العدد الاربعون - آذار

على بوابة الألفية الثالثة: سعاده والديموقراطية

توفيق مهنا
الخميس 26 آذار (مارس) 2009.
 

موضوع الديموقراطية هو من أبرز الموضوعات التي شغلت الفكر القومي الاجتماعي منذ استشهاد الزعيم. وقد دارت وما زالت تدور الحوادث والنقاشات الدستورية حول هذا المحور، باعتبار ان مصدر انبثاق السلطة بعد استشهاد سعاده، شكل، ومازال يشكل قضية محورية، يتابعها بالتحليل والاجتهاد العقل الدستوري والاشتراعي في الحزب.

وإذا كان هناك إجماع على أن نظام الحزب هو نظام ديموقراطي، وإن مبدأ الديموقراطية غير مطروح للنقاش في الأوساط الفكرية والدستورية الحزبية، فإن مضمون أو شكل هذه الديموقراطية، لجهة انبثاق السلطة في الحزب، وتوزع هذه السلطة كان موضوعاً تحت مجهر العقل.

وهذا البحث هو مساهمة في إلقاء الضوء على تراث سعاده في ما يختص بمضمون الديموقراطية وطبيعة نظامها، وكيفية انبثاقه. وهي محاولة لاستنطاق نصوص سعاده وما حملته من مدلولات دالّة حول مصدر انبثاق السلطة في الحزب.

 

في تعريف نظام الحزب:

 

في تعريفه لنظام الحزب في الرسالة الموجهة الى حميد فرنجية يقول سعاده: "... واتخذت الصفة السرية للحزب صيانة له من هجمات الفئات التي تخشى نشوءه ونموه، ومن السلطات التي قد لا ترغب في وجوده، وجعلت نظامه فردياً في الدرجة الأولى، مركزياً متسلسلاً. منعاً للفوضى في داخله واتقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب." (الآثار الكاملة - الجزء الثاني)

يتضح من هذا النص أن النظام الفردي الذي قرره سعاده ملازم ملازمة كلية لمرحلة التأسيس وللمؤسس وقد اقتضت ظروف المرحلة الانتدابية وجود الفئات المناوئة التي تخشى نشوء الحزب اتخاذه طابع السرية التي تضمن نشوءه من جهة وتعطي المؤسس المجال لنشر التعاليم وتجنيد المقبلين وتسهل عليه في ظل النظام المركزي التسلسلي تنمية فضائل الواجب والنظام.

إن اختيار المؤسس النظام الفردي بالذات يعود الى حرصه الشديد على تأمين مقومات استمراره في ظروف الاستعمار الانتدابي ولتمكين المقبلين على الدعوة من تنمية فضائلهم وممارسة قيم النظام والواجب التي هي تعبير عن عقلية اجتماعية جديدة وعن أخلاقية جديدة لا مكان فيها للفوضى أو للمنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات التي هي من الأمراض السياسية الاجتماعية السائدة والتي تدل على أن أوضاع المجتمع، المجتمع القديم غير صالحة لحمل مبادئ جديدة.

من المعروف أن النظام الفردي هو نظام "دكتاتوري"، ولكن هل النظام الذي قرره سعاده نظاماً منافياً للمبدأ الديموقراطي؟

إن النظام الفردي الذي قرره سعاده هو نظام مؤقت وليس نظاماً دائماً. وإن الصفة الديكتاتورية التي يصطبغ بها ليست ضد المبدأ الديموقراطي لأن: "الديكتاتورية لا يجب ولا يمكن أن تكون نظاماً دائماً إنما هي نظام مؤقت لنقل شعب من حالة الى أخرى، وهذا ما يجعلها نظاماً لا بد منه في الأمم التي أصابها شلل فكري وأخلاقي وإقتصادي". ويشبه سعاده مثل هذا النظام بوظيفة: "المعلم الذي يحجز حرية الطالب ليمرنه في الاتجاهات الصحيحة الى أن يشتد جناحه ويقوى".

ويعتبر سعاده أن من خصائص هذا النظام الفردي تأييد الشعب والحيازة على ثقته تأييداً مطلقاً وحيازة كاملة وهذا من خصائص الديموقراطية لذلك كما أن البرلمانية هي شكل من أشكال الديمقراطية ذاتها، كذلك الديكتاتورية هي شكل من أشكال الديموقراطية الصحيحة" (جريدة النهضة 1935).

إن ميزة النظام الفردي هي لسعاده المؤسس، وأن هذه الميزة ليست مفروضة بل هي تسليم حر وتعاقد مسبق لا إكراه فيه أو استبداد، ويتم بملء الارادة بين المؤسس وبين القوميين الاجتماعيين، أي بين الزعيم باعث النهضة وجامع السلطتين التشريعية والتنفيذية وبين القوميين الاجتماعيين، أي الارادة العامة الحرة. وهذا بالذات ما عناه سعاده بأن الديموقراطية ليست شكلاً واحداً أو نظاماً واحداً بل هي أشكال وأنظمة.

