العدد التاسع والثلاثون - شباط

السينما اللبنانية من "سينما الحرب" الى ما بعدها

الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

جورج نصر: السينما اللبنانية لها هوية ولكن تحتاج إلى دعم مالي

صبحي سيف الدين: نحتاج إلى تشريع يحمي صناعة السينما اللبنانية

سمير حبشي: يجب أن يقدم المبدعون الواقع كما يرونه

عاماً بعد آخر تحاول السينما اللبنانية أن تصنع لنفسها إطارا خاصا تتموضع فيه، وأن تضيف بصمتها السينمائية الإبداعية إلى جانب بصمات فنية أخرى. وها هي تقترب من الرمال المتحرّكة اللبنانية السياسية والطائفية والعشائرية. فتارة ينجح صناع السينما في تجنب هذه الرمال، وتارة تأتي صورتهم مهزوزة. فكيف يقاربون الراهن السياسي والإنساني في لبنان، بتعقيداته التي تبدأ بالانقسام الأهلي وشعارات "الاحتلال" و"الوصاية" و"إعادة البناء" و"المقاومة"؟ وهل استطاعت السينما اللبنانية خلال سنوات ما بعد الحرب الأهلية أن تضع قدمها على أولى درجات الصناعة السينمائية؟ وماذا ينقصها اليوم لتثبت نفسها وأن تجمع حولها جمهورا لبنانيا وعربيا ؟

 

يعود تاريخ صناعة السينما في لبنان إلى عام 1929، والتي تعتبر أول محاولة سينمائية لبنانية بتمويل أجنبي. فكان فيلما كوميديا صامتا أنتجه أحد الهواة الإيطاليين . ثم أنشأ أول استديو في لبنان عام 1933 وفيه أنتج عام 1938 أول فيلم سينمائي ناطق. وكان معظم العاملين في صناعة السينما في ذلك الوقت من الأجانب. ولكن ما لبث هذا الأستديو أن توقف عن العمل مع بدء الحرب العالمية الثانية. إلا أن السينما اللبنانية عادت لتنطلق عام 1943 عندما قدم المخرج علي العريس فيلم "بياعة الورد" ثم "كوكب أميرة الصحراء" عام 1946. لكن الانتاج السينمائي عاد ليتوقف كليا حتى عام 1957 بسبب غياب التمويل كما يقول المخرج والمنتج جورج نصر الذي يتابع: "في عام 1957 قدمت ثلاثة أفلام لبنانية أولها "زهور الصحراء" لميشال هارون و"عذاب الضمير" لجورج قاعي وفيلم من إخراجي حمل عنوان "إلى أين". لكننا واجهنا صعوبة وضع هذه الأفلام في صالات العرض التي كانت تحتكرها الأفلام الأميركية والمصرية. وفي عام 1960 قدم المخرج محمد سلمان فيلمه اللبناني الأول "مرحبا أيها القمر". لكنه اتجه بعد ذلك إلى تمصير السينما اللبنانية، فقدم أكثر من 50 فيلما نجح معظمها تجاريا".

 

إنتاج مشترك

على الرغم من صعوبات التوزيع والتمويل التي واجهت السينما اللبنانية حينها، إلا أنها كانت تنتج تقريبا ستة أفلام سنويا. ولكن عندما أمم الرئيس جمال عبد الناصر السينما المصرية عام 1962 جاء عدد كبير من السينمائيين المصريين إلى لبنان لعمل أفلامهم كما يروي نصر: "تحول الموزعون اللبنانيون الذين تمرسوا في توزيع الأفلام المصرية في الخمسينات إلى منتجين. ووصل عدد الأفلام اللبنانية-المصرية المنتجة سنويا إلى 25 فيلم، ولكنها كانت دون هوية أو جنسية".

وفي الستينات ظهرت الأفلام الغنائية ذات الطابع البدوي من خلال المجموعة التي قدمتها الفنانة سميرة توفيق. ويقول نصر: "مع انطلاق المقاومة الفسلطينية والعمل الفدائي عام 1965 ظهرت أفلام روائية طويلة تناقش قضايا المقاومة والثورة والنضال الفلسطيني. إلا أن هذا لم يمنع تقديم أفلام لبنانية ذات طابع إجتماعي مثل "الأخرس والحب" لإيميل بحري وريمون جبارة ومنير معاصري".

 

غزارة سينمائية

ومن المفارقة أنه خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، أنتج 35 فيلم سينمائي تناول حياة اللبنانيين الإجتماعية والسياسية خلال الحرب ومعاناتهم فيها، "عدا عن إنتاج أفلام أجنبية في لبنان تحدثت عن الحرب" بحسب نصر الذي يجزم بأن حركة السينما اللبنانية كانت ناشطة خلال الحرب الأهلية.

لذلك يصف البعض السينما اللبنانية بأنها "سينما حرب"، انطلاقا من تجارب مخرجين مثل برهان علوية  إلى مارون بغدادي وجوسلين صعب ورندا الشهال. ولكن مع انتهاء الحرب الأهلية جاءت "الكريزا المالية" كما وصفها نصر والتي أدت إلى توقف الحركة السينمائية في لبنان وإقفال العديد من الإستديوهات بعد إفلاسها. "ولكن هذا لم يمنع تقديم بعض الأفلام لمخرجين شباب عادوا إلى لبنان بعد أن عاشوا في أوروبا لدراسة السينما. فقدموا أفلاما عن الحرب الأهلية، ولكنها كانت سطحية لأنهم لم يعيشوا الحرب بل عرفوها من وسائل الإعلام والرواة. وقدم آخرون أفلاما بعيدة عن الحرب، وكانت بدورها سطحية أيضا بسبب بعدها عن الواقع الإجتماعي اللبناني".

 

بشارة خير

منذ عامين حتى الآن تشهد الساحة السينمائية اللبنانية حركة ناشطة وغزارة في الإنتاج السينمائي المنوع بين الكوميديا والرومانسية والدراما الإجتماعية. فشاهدنا "تحت القصف" لفيليب عرقتنجي و"سكر بنات" لنادين لبكي و"فلافل" لميشال كمون وغيرها، الأمر الذي اعتبره نصر "بشارة خير"، وأرجعه إلى التلفزيون الذي دخل في لعبة الإنتاج السينمائي. "فالأفلام التلفزيونية أقل كلفة من غيرها. ولكن رغم الدعم التلفزيوني للسينما اليوم، ما زال هناك غياب سوق لتوزيع الفيلم اللبناني" يقول نصر.

 

صناعة أم لا؟

وعلى الرغم من ذلك مازال النقاش محتدما في المنتديات السينمائية اللبنانية حول ما إذا كانت السينما اللبنانية صناعة أم لا؟ وهل تمتلك هوية واضحة؟

فهناك من يرى أن هذه السينما التي تقوم على المحاولات الفردية تفتقر إلى مواصفات الصناعة في ظل غياب الدعم الرسمي لها، في حين يراها البعض الآخر صناعة ناشئة. ورغم الجهود الحثيثة التي يبذلها السينمائيون اللبنانيون لدعم وتطوير هذه السينما ، ما زالت حركتها تتراوح بين المد والجزر متأثرة بالأوضاع الإقتصادية.

 

هوية واضحة

يرى المخرج ونقيب السينمائين اللبنانيين صبحي سيف الدين أن السينما اللبنانية صاحبة هوية واضحة، "ومن يقول غير ذلك طارىء على السينما اللبنانية التي تنوعت أفلامها على مدى تاريخها بين التجارية التي تهدف إلى التسلية والجادة التي تطرح قضايا المجتمع والوطن والحياة الثقافية اللبنانية. إلا أن المشكلة تكمن في أن المنتج والموزع لا يهتم بمادة الفيلم بل بأرباحه المادية".

وهنا يتذكر سيف الدين بداياته السينمائية في الخمسينات عندما كان وزملائه يبحثون عن منتجين يوافقون على إنتاج أعمال جادة تنبع من الواقع اللبناني، الأمر الذي كان صعبا للغاية. هذا عدا عن مشكلة ابتعاد الإعلام عن السينما بحيث لم يسلط الضوء على مشاكلها ولم يحاول دعمها معنويا على حد تعبيره.

 

فجوة سينمائية

وأزمة السينما في لبنان هي أن المخرج هو المنتج والموزع. كما أن التوزيع يقوم على العلاقة بين المنتج وصاحب الصالة، رغم أن الأخير يبدي تعاونا مع الأول. إلا أن هذا ليس كافيا لترميم العلاقة بين الجمهور والفيلم اللبناني، حيث يوجد سينما غير ناشطة وجمهور بعيد عنها. كما أن ثمة إحساس لدى فئة كبرى من الجمهور بأن الأفلام اللبنانية لا تشبهها. وبالتالي وجدت فجوة بين أفلام الأمس المبسطة وبين أفلام اليوم التي تتمتع بأسلوب سينمائي خاص لا يخاطب ربما الجمهور العريض.

فالسينما اللبنانية التي ظهرت بعد الحرب الأهلية في التسعينات قدمت أفلاما تسعى إلى جمهور محلي، ومعظمها كانت ممولة جزئيا أو كليا من أوروبا . وبالطبع كانت السوق العربية مقفلة أمامها. لهذه الأسباب، جاءت هذه الأفلام ذات طابع فني وثقافي أكثر منه شعبي أو جماهيري.

 

لا للدعم

يؤكد سيف الدين أن الدولة اللبنانية لا تدعم السينما. "لذلك نحن نحتاج إلى تشريع يحمي صناعة السينما اللبنانية. وأتذكر حين قدمنا دراسة لرئيس الحكومة الأسبق الشهيد رفيق الحريري لإنشاء صندوق دعم السينما اللبنانية قيمته مليوني دولار والذي سيسمح لنا بإنتاج 15 فيلم سنويا، رأى أن ذلك غير ممكن. ومنذ فترة قدمنا مشروعا إلى وزارة الثقافة لإقتطاع 250 ليرة لبنانية من تذكرة السينما لصالح دعم صندوق السينما. لكن لا يوجد من يتحمس ويتابع هذا الأمر في الدوائر الرسمية المعنية!"

