عند دمشق .. الخبرُ اليقينُ؟

العدد 6 كانون الأول 2005 : أحمد تيناوي
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

لا أعرف ما إذا كانت جيوش الصليبيون التي غزت المشرق العربي كانت تفرق بين مسلم ومسيحي في القتل، ولكن ما أعرفه تماما أن جيوش الصليبيين الجدد وقنابلهم الذكية لم تفرق بين أحد منا.

ما دفعني إلى تذكر الحملات الصليبية القديمة هو حجم الخديعة التي روّج لها بعض متنوّري العرب‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍(مسلمين كانوا أم مسيحيين) من خلال إشادتهم الدائمة بديمقراطية الغرب ونموذجه الرائع في موضوعة التسامح الديني، بل واعتبارهم أن قضية القداسة التي أطلقها ملك روما الجديد جورج بوش الابن على حربه، ليست سوى زلة لسان لا أكثر، مع أنهم يعرفون أن اللسان وإن زلّ، فإنه بالتأكيد يفصح عما في القلب والعقل معا (وفقا لنظريات التحليل النفسي التي أنتجها مجتمع الغرب أيضا).

إذاً، نحن أمام تحالف صليبي جديد لا علاقة له بزلة لسان، أو غيرها من الزلات القابلة للغفران..

وإليكم ما حدث:

تطلب البدء بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير إعلان أسلمته أولا، أي إعلانه عدواً رئيساً ضمن مقولة تم طبخها جيدا على نار ما أطلق عليه (صراع الحضارات).. الإعلان الذي تم تفعيله بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، فالعدو القديم ـ الجديد يسكن هنا في شرق أوسط قديم: إسلامه كما هو لم يتغير منذ الحروب الصليبية، ومسيحيته تختلف عن مسيحية الغرب بكونها مسيحية عربية قلبا وقالبا.

وإذا كان المسيحي الشرقي هو تحصيل حاصل لعموم شرق مسلم ـ كما تدّعي النظرة إلى الصراع في تفاصيلها الغربية ـ فإن الشراهة الصليبية الغربية دمجت كليهما في قداسة الحرب القادمة وأعلنتهما عدواً مشتركا لخطة غزو تقنية بحتة (القنابل الذكية لا تفرق بين محمدي ويسوعي وأرض العراق شاهد عياني على ذلك).

ولكن ما دامت المسألة لا تتعدى زلة لسان.. تم الاعتذار عنها، فمن الواجب ألا تحدث بعد ذلك مطلقاً، وبالفعل نسي المجتمع الدولي زلة اللسان تلك، وبدأ يبحث عن ذرائع سياسية أخرى، كان أهمها أن العراق ـ العربي يمتلك أدوات فتك تشكل خطرا كبيرا على هذا المجتمع الدولي‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ ما استدعى تشكيل تحالف لنزعها واحتلال البلد.. (كي يكون بلدا مودرن بلا أسلحة من أي نوع كما هو الآن).

احتلال العراق هو الخطوة التالية في تنفيذ المخطط الصليببي الجديد (إذا اعتبرنا أن الخطوة الأولى هي تفجير برجي التجارة في نيويورك).. وهاهي جيوش جورج بوش الابن تعيد تشكيل الوطن العراقي الواحد إلى مجموعة من الدويلات الطائفية، ما يعني بشكل أو بآخر، استبدال الولاء الوطني للمواطن العراقي (سابقا) من انتماء إلى الوطن إلى انتماء إلى الطائفة، أو العرق (وهي خطوة ذكية لم يلحظها قادة الحملات الصليبية القدماء، ما أخرج لهم صلاح الدين الأيوبي المسلم الكردي وإلى جانبه معاونون عرب مسيحيون ومسلمون).

شرق أوسط كبير بلا هوية من أي نوع؟ فالإسلام الذي طبع، جغرافياً، هذا الشرق مدة ألف وأربعمئة عام يجب أن يتبدل الآن، فمثلا يجب أن تمحى من ذاكرة الأجيال العربية القادمة أن اليهود الذين احتلوا فلسطين هم يهود مختلفون عن الذين تم ذكرهم في القرآن، وأن صلاح الدين الأيوبي لم يحرر القدس، بل كان غازياً همجياً دمر حضارة الغرب ودنس مدينته المقدسة، وأن الله يدعو للمحبة والسلام لكن بعد أن ينتهي بوش وحلفاؤه من تطهير الشرق من أوثانه، وربما من نسائه وأطفاله وشيوخه.. أو ربما بعد أن يفرغ من بتروله (وهي مهمة مقدسة ربما تفوق في قداستها مسألة عودة المسيح التي ينتظرها الابن بوش بفارغ الصبر).

وماذا بعد بغداد في المخطط؟

لنعد إلى ما قبل الحروب الصليبية المقدسة بقليل أو بكثير.. اليهود صلبوا عيسى عليه السلام (كما جاء في الإنجيل) أو شّبه لهم أنه صلب (كما جاء في القرآن).. ومع موته اعتقدوا أن ما بشر به قد انتهى وكفى؟

وما لم يكن كافيا أن بولس الرسول دخل إلى دمشق مبشراً بما جاء به يسوع المسيح، ومن دمشق انتشرت المسيحية إلى العالم.. هل نسي اليهود ذلك؟ لا أعتقد.

الآن، ثمة حرب مقدسة يحاول فيها الصليبيون الجدد تقطيع أوصال هذا الشرق، وبغداد خرجت منه (الشرق)، لكن دمشق كعادتها لن تخرج منه.. إلا.. بموت أحدهم.. ربما بعملية صلب جديدة.. الشهيد رفيق الحريري.

وإليكم ما حدث مرة أخرى:

اليهود لم ينسوا ما فعل بولس من دمشق، والصليبيون لم ينسوا ما فعله صلاح الدين أيضا من دمشق.. لتكن إذاً حرباً مقدسة ضد النسيان؟

.. التقرير الذي لفقه اليهود لعيسى المسيح استدعى أن يغسل بيلاطس.. يديه تبرئةً لنفسه من دمه. والتقرير الذي لفقه بوش للعراق من امتلاك أسلحة دمار شامل استدعى أن يغسل المجتمع الأمريكي يده منه.. تبرئةً لأنفسهم من دم العراقيين، أما التقرير الملفّق الذي أعده ميليس، فإن الله سيغسل يديه منه.. تبرئة لنفسه من حرب بوش وقداستها المزيفة.

دمشق مرة أخرى، والحكاية لم تنته فصولها، وربما لن تنتهي.. ولكن أيها العالم، لا تنسَ أن عند دمشق ـ منذ بولس وحتى هذه اللحظة ـ .. الخبر اليقين.