العدد التاسع والثلاثون - شباط

عبد العزيز الراشدي ل"تحولات":

أجد نفسي في برزخ الكتابة الباحثة عن الحياة والكائنات عبر لغة بسيطة
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

 

أسماء وهبة

 

يكتب عبد العزيز الراشدي قصته بلغة شعرية عميقة بعيدة عن الكتابة الكلاسيكية التي تعتمد السرد. تحاكي أعماله الواقع دون أن تسجله معتمدا تقنية القصة داخل القصة دون تعال على القارىء. تضج كتاباته بالحياة. يأخذنا أسلوبه الشيق إلى إيقاع عوالم لم نكتشفها بعد. إنه السحر الكامن بين السطور حيث الصحراء التي تخبئ بين رمالها الكثير.

هواجس ونجاحات عاشها الكاتب المغربي عبد العزيز الراشدي، رواها ل "تحولات" في هذا اللقاء:

 

أين تضع الكتاب والشعراء المغاربة على الخريطة الثقافية اليوم؟

يطرح هذا السؤال إشكالية غياب الكاتب المغربي عن الساحة الأدبية العربية. قيل في الماضي: "مصر تكتب ولبنان يطبع والمغرب يقرأ". وكانت هذه المقولة صحيحة حتى أن الكتابة الروائية والقصصية والشعرية كانت تحاكي المشرق الذي بدأت فيه النهضة قبل المغرب الذي كان يعيش في سبات وتخلف فكري وثقافي مع بعض الإضاءات التي ارتبطت بالجانب الفقهي وليس الأدبي. وفي السبعينات والثمانينات تطورت التجربة الأدبية المغربية وحاولت أن تصوغ مسارها الخاص واستطاعت أن تخلق لنفسها شخصية خاصة في الكتابة. لذلك تجاوز الكاتب المغربي اليوم عقدة أن يكون صدى المشرق وأصبح، ذا تجربة جديدة على مستوى التصور وبناء النص والموضوعات المطروحة، حتى بات مرجعا في الشرق مثل سعيد قطين وعبد الفتاح قليطو.

 

ماذا عن التجريب في الأدب المغربي؟

استطاع الكاتب المغربي أن يختبر تقنيات الأدب بسبب قربه من أوروبا وانفتاحه على حضارات أخرى، كما أفاد من تعدد اللغات مما جعل نصه مختلفا عن القصة والرواية في الشرق. أردنا أن نقارب الإختلاف بين المشرق والمغرب من زاويتي الشكل والمضمون عبر التجريب. فعلى صعيد الشكل كان هناك محاولة لمقاربة النص بطريقة بعيدة عن النمط الكلاسيكي للرواية والقصة عبر تجزئة النص وتمزيقه والإنشغال باللغة واستعمال الضمائر على تنوعها. أما على مستوى المضمون، فتلامس القصة المغربية أوجاعا مختلفة عن تلك المطروحة في المشرق منها عنصر الهجرة السرية التي تشكل أزمة قومية في المغرب لأنها تلامس المجتمع المغربي وترتبط بحياة الناس الحالمة بالسفر إلى أوروبا حيث الفردوس الموعود.

 

هل تميز الأدب المغربي بسبب تركيزه على البيئة المغربية الصحراوية والبدوية والبحرية، أي الانطلاق من الخاص إلى العام؟

المغرب بلد كبير ومتنوع حتى على مستوى العرق واللون. فمثلا هناك الأفارقة الذين استقروا في المغرب بعد أن جاؤوا من السنغال ومالي ونيجيريا في فترة العبودية وأصبحوا أحرارا، فوسموا البيئة المغربية بطابعهم الخاص. وهناك الأمازيغ الذين يوزعون إلى أمازيغ الريف في الشمال الذين تربطهم علاقات وطيدة مع الأسبان والبرتغال، وأمازيغ الوسط الذين يتمتعون بخلفية علمية وفقهية وأمازيغ الجنوب الذين يعشون في الجبال ويمتهنون الرعي. وهناك العرب الذين جاؤوا من الأندلس وخلقوا واقعا إجتماعيا جديدا عبر استحضار واقعهم وحضارتهم وثقافتهم وحتى موسيقاهم. وهذا يستحق من الكاتب المغربي أن ينظر إليه.

 

تميل كتاباتك إلى الفسلفة والتأمل والتعمق. ألا تصنف كتابتك بالنخبوية؟

الكاتب إما أن يكون نخبويا ويكتب بلغة صعبة وأفكارا فلسفية يضجر منها القارىء العادي، وإما أن يكتب بلغة بسيطة هادئة تصل إلى الأسلوب الصحفي. بالنسبة لي حاولت أن أمسك العصا من الوسط، ولكن تهمني الكتابة المتأملة. وأجد نفسي في برزخ الكتابة التي تبحث عن الحياة والكائنات وعلاقة البشر ببعضهم البعض من خلال لغة لا تتعالى على القارىء. وكان هذا واضحا في قصة "زقاق الموتى" التي اعتمدت على عناصر البيئة والطبيعة. وحاولت أن يجمع النص بين البساطة والغموض.

 

ولكن جمهور القصة القصيرة أقل من الرواية في زمن أصبحت فيه الصدارة لتلك الأخيرة!

لا أنظر إلى المسألة هكذا، لأن القصة القصيرة في طبيعتها نخبوية. حتى أن مصدر قوتها في ذلك، كونها تعتمد على مجموعة من التقنيات والعناصر التي لا يمكن أن يفهمها إلا قارىء متخصص.

