العدد التاسع والثلاثون - شباط

الشاعرة رانة نزال ل"تحولات": المثقف رافضي بالضرورة متمرد على كل أشكال الطغيان والظلم

الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

هي ابنة الشتات الفلسطيني في جيله الثالث، ولدت في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية. شاعرة هي، وبلغة عربية أصيلة ندر وجودها في هذه الأيام. وباحثة عن الحقيقة والحياة هي. هي ببساطة، ابنة داخلها الحزين والأكثر من حزين. هي رانة نزال التي تشرفت "تحولات" باللقاء معها.

 

 

حدثينا عن تجربتك الشعرية ؟ عن رانة نزال الشاعرة والانسانة ؟

 

أنا ابنة الشتات الفلسطيني، وعيت وبصمت ملؤه الكبرياء فداحة الجرح الفلسطيني الذي حرمني أن أربى في حضن جدتي، وأن أنهل من ينابيعها الثرة التي لا تنضب، وحرمني أن أنشأ بين رجالي من الأخوال والأعمام والأهل الذين مهما قلنا أنهم امتدوا وانتقلوا إلى الخارج الفلسطيني فإن هذه كذبة كبيرة إذ لا شيء يساوي مثل هذه النعم المرتهنة بالعصب من الأهل، وإذا ما كان للجرح من فضل فإن له فضل تفتيق الحساسية الشديدة وأسئلة الكون الكبرى المرتبطة بلماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وحتام؟ لذا برزت أسئلة السخط والشجن الشديد في مجموعتي الشعرية الأولى " فيما كان"، ومن ثم واجهت نفسي بأن لم ؟ وأعمل في التدريس لمادة اللغة العربية عن شغف وحب بالغين إذ أجد في ذلك جزءاً من رسالة مفادها أن اللغة حصن الأمة الحصين متى ما امتلكتها ورعتها حفظت هويتها.

 

  برأيك من يحارب الابداع اليوم ، السلطة ام أصولية المجتمع؟

إذا ما كانت السلطة هنا بمعنى المكتسبات التي تحرم صاحبها من لذة الانفتاح على الآخر وقبوله فإنها بالضرورة تحارب الابداع، وتجير أشكاله إلى ما يناسبها أو تنسفه بحكره أو حرمانه من أن يقول ما يشاء كيفما يشاء دون أن تتحول إلى مؤدب يقرر من يسجن ولماذا. أما أصولية المجتمع فهي الوجه الآخر للسلطة. عجز الأولى وعجز الثانية هما المسؤولان عن محاربة الإبداع، لأن قصور كل منهما في القيام بالدور الحقيقي المنوط بها يفقدانهما الثقة التي تعني الاتساع والانفتاح والقدرة على مخاطبة ومحاورة الآخر ناهيك عن إقناعه، فالأزمة هنا أزمة مركبة، هي ذوات ناقصة عاجزة تمارس عقدها وعجزها بالأدوات التي نعرفها جميعاً. 

 

مزاج أزرق / بيت العين / فيما كان ... كيف تصفين تجربتك في مجموعاتك الشعرية الثلاث ، وماذا بعد ؟

" فيما كان " كانت هي المجموعة الأولى، تلتها " مزاج أزرق" ثم " بيت العين" المجموعة الثالثة، وكلها نصوص تقترب من الشعر في هيكل قصيدة نثر، وكلها مشغولة بالكشف، برصد الذات التي هي مرآة للآخر الجمعي خيباته، آماله، وقلة حيلته، وسخطه وسخفه وعنته، ولعل فيما كان تتقصد رصد هذا الإنعكاس كمجموعة شعرية ومن هنا كان العنوان، أي فيما كان من سالف الأحداث التي صاغت الذات والوعي وأطلقت أعنة الأسئلة من عقالها، ثم صمتّ عشر سنوات لأتبع الأولى " بالمزاج الأزرق" ف " بيت العين" الذي أعده درة كتابتي الشعرية لقدرته على ترجمة مخزون عشر سنوات من التحديق في الأشياء والآخر ومن مسائلة الذات عن دورها ووعيها، وأن أعتبرني باحثة عن الحياة الشعر لا عن الشعر في الحياة لذا لا أجدني في القضايا ولا في الأيديولوجيا بل أفيض عن حمم تتراكم بسبب من سؤال أيبن الحياة الشعر؟ أين الحياة التي تقترب من الإنساني وتجسده، وتعكس خيارات الإنسان ووعيه ومسؤوليته تجاه الأمانة التي حملها؟ من هنا، لا بد من الاقتراب من مجموعاتي الشعرية بهذا الحس .. وبهذه اليقظة .. وبالتالي القدرة على التماس مع خطوط النار التي ينفثها لهب كلماتي في لغتي المتوترة المشدودة. أما الآتي، فلا أعرف .