إن النظام الفردي، نظام الزعامة مقرون بالمبدأ الديموقراطي من جهة ومقرون بالصفة المؤقتة وليس بالديمومة. لذلك، سعاده الزعيم هو كالمعلم يمرن الطالب في الاتجاهات الصحيحة الى أن يشتد جناحه ويقوى.

في رسالته الى وليم بحليس يحدد سعاده بوضوح طبيعة النظام الذي اعتمده: "إن امتياز الحكم الفردي في الحزب هو فقط لصاحب الرسالة ومؤسس القضية وليس نظاماً أساسياً دائماً، والاتجاه الديموقراطي في نظامه صريح ولا يرفضه عقل صحيح". (الآثار الكاملة - 1941)

 

 

الديموقراطية... بين التعبير والتمثيل

 

لا خلاف في الحزب حول المبدأ الديموقراطي لكن الخلاف هو حول مضمون الديموقراطية، بعضنا في الحزب يؤمن بأن نظامنا هو نظام الديموقراطية التعبيرية وليس نظام الديموقراطية التمثيلية. ونستند في هذا المجال الى مفهوم النظام الفردي المذكور أعلاه والى خطاب الزعيم في سنتياغو عام 1940 حيث جاء: "إن الديموقراطية الحاضرة قد استغنت بالشكل عن الأساس فتحولت الى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب ذاته أخذ يئن من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها "تمثيل" الارادة العامة وصار ينتظر انقلاباً جديداً. وهذا الانقلاب الجديد ما تجيء به الفلسفة السورية القومية الاجتماعية القائلة بالعودة الى الأساس والتعويل على (التعبير عن الارادة العامة)".

فالتفكير السوري القومي الاجتماعي الجديد هو ايجاد طريقة جديدة اسمها "التعبير عن إرادة الشعب" وقد يكون هذا التعبير بواسطة الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد، فهذه الفكرة الجديدة أي "التعبير عن إرادة الشعب" هي اكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، وهو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة.

إن الأمم كلها تريد الخير والفلاح ولكن المشكل هو في ايجاد التعبير الصالح عن هذه الارادة فالارادة العامة إذا لم تجد "التعبير" الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة تصبح عرضة لأن تقع فريسة للمطامع والمآرب "التمثيلية".

فالتمثيل هو دائماً شيء جامد يتعلق بما يحصل، أما التعبير فغرضه الانشاء وإدراك شيء جديد.

هذا هو الخلل الاجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه، تفهم إرادة الشعب وإعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة".

يعيننا هذا النص على تأكيد الثوابت التالية:

1-  إن الديموقراطية الحاضرة عبر أشكالها القائمة ليست صالحة للنهوض بالشعب وتأمين مصالحه وتوفير أسباب ارتقائه وتطوره وإن هذه الأشكال التي تستند الى تمثيل "الارادة العامة" أي الأنظمة البرلمانية القائمة لا تقدم الدواء الصالح والعلاج الشافي.

2-  إن الانطلاق أو الاعتماد أو الرهان على الديموقراطية التمثيلية البرلمانية غير مجد، لذلك لا بد من طريقة جديدة والطريقة هي التعبير عن إرادة الأمة بواسطة فرد أو قيادة صالحة.

من البديهي أن يرفض سعاده الاتكال على النظام التمثيلي البرلماني القائم في بلاده والذي هو مقتبس من تجربة الأمم الديموقراطية الغربية في إحداث التغيير التاريخي في أمته وفي أوضاع شعبه.

إن سعاده باعث نهضة وقائد حزب ثوري، يرمي الى تغيير الأوضاع القائمة على إسقاط كل مقاييس وقواعد المجتمع القديم وأنظمته واستبدال عقائده ومفاهيمه الرثة والبالية والعتيقة بمفاهيم النهضة الجديدة.

إن مثل هذه العملية التاريخية تصطدم بواقع موضوعي قائم هو واقع الأمة المفككة والمجزأة وواقع الفساد السياسي والاجتماعي والخلاقي وواقع الانحطاط النفسي والمناقبي.

طبيعي إذاً أن يكون سعاده وحزبه على طرفي نقيض مع هذا الواقع، وأن لا يجد في بناه أساساً صالحاً يستند إليه في عملية التغيير التاريخية وأن هذا الواقع بالذات خال من مقومات النهوض ولا يحمل تقاليد أو مؤسسات قومية تساعد في إحداث نهضة.

لو كان هذا الواقع صحيحاً والأمة واعية ومدركة لنهضتها ومصالحها، لما كانت هناك من حاجة الى نهضة وقيادة تشق لها درب حياتها الجديدة ومستقبلها العتيد.