 

تكتب القصة بأسلوب قصيدة النثر مبتعدا عن السرد. لماذا؟

هناك نصوص شعرية أقل اهتماما باللغة من نصوص قصصية أخرى. والقصة والقصيدة لا تختلفان من حيث علاقتهما باللغة. ولكن من خلال تجربتي يوجد في الشعر روح القصة والعكس. وفي القصة يمكن أن نستخدم تشبيهات واستعارات ومجازات شعرية. أي أن مناخ النص هو الذي يعطي القارىء إحساسا بطبيعته، أي ان قصيدة أو غير ذلك.

 

ألا تصعب على القارىء القصة ذات اللغة الشعرية ؟

موجة الكتابة القصصية اليوم تتجه نحو احترام اللغة وإعطائها أهمية. وأنا ضد الحكاية التقليدية. ولو دخلنا إلى منتديات القصة على الإنترنت سنجد إبتذالا في التعامل مع النص، بحيث يكتب أحدهم حكاية ويسميها قصة. في حين أن الأدب شيء آخر.. إنه النبوءة بذاتها!

 

ماذا تقصد بذلك؟

لم أقصد النبوءة على طريقة العباسيين بل النبوغ. لذلك يجب على الكاتب أن يحترم قلمه ويحاول أن يبحث عن المخبّأ من الأشياء ليخرج صورا مغايرة عن السائد. وهذا سبب خلود أعمال معينة مثل الألياذة والأوديسة ومؤلفات دانتي وكتب غابرييا غارسيا ماركيز، لأنهم يكتبون بعمق وروية ويسألون الحاضر لصياغة نص مختلف عن المباشر.

 

ما هي معوقات الكتابة عن الصحراء؟

لا يوجد معوقات معينة. وينبغي على الكاتب أن يملك أدواته وآلياته في الكتابة دون افتعال. وأن يشبه نفسه ويكتب ما يحس به. لقد أمضيت ست سنوات في الصحراء وكتبت عن الجنوب وناسه الذين عايشتهم. أما اليوم فأعيش في مدينة بحرية تدعى أغادير، لكني مازلت أكتب عن الصحراء انما بإحتراف بعد أن بت قادرا على استحضار مشروعي من خلال مجموعة من البحوث التي أقرؤها والأشخاص الذين أعيش معهم.

 

هل تؤمن بتخصصية العمل الأدبي؟

الكتاب الكبار في العالم يطبقون مبدأ التخصصية. فمثلا، غابرييل غارسيا ماركيز تخصص في كتابة أعمال تتناول تاريخ أمريكا اللاتينية وحروبها وجنرالاتها. وعبد الرحمن منيف تخصص في الكتابة عن الصحراء العربية وتحولاتها. من هنا يجب أن يكون للكاتب مشروع، وهو ما يسميه باولو كولو ب"أسطورة الكاتب الشخصية" التي لا تفتعل بل ترتبط بجسد الكاتب وحياته وتكوينه وقدرته على العطاء.

 

لماذا تتجه القصة القصيرة التي تتميز بتكثيف الأفكار نحو الفانتازيا؟

أنا ضد الرواية التي تجسد الواقع كما هو، لأنه اليوم يتسم بالقسوة. لذلك يجب على الكاتب أن يقدم للقارىء شيئا مختلفا عبر الفانتازيا. ولدينا تجربة أمريكا اللاتينية الرائدة في هذا المجال مثل تجربة خوان رولفو، التي غاصت في الخيال الفنتازي مع إيحاءات واقعية وكأنها تعطي القارىء السم في العسل كما يقولون!

 

لماذا تعتمد أسلوب القصة داخل القصة؟

هي تقنية متداولة بين كتاب الجيل الجديد وتسمى ب "القصة الحقيبة" التي تضمر بداخلها مجموعة من النصوص والأمثال والحكايات الشعبية. أحب هذا النوع من الكتابة التي تشتغل على اللغة وتستعير مجموعة من العناصر التقنية داخل النص الأدبي.

 

ما هو التابو الذي يصطدم به الأدب في المغرب؟

ليس لدينا أي تابو في المغرب. والآن نعيش فترة انفتاح نسبية حيث يستطيع الكاتب انتقاد الواقع الإجتماعي والسياسي دون أن يتعرض لمضايقات. كما أن الجنس ليس تابو في المغرب. لكن يبقى تابو الدين لأن المغاربة لايميلون إلى انتقاده بالمعنى العلمي، خصوصا أنه ليس لدينا في المغرب مدارس قادرة على القيام بهذا الدور. أما القارىء المغربي فهو إما علماني ليبرالي يساري يقرأ النص الفكري المشرقي ويعجب به، واما من فئة المتعصبين.

 

ماذا عن الأًصولية الأدبية؟ هل هي حاضرة في المغرب؟

ليس لدينا كتاب أصوليون لأن الكتاب في عموميتهم ينتمون إلى الحقل السياسي الليبرالي. ولكن تكمن الخطورة في المتلقي الذي يهدد الكاتب الجريء. فمثلا عندما كتبت شاعرة مغريبة قائلة: "ملعون من يقول أنك ضلع أعوج" وقد قصدت بهذا المرأة، اتهمها البعض بالتهكم على الرسول محمد وتعرض للهجوم. يوجد بين الكاتب المغربي والأصولية توزان وحياد، فكل منهما لا يخترق مساحة الآخر. أما الفكر الأصولي فأصبح حاضرا وقويا في المغرب كما كل العالم العربي والذي لا يمكن مواجهته إلا عبر الحرية الفكرية وتحسين الأوضاع الإجتماعية للمواطنين ليفكروا بشكل أفضل، لأن من يعيش أوضاع إقتصادية متردية من الصعب أن نقنعه بأهمية التفكير وتقبل الآخر والإختلاف!