 

من الملاحظ استخدام الكلمات الفريدة في قصائدك ؟ لماذا ؟

الكلمات الفريدة؟ ماذا تقصد بالكلمات الفريدة ؟ حدد لي معنى الفرادة في كلماتي ... أليست هي كلمات عربية؟ أظن أن بلى! أما إن كان قصدت الفحولة اللغوية والكتابة بلغة قوية فذا شأن آخر تلعب فيه ثقافتي الدور الأكبر واطلاعي على كتب التراث، وانهمامي باللغة العربية الساحرة في بلاغتها وفصاحتها وتشجرها على رأي - ابن عربي- فإن اللغة في حد ذاتها مطلب عندي، وأنا أكتب فعلا من باب اللذة اللغوية، واللغة هنا لا أقصد نحو اللغة بل انصراف الكلمة بعضها إلى بعض وانهمار المتعدد من معانيها حسب السياق، وأعرف أن هذه مسجالة حول سهولة أو عذوبة وسلاسة اللغة أو صعوبتها ولن أقول تقعرها، أنا أتحرك شعريا من زاوية أن اللغة مرآة لذاتي ولست مشغولة بانعكاس هذه الذات على الأغيار، فلست أطلب من نفسي أن أخاطبهم بما يناسبهم من اختيار للمفردة أو خلافه، وطبعا لست أستعلي، بل ثقتي بذائقة المتلقي هي التي تشكل الفسحة النفسية العميقة التي أتحرك منها إذ لن أقبل اتهام المتلقي بالسذاجة اللغوية والعجز عن الفهم يصله المعنى ولا شك هذا ما أثق به.

 

 

برايك هل الشعر ما زال حاضرا ام أصبحنا في عصر الصورة ؟

الشعر باق وسيظل هو كائن الأبد. لا أقولها برومانسية حالمة تغمض عينيها عن الحقيقة والواقع، بل أطلقها صريحة وواثقة بأن الشعر كان أمس وكان اليوم وسيكون غداً، لأن الشعر في جوهره لا غاية له، هو مقام لا يعنيه المنبري ولا الغائي، بل هو الشعر ابن الحياة النابت بين ضلوع صخرها، أما الصورة فنحن نعيش في زمن جد محظوظون فيه، هذا الزمن الذي فيه صور تغني للشعر وتشكل رفدا له بجماليات باهظة .

 

كيف ترى رانة نزال مستقبل الشعر ؟ هل هناك تغيرات معينة في مفهوم القصيدة؟

يخطيء من ينطلق بالنظر في الشعر إلى التغييرات، الشعر حصاد وأن تنطلق من قراءة لمستقبله وأنت نقدياً لم تمر على صوره الحاضرة في أقل حال تهويم .. ما أعرفه جيداً أن الشعر يقظ ومتحفز وأن حقول التجريب المختلفة فيه مساحات تفتح آفاقاً للتعبير الذي تعددت صوره في واقعنا الحياتي وإمكاناته ومجالاته .. فطوبى!

