العدد الاربعون - آذار

ندوة حول كتاب "الصراع والهوية"

الخميس 26 آذار (مارس) 2009.
 
New Page 1

بدعوة من دار أبعاد ، أقيمت في "نادي تحولات" ندوة فكرية لمناقشة كتاب زهير فياض "الهوية والصراع"، حضرها حشد من الاعلاميين والمثقفين والمهتمين بقضايا الفكر . أدار الندوة الاعلامي كمال ذبيان فقدم للكتاب بكلمة (النص مرفق)، تناول فيها الكتاب بما حمله من مضامين فكرية تعبر عن اشكالية الهوية وعلاقتها بحركة الصراع في منطقة تواجه ما تواجهه من تحديات جسيمة تطال الوجود القومي والانساني والحضاري برمته. فأضاء ذبيان على عناوين الكتاب والملفات والموضوعات التي أثارها الكاتب. بعد ذلك كانت  قراءة في الكتاب قام بها وزبر العمل السابق، والباحث د. طراد حماده وقد تضمنت عرضاً معمقاً لمضمون الكتاب، الأبعاد الفلسفية التي تضمنها والأفكار الرئيسية التي اشتمل عليها، والملاحظات النقدية التي عرضها د. حماده من وجهة نظره. ومما جاء في مداخلة د. طراد حماده:

 

"الكتاب يقرأ من عنوانه "الهوية والصراع" حيث يمكننا وقبل فتح دفة الكتاب أن نضعه على دفة الكتب المناسبة باعتباره من نوعها.

اذا كان لكل فكر ميتافيزيقياه، فان "ميتافيزيقيا" هذا الكتاب هي "القومية" باعتبارها -حسب الكاتب- أساس الوجود الانساني، وهي "الميتافيزيقيا" القادرة على النفاذ الى فهم النظام العالمي الجديد والمعاصر. سؤال "الهوية والصراع" يجيب عليه الكاتب بهويات متعددة تتفاعل بديناميكية عالية. الكتاب "معاصر" لأنه يطرح قضايا على صلة بالألفية الثالثة، ويستخدم لغة ومنهجاً يتفقان وموضوعاته، ويشق طريقه ليبني مذهباً ذاتياً مستقلاً مستفيداً من فكر أنطون سعاده والفلسفة القومية الاجتماعية ليقدم أجوبته، وفيها آثار مذاهب شتى سائدة في عصره، ونكهات لغات عدة ومذاق تجارب متنوعة، تجاورت في الزمان والمكان.

الكتاب سلسلة مقالات يجمع بينها أمران:

أولاً: ان كاتبها رجلٌ واحد.

ثانياً: تتبع منهجاً قاد الكاتب الى جملة خلاصات في سياق تأكيد "الفكرة القومية" التي يتمحور حولها الكتاب.

هناك ملاحظة أن الحداثة عند زهير فياض مشدودة دائماً الى "الأصول"، والسؤال هنا:"هل نبقي على مواقف عند "السلف الصالح" متحصلة من الزمان والمكان في أمور تتعلق بالعلاقة بين الدين والسياسة على سبيل المثال لا الحصر ولا نخضعها لدراسة العقل على قاعدة النقل وخضوع الفكرة لحركة الزمان، هل ينال مبدأ التغير من الأفكار السابقة حتى لو جاء على لسان المؤسس  والمعلم والزعيم طالما أن لا خلاص الا باشغال "العقل".

وهذا العقل هو القادر على كشف حقيقة الهوية، وحقيقة العلاقة بين الهويات، والصراع الايجابي بينها من دون القدرة على النفاذ اليها. في "الهوية والصراع" كما عند كثيرين من المفكرين القوميين الاجتماعيين "الفكر القومي" هو الميتافيزيقيا القادرة على النفاذ الى حقيقة الاشياء. الكتاب معاصر من ناحية الموضوعات والمنهج والاسلوب والتقنية والاسئلة والاجوبة، الاشكاليات والحلول، اللغة والتواصل، الاقتناع والاقناع. وتذهب الفلسفة الى ما مفاده أن العقل الانساني هو المكوّن للوعي والثقافة باعتبارهما يمثلان خاصية الانسان ككائن عاقل. جاء في الحديث "أول ما خلق الله العقل"، ومن ادراك العقل الانساني للكون والحياة تنشأ الحضارات من صناعة الامم والشعوب، وتنشأ اشكالية الهوية الانسانية على قاعدة الثبات والتغير، الوحدة والكثرة، هوية واحدة لأمم شتى. الجوهر الانساني متشخص في المقولات، ثابت في الحقائق التي يقدمها.

في الكتاب مسار يهدف الى تعميق الثقافة والوعي، ومعرفة الذات، وحفظ الهوية، والسعي  الدؤوب للانتقال من مقولة الانفعال الى واقع الفعل وتحويل مسار الاحداث.

وهنا تنشأ اشكالية مفادها " هل الهويات المصارعة او المتصارعة قادرة على تحقيق هذا الأمر بمحض ارادتها دون تنظيم ناظم، وتدبير مدبر، وهل يتم الانتقال من الانفعال الى الفعل قبل ادراك الشيء لنفسه أي تحقق الكمال الاولي ؟ هل توجد هويات تتمتع بكمال صورتها وهي في حالة القوة او الانفعال قبل انتقالها الى حالة الفعل؟ ومن يزيح الطريق للأخر حتى يعبر عن كماله؟ السؤال يدفع للنظر في ميتافيزيقيا تقود الى التدبر واللطف،  والبحث عن مدبر لهذا العالم يدبره بحكمته الالهية.

لقد جمع فياض في هندسة فكرة الكتاب سؤال الهوية في الباب الاول والثاني وصراع الهوية في الثالث والرابع، وهذه الهندسة جاءت متسقة ومتناسقة في الشكل والمضمون، وقد حشد فيها الآراء المستحدثة في التأوج الفكري نهاية القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة.

في كتاب الاستاذ زهير فياض روح فلسفية بارزة، لأنه اضافة الى اخذه بضرورة المنهج يجيد طرح الاسئلة وصياغة الاشكالية وتلمس الحركة، ومتابعة مسارها والبحث عن المتغيرات وتفحص الاسباب وعