العدد التاسع والثلاثون - شباط

أطلق عمله الاخير "قيثارتان"

الفنان سميح شقير ل"تحولات": الفنان في بلادنا غير محمي والاعلام ظلمني
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

اقترن اسم الفنان سميح شقير في وجداننا بالأغنية الوطنية، حملنا حجارة قلوبنا ومضينا إليه، نرشق ألمنا بكلماته ونعزي أحلامنا بوجوده بيننا . لم تتعبه الحياة ، ما زال يغني وما زلنا نصغي إلى  وقع نبضه ونشاركه الأمنيات. ما زلنا نصفق له حالمين معه بيوم جديد للحرية. قدم آخر ألحانه لقصائد محمود درويش، تمنى أن يشاركه النشيد في حضوره لكن القدر أبى ذلك، وتركنا نرسم الحياة بين كلمات درويش وصوت سميح يعلن رحيله بلحن قيثارتين ووردة.

"تحولات" التقت الفنان سميح شقير للحديث عن تجربته الغنائية بعد صدور عمله الأخير " قيثارتان":

 

-  هل ما زال بإمكانك إقناع الجمهور الذي كان يتابعك منذ عشرين عاماً، بعد كل الهزائم التي نقطفها اليوم ؟

 

لطالما آمنت بالناس الذين عشت وأعيش معهم وبيننا جسور كثيرة. تعودت أن أشعر بهم وأتلقى أحاسيسهم بما قدمته وأقدمهظن ويمكنني القول أن الجسور مفتوحة بيننا ، فنحن نتقاسم كل شيء في هذه المنطقة بهمومها وألمها وفرحها القليل . لذلك، لهؤلاء الناس حضور في وجداني وفي أعماقي ، وأشعر أن أغنيتي هي تعبير عن حميمية هذه الصلة التي بيننا. فمعهم أذوب في العلاقة بين الفردي والعام ، بين الجزئي والكلي.

 

-  برأيك إلى أي مدى تساعد الأغنية في إيصال القصيدة الشعرية إلى الناس ، خاصة وأن لك مجموعة شعرية منشورة ؟

 

هي نافذة لجعل القصيدة أقرب وأكثر سلاسة على ألسن الناس . الأغنية تستطيع أن تقدم الانتشار لقصيدة ما وأن تقدمها بصيغة من شأنها أن تجعل الناس يحفظونها من خلال التكرار. فالأغنية تدخل القصيدة في الذاكرة وتحولها إلى جزء من وجدان المستمع أكثر مما تفعل القصيدة عينها في كتاب ما. أعتقد أن إيصال قصيدة ما عبر أغنية لها تأثير أكبر ووقع أقوى لدى الناس .

 

-  أغنياتك مرت على جيلين. جيل قديم كانت له أحلامه وظروفه وقناعاته و آماله ، وجيل جديد مختلف في سلوكه الحياتي العام وفي تفكيره ووعيه. ماذا تستطيع أن تقدم لهذا الجيل من خلال الأغنية ؟ّ

 

إذا كان الجيل الجديد لا يستطيع أن يسمع الأغنية التي تلامسه وتحكي عنه وعن مشاكله وأحلامه وطبيعة العصر الذي يعيشه ، فالمشكلة ليست فيه بقدر ما هي في الفن الذي يعيش بين ظهرانيه. كشخص يعمل في هذا المجال ، أقول أنني أتحمل جزءا من المسؤولية إذا ما لم أقوى على تقديم ما أراه مطلوباً و ضرورياً لهذا الجيل ومشكلاته. فالشباب هم دائماً محركو التاريخ ، وهم الأصفى والأجمل والأقدر على تمثل الأفكار الشفافة وروعة ما في النفس البشرية ، وهم الأبعد عن مفهوم اللعبة كما يعيشها الكبار . إيماني بالجيل الشبابي قوي وأعمل جاهداً في أن تكون أغنيتي قريبة منهم ومن همومهم .

 

-  غنيت للوطن والأرض والتسامح والمحبة. أين المرأة في أغنيتك ؟

هي موجودة أحياناً بوضوح وأحيانا أخرى ممتزجة بتلاوين الحياة وأصدائها وطبيعتها . المرأة في أغنياتي ، على الأرجح معجونة بشيء آخر ، هي ليست منفصلة عن سياق حياتي معين. هي مؤثرة وفاعلة ولكن ضمن مجموعة عناصر متفاعلة ومتكاملة. هي حاضرة كمعنى داخل معظم أغنياتي ، حتى وإن لم أنطقها في الأغنية كتسمية مباشرة. ومن لم يستطع رؤيتها فليبحث عنها جيداً .

 

-  هل يشعر الفنان سميح شقير أنه لم يلق الاهتمام اللازم من الجهات والهيئات الرسمية؟

كنت أتمنى لو كان الفنان محصنا عندنا كي لا يضطر للدخول في دهاليز التفاصيل التي تعيق فاعليته.

