العدد التاسع والثلاثون - شباط

الشاعر نعيم تلحوق:

عصام محفوظ ابتدع لغته ومضى؟!
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

لم يكن ما قاله الآخرين عنه. كان هو نفسه، عنيداً، ثورياً، حتى النخاع.

كبرياؤه منعه من مد يده لصحافة العشب الصفراء. وحين انخفض مستوى قيمة المسلمات التي أنفقها حارب جوعه، واقتفى أثر الهزيمة ببسمة السخرية الحمراء.

ضجت ضحكته المقهى وشوارع بيروت، حين كانت تستوي على شاربيه علاقات الشيب الممزوج برماد الأيام الهزيلة. استقدم تعبه من السبعينات وحمل سيف اللغة، شعراً ونثراً. وحين وجد بعد هزيمة 1967 أن الشعر لم يعد يفيد ليرقى بالحياة كما أحلامه، اعتزل باتجاه النافذة عبر النقد والمسرح. فسار نحو الترجمة الأكثر إرتجاحاً التي حرص على أن يكون شعره محاولات صغيرة كتبها بالفرنسية وقد ظلت خافتة وتحت اسم "عبد الرحمن الداخل" أو"صقر قريش".

أحب المرأة على طريقته ولمرة واحدة، فهمته إحداهن، كان حباً وحشياً غادرته السنون والثواني القتيلة. عاد من منفاه، ليتواطئ مع جسد الحياة القاسية التي جعلها لغته الخاصة، ولم يكن شعوره بالفقر والهزيمة سبباً ليكره الإمبريالية واسرائيل التي لم تسقط من حسابه في كل ما يدور في المنطقة لحظة واحدة.

مارس علمانيته منطلقاً ذهنياً وروحياً، وسلك معابر الاستعارات ومعارج الكنايات، فلم يكثر من شرح أسباب الكره والحب، كان يقرر فحسب وبنبالة الفارس وشجاعة الأبطال، علناً ولو أثر ذلك على معدته الخاوية وغرفته الحزينة المستأجرة بمستهل العاصفة. لكنه لم يكن حاقداً على العالم بدليل أنه أعارنا جسده لكي نتمرن فيه على الخوف والتنكيل و القتل. وهو ما حل به حين حملت مسالخ العروبة والإمبريالية على الفتك بصوته الجمهوري فقتلوه مرتين: الأولى في صبيحة 2 شباط ثم في ظهيرة 4 شباط 2006.

ألم يكن مستحباً، لو تركنا المجال لوقفة عز يرحل بها الديكتاتور، العنيد، المتمرد وهو المدافع عن أهم ثلاثة أبرياء رأى محفوظ أنهم عار اليسار بأسره أن يسفك دمهم هباءً دون حسيب ولا سؤال هم : أنطون سعاده - وفرج الحلو- و سرحان سرحان.

بدل أن تخذله مستشفيات الأموال الرأسمالية وتسحب الفراش من تحته بحجة أنه يأخذ مكان شخص آخر في سرير الأموات المضافة، لم يؤجل موته بل استعمله حين سمع احدى الممرضات تقول أنه يحتل سرير مريض آخر يريدون استقدامه، ولم يكن ليقبل أن تلوث سمعته بتكريم رسمي أو درع يقدمه له أحد وزراء البلاط المعرقي.

" تشرشحت" اللغة يا عصام، " وهركل" أصحابها فيما محاولاتك الدائمة وأفكارك الجديدة تحويل العبارة إلى المفردة، إنتقاء أن تضيف إلى العامية فصاحة وإلى الفصحى رونق العامية- فانطلقت بفكرة الثقافة الشعبية التي لم نشهد احداً ناقشها أو حاورها أو استثمرها لأن عقولهم لا تورث إلا الحزن والتعب وأمراض العقل الجدلي والتبعي في آن دون نتائج أو خلاصات تذكر.

يا ابن مرجعيون، غداً ستسأل أصدقاءك هل ما زلتم على السمع؟ فيرد عليك "ويمبي" خالد علوان إن الذين قتلوك بيضوا أموالهم فيه. ومودكا" الشهيق والزفير سيرد أنفاسك عنه وأنفاس كل الصحفيين والمفكرين ليمولهم إلى قناع رخيص في دكاكين الموضة والأزياء. وحال الفقراء الذين كتبت عنهم أن أموالهم سرقتها العولمة السريعة و حوت المال والاستغلال. سيقولون لك وعلى وجوههم ضحكة فاجرة مقهقين من الوجع الكبير"لماذا" لم نسمع صوتك باكراً أو نقرأ ثقافتك العالمية العالية، لكنت اختصرت علينا الكثير! ربما نحن شاركنا في انتحارك. لا بل نحن نحرناك بأيدينا.