 

 

وللديموغرافية دور..

ويرجع سيف الدين تأخر السينما اللبنانية إلى سبب ديموغرافي. ويشرح قائلا: "عدد سكان لبنان 4 ملايين نسمة. وعدد صالات العرض السينمائي قليل جدا وهي لا توجد إلا في بيروت. وهذا يعني أن السوق المحلي لا يكفي لتغطية نفقات الفليم اللبناني! وفي المقابل يبلغ عدد سكان مصر 70 مليون نسمة، وتوجد فيها الكثير من صالات العرض السينمائي المنتشرة في كل المحافظات والعاصمة. فإذا كانت كلفة الفيلم مليون دولار وشاهده مليوني مصري سيحقق الفيلم نجاحا ماديا!".

 

إنفراجات

رغم كل الإحباطات التي يعيشها السينمائيون اللبنانيون، إلا أنهم يرون أن حال السينما اليوم أصبح أفضل مقارنة بالتسعينات. فاليوم تعرض صالات السينما مجموعة من الأفلام التي تتراوح بين الجيدة والمقبولة. غير أن الأسى يكمن في أن هؤلاء السينمائيين حلموا بحركة سينمائية واعدة بعد انتهاء الحرب الأهلية، فصدموا بجمودها حسب سيف الدين حتى بعد إنشاء وزارة الثقافة. "لذلك نحن بحاجة إلى مؤسسة سينمائية تفتح أسواقا خارجية للفيلم اللبناني. أما محليا، فهناك بوادر إنفراج من خلال افتتاح مجمعات سينمائية كبرى تحتوي على صالات صغيرة توافق على عرض الأفلام اللبنانية باستمرار" يتابع سيف الدين.

وأحد دلائل هذه الإنفراجات وإن كانت قائمة على العمل الفردي، عرض فيلم "دخان بلا نار" للمخرج اللبناني سمير حبشي الذي طرح فيه قضية القمع في العالم العربي، من خلال شخصية مخرج مصري قدم إلى لبنان لتصوير فيلم عن الإستبداد على اختلاف أشكاله السياسية والإجتماعية والدينية والطائفية الذي تمارسه الأنظمة العربية على المواطن يوميا.

انطلق سمير من مرحلة ما بعد الحرب الأهلية وتحديدا من توقيع اتفاق الطائف عام 1990 وحتى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وعرض في الفيلم مشاهد التعذيب التي لحقت أبطاله بعد استهداف موكب السفير الأميركي في بيروت. ويرى حبشي أن الفيلم عصارة تفكيره السينمائي، لذلك تأنى كثيرا في كتابته. ويقول حبشي: "من المهم أن ندخل إلى أرشيفنا السينمائي أفلاما تاريخية ليس من ناحية الشكل بل على صعيد المضمون، وأن نكتب الواقع كما يراه المبدعون".

 

مفردات واقعية

ينطلق سمير حبشي في فيلمه من المثل الشعبي القائل "ما في دخان بلا نار" . ويقول: "أستوحي أعمالي السينمائية دائما من مفردات واقعية وأحداث تحيط بنا، لأنني أحب التعبير عن الأشياء التي تهمني شخصيا. ومن تجربتي الخاصة أرى أن الأمثال الشعبية التي نتداولها في حياتنا العامة كثيرا ما تخطئ. والدليل أن الدخان يمكن أن يتصاعد بلا نار"!

وما ينشده حبشي في الفيلم هو طرح أسئلة على المجتمع الذي من المفترض أن يجيب عنها للوصول إلى الحقيقة، "خصوصا أن الفيلم مليء بالقصص الملتبسة لنكتشف في النهاية أن لبنان كوطن وكفكرة حالة غامضة ومتناقضة!"

ويسلط الفيلم الضوء على قمع الإعلام للمجتمع، وكيف يشوه الحقائق حتى من خلال بعض الصدف. وهنا يضرب حبشي المثال التالي: "في التسعينات شهد لبنان ظاهرة سرقة السيارات والتي أشرت إليها في الفليم من خلال أحد الشخصيات الذي يربط قنبلة بسيارته حتى تنفجر بمن يحاول سرقتها، ولكنها تنفجر به وهو يقودها! والغريب ما قام به الإعلام عند تناوله الحادث فربطه بإسرائيل، واعتبر أن الموساد هو من فجر هذا اللبناني الفقير! أي أن شعار الحقيقة الذي تتغنى به وسائل الإعلام مخالف للحقيقة. وهذا أحد الإلتباسات التي يرصدها الفليم".

والأهم أن الفيلم يجمع بين الشعبية الجماهيرية من خلال اختيار بطليه (خالد النبوي وسيرين عبد النور) والنخبوية من ناحية موضوعه السياسي. إلا أن حبشي استطاع بسهولة أن يجد شركة إنتاج تمول فيلمه وهي الشركة العالمية التي يملكها المخرج العالمي الراحل يوسف شاهين. وتبقى مشاريع سينمائية لبنانية أخرى، عرضة لمأساة الصعوبات الانتاجية وغياب التمويل والدعم الرسمي.