الفنان في بلدنا غير محمي وغير محصن رغم أن البعض يحصلون على بعض المكتسبات .رأيي الشخصي أن حفظ حقوق المبدع يجعله إلى حد كبير محصناً في جوانب حياتية كثيرة خصوصاً الجانب الاقتصادي ،لأنه في هذه الحالة يصبح فنه راعيه فلا يعود بحاجة إلى رعاية هيئات أو مؤسسات معينة .فحين أقدم منتجا إبداعيا معينا محفوظ الحقوق، تتحقق معادلة حصانة الفنان التي أشرت إليها. لكن المشكلة في المنطقة العربية كلها ،أن النتاجات الفنية والفكرية و الإبداعية عامة هي غير محمية ما يجعلها عرضة للسرقة. فأنا مثلاً أغامر حين أسجل (cd) أو كاسيت يكلفني مبلغاً معيناً ، دون ان أكون مطمئنا لأن أستعيد التكلفة التي قدمتها لأن المنتج مستباح وغير محفوظ الحقوق لصاحبه. فأي بائع كاسيت يمكن أن يستفيد أضعاف ما يستفيد الفنان صاحب الكاسيت. وللأسف، فان وسائل حفظ حق المبدع أو الفنان رغم وجود بعض القوانين في هذا الشأن هي غير كافية لزجر هذه السرقة العلنية بحق المبدع .

أنا لا أطلب مكافآت من مؤسسة أو هيئة ثقافية معينة . لكني أتمنى لو أحصل أنا وغيري من الفنانين وكل المبدعين على حقوقنا في إنتاجاتنا .

 

-  كنت أقصد في سؤالي السابق الاهتمام الإعلامي بالدرجة الأولى. اذ أعتقد أن ثمة تهميش إعلامي لأغنياتك.

 

لا أعتقد أن ثمة شيء مقصود في هذا الاتجاه ، لكن ثمة رؤية بعين واحدة . فأنا موجود في ذهن مجموعة من الناس نتيجة التركيز الإعلامي على مجموعة من أغنياتي ، وأظهرني في حيز من مساحتي وهي الأغنية الوطنية. فلو رآني الإعلام بعينين اثنتين ورأى تجربتي في إطارها الشامل ، سواء على صعيد القصيدة في أغنيتي، أو البحث الموسيقي الموجود لدي وولعي بالاجتهاد في تقديم لغة فنية جديدة لكان الأمر مختلفاً . لكني واثق أنهم وضعوني في مكان ضيق من مساحتي، وهذا أثر على تجربتي إعلاميا. أما على الأرض فالوضع مختلف ،وكل من يتابع تجربتي يدرك ذلك. أعتقد أن المسألة لا تخصني وحدي ، فمثلاً هؤلاء الذين يشتركون معي في نفس التيار الغنائي (مارسيل خليفة ،خالد الهبر ،أحمد قعبور ،وآخرون) لم ينظر إليهم بشمولية فنهم بل بشكل جزئي .

 

-  هل نظمت القصائد المنظمة في كتاباتك الشعرية بهدف تلحينها؟

حين أختار قصيدة لأقوم بتلحينها ،لا أحدد مقاماً موسيقياً معيناً أعمل وفقه. بمعنى أني لا ألحن بشكل قصدي ، فبوصلتي هي روحي وعاطفتي تجاه النص الذي أمامي. لم أكتب قصائدي بهدف تلحينها اذ لدي قصائد كثيرة لم أقم بتلحينها. أنا أكتبها كقصائد شعرية من منطلق هاجسي الشعري، فكل ما كتبته ولحنته غالباً كان في الوقت ذاته ،أي أنني أكتب وأقوم بالتلحين مباشرة بعد الكتابة .

 

-  "قيثارتان " هو عملك الفني الأخير. وهو عبارة عن مجموعة أغان من قصائد الراحل محمود درويش قمت باختيارها وتلحينها. ماذا تقول عن ولادة هذا العمل  في غياب الشاعر محمود درويش ؟

 

الحديث عن محمود درويش تصاحبه الشجون. علاقتي بشعره ذات غرابة ما ، فيها نوع من التلبس ، نوع من الولع. في كل مرة أقرأه ، أتعرف على حصة إضافية من الجمال. منذ زمن بعيد قمت بتلحين مجموعة قصائد له ،وفي الفترة الأخيرة قبل وفاته بعامين، كنت أعمل على بعض قصائده ، وحدثته عن ذلك في لقاء بيننا وأبدى سعادته بذلك. كنت أتمنى لو استطعت أن أقدم له النسخة الأولى من "قيثارتان "، لكن القدر سبقني وغيّب محمود. لكني أقول أنه حاضر بقوة دائماً أكثر من ملايين الأحياء حولنا. لن أقول أنه مات ، لن أدعي ذلك .