 

اين هو الموقف النقدي للمثقف ؟

الموقف النقدي للمثقف تجاه ماذا؟ المثقف لا يفتعل موقفاً. هذا المثقف الحقيقي يعي أن موقفه هو موقف من الحياة نفسها، موقف مسؤول تجاه ما يملك وفي أي موقع كان .. وبالتالي المثقف رافضي بالضرورة متمرد على كل أشكال الطغيان والظلم والاستلاب والمضبوعية، أما موقفه فهو موقف ذاتي في حدود ما يمكنه فعله. وفي نظرتي هذه واقعية لا تسقط عن المثقف دوره بل تفسح المجال لبشريته ولا تغفر في ذات الوقت تخاذله وعبثيته وغيبوبته عن الوجود بقصدية بل تحثه على مواجهة ذاته وأن يكد ويجد ليكون صاحب موقف إن أمكنه، ففي زمننا هذا من اللهاث في العيش ما لا يسمح بالعيش نفسه، وبالتالي المسؤولية ليست تقع على عاتق المثقف فقط بل هي جهد تنموي رؤيوي ومسؤولية جادة قل من يمكنه الانبراء لها بمصداقية ودراية ورؤية وجلد، ولكن دوما لا يصح إلا الصحيح مهما إدلهم الخطب وأعيت الرؤية .

 

أي مزاج او طقس تخضع له رانة نزال لتكون في حالة ابداع ؟

هي حالة من التأزم الذي لا أملك معه إلا الاختلاء بالورقة لأقول ما ترصده دواخلي، ودوماً تدهشني الصورة التي تنبعث من بين أصابعي وأختزل فيها عوالم من الحكاية فمثلاً أذكر هذه اللقطة الساطعة حين كنت أعمل وأتم دراستي الجامعية لشهادة الماجستير وفي فصل الشتاء القارس في مدينة عمّان عندما خلت جيوبي إلا من سبعة قروش لا تسمح بالعودة إلى البيت إلا بوسيلة مواصلات واحدة هي الباص وبانتظاره عصفت الصور بي، الكفاح ... الصبر.. القدرة على الاحتمال.. المرام من الحياة. وبعد مرور ساعة تسلقت حافلة مكتظة ومددت القروش السبعة وما ان وصلت البيت حتى كتبت :

" سأستعيرُ وجهاً غيرَ وجهي

وأعدُّ قروشيَ السبعةَ

وأمضي في رحلةِ الشتاءِ والصيفِ

سأخونُني

وأرمي بي في بحرِ

غفرانكَ يا داخلي الحزينِ

لي منكَ

قبسُ رخيمٌ

ومشيُ مئذنةٍ مُحدَوذَبةٍ

فيا إيلافَ رُوحي

.. إني لعائدةٌ ..

وإِني إلى ربي لراغبةٌ

فأين شجرةُ الضوءِ

أينَ ..

أينَ وَجهي ؟ "

 

ما الذي يستفزك؟

القهر .. أن تقهر أحدأ كائناً من كان يثير عندي غضبة صامتة وتمور فيّ براكين من السخط تترجم في شعر مكتظ بالغيظ فأقول :

فلمن...؟

هذي المسراتُ المكنوزةُ.. وبرقُ الذكرياتِ

والتماعُ الفجرِ في حَدَقةِ الطفولةِ

وصورتي.. وأنا أحبو

ثم أقفُ

فأقعُ

قرب أصيصِ القُرنفلِ

فتحدودبُ المزهريةُ.

فلمن ندخرُ الأصابعَ؟

والخاتَمُ يهفو

صوبَ الغبطةِ

سارحاً في فردوسي العشبي

الليلُ ماتَ.. ودلّى قمراً أرعنَ

في سلسلةٍ..."

 

 

كيف تقيمين قصيدتك؟

 

قصيدتي قصيدة عالية .. لغة ورؤية وموضوعاً .. أحب أن أعاود قراءتها لأنها كل مرة قادرة على مفاجأتي واتحافي بحفاوة عالية. ألتذ بما أكتب لا من باب النرجسية بل هي ذات اللذة التي تقطنني وتدوم كلما قرأت مادة شعرية حافلة بالتأمل والتحديق والاختزال واللغة الساحرة .

 

كلمة اخيرة؟

تحولات .. هي كلمتي الأخيرة ففي نبضها رصد للتحولات وفي عنوانها قدرة على التبصر بالآتي فكلنا يخضع لسيف هذه الكلمة .. كلنا يمر بتحولات أثق بأنها الأهم .. فلتكن التحولات وعلّها تسجل التحول نحو الأجمل والأنبل والأكمل .

 

حاورها: زاهر العريضي