية، سلطنة عمان، قطر، الكويت) الذي تأسس لتحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها، وقد قرر المجلس عام 2007 إنشاء السوق الخليجية المشتركة التي تهدف إلى تحقيق هذا التكامل وخاصة التكامل الاقتصادي. ولا شك أن الخليج هو أساسي في إنتاج النفط.

 

4.  معاهدة الأخوة والتعاون بين لبنان وسوريا: التي أقرت عام 1991 لتحقيق أعلى درجات التعاون والتنسيق بينهما في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والعلمية وغيرها بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في إطار سيادة واستقلال البلدين. وقد نصت المعاهدة على تشكيل لجنة اقتصادية اجتماعية تعمل على التنسيق الاقتصادي والاجتماعي للدولتين.

 

وإذا أردنا أن نأخذ مثال التعاون الذي تحقق في الاتحاد الأوروبي والذي يعتبر فريدا من نوعه ومعبرا عن سياسة تاريخية استثنائية، لا بد من أجل تنفيذ المهام المطلوبة والحصول على النتائج المرجوة، على الدول العربية الأعضاء إنشاء مؤسسات تدير الاتحاد واعتماد القوانين والتشريعات، ومن أهمها:

 


-    إنشاء عملة عربية موحدة على غرار "اليورو"


-    إنشاء ما يسمى "البرلمان العربي" يمثل شعوب الدول العربية.


-    إنشاء ما يسمى " المجلس التنفيذي للاتحاد العربي" يمثل حكومات الدول الأعضاء وهو موقع القرار الأساسي في الاتحاد.


-    إنشاء ما يسمى "اللجنة القانونية العربية" عملها يقتصر على: اقتراح القوانين على البرلمان، ادارة وتطبيق سياسة وموازنة الاتحاد، تطبيق القانون العربي، تمثيل الاتحاد العربي على الساحة الدولية كما في حال التفاوض عند توقيع اتفاقية معينة بين الاتحاد وأي دولة أخرى، على سبيل المثال.

 

مثلث القرار في الاتحاد العربي

 

المجلس التنفيذي للاتحاد  العربي

Text Box: المجلس التنفيذي للاتحاد  العربي

 

 

 

 

 

الاتحاد العربي 

Isosceles Triangle: الاتحاد العربي  

البرلمان العربي

Text Box: البرلمان العربي

اللجنة القانونية العربية

Text Box: اللجنة القانونية العربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

المؤسسات الأخرى:

 


-    إنشاء ما يسمى "لجنة الرقابة" مستقلة عن الحكومات والبرلمان وهي تقوم باقتراح المشاريع والسهر على تطبيق القوانين والتشريعات. هذه اللجنة تؤلف من ممثل لكل دولة عضو في الاتحاد.


-    إنشاء ما يسمى "اللجنة الاقتصادية - الاجتماعية العربية" ذات طبيعة استشارية، تهتم بفرص العمل، والمصاريف الاجتماعية، والتدريب المهني، النقل، الصحة، التعليم،...


-    إنشاء ما يسمى " محكمة العدل العربية" تتألف من قاض يمثل كل دولة عضو. وهذه المحكمة دورها أساسي في السهر على توحيد القوانين بين الدول الأعضاء، و تطبيقها بشكل عادل بين الدول الأعضاء.


-    إنشاء ما يسمى " محكمة المال العربية" تهتم برقابة المالية العامة للاتحاد العربي.


-    إنشاء ما يسمى "المصرف المركزي العربي" لإدارة النقد العربي والحفاظ على مستوى سعر الصرف.


-    إنشاء ما يسمى "المصرف العربي للاستثمار" لإدارة الاستثمارات العربية ومنح القروض عند الحاجة.

 

 

جدول مقارنة بين واقع الدول العربية وواقع الاتحاد الأوروبي حسب إحصاءات عام 2006

 

 

الدول العربية

الاتحاد الأوروبي

المساحـة

14.2  مليون كم2

4.2 مليون كم2

عـدد السكــان

316.6 ( مليون نسمة )

493 مليون

نسبتهم إلى سكان العالم

4.8 %

7%

الناتج المحلى الإجمالي

1.273.4 ( مليار دولار )

10957.9 مليون أورو

 الصادرات السلعية

657.0 ( مليار دولار )

1071.9 مليار أورو

 نسبة الصادرات إلى الصادرات العالمية

5.5 %

18.1%

الواردات السلعية

358.3 ( مليار دولار )

1183.8 مليار أورو

نسبة الواردات إلى الواردات العالمية

2.9 %

18.9%

 

 

 

 

إذا، ومن خلال جدول المقارنة المذكور ، يتبين لنا أن الدول العربية تملك الإمكانات والقدرات التي تخولها البدء بالتفكير باتحاد عربي اقتصادي في بادئ الأمر لنستطيع تطوير اقتصادياتنا الوطنية ودفعها نحو الأمام في مواجهة العولمة التي صارت أمرا مفروضا نتيجة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والسياسية الحاصلة في العالم. ونحن نعلم تماما أن خلافات سياسية حادة تعصف بين الدول العربية، خاصة بين معسكري الاعتدال والممانعة، ولكن بالرغم من هذه الخلافات تستطيع الدول المتفقة (إلى حد ما) بين بعضها البعض أن تضع اللمسات الأولية لهكذا اتحاد، على سبيل المثال الدول التالية: لبنان وسوريا والأردن والعراق. ولنترك الآراء المختلفة تجاه سوريا جانبا، والتي تأخذ أحيانا منطق العداء المطلق، وليأخذ لبنان المبادرة بالدعوة إلى تحقيق التكامل الاقتصادي مع محيطه القومي، ربما نستطيع أن نعيد إحياء روح التعاون بين الدول العربية بدل هذا الانقسام الذي لم يولد سوى الضعف والاستسلام أمام كل التحديات التي تواجهها العالم شعوب العالم العربي. وليكن الاتحاد الأوروبي مثلا يحتذى به والذي منح أوروبا دورا رياديا في العالم. فهل ينجح العرب في تحقيق التكامل بين الدول العربية من أجل اتحاد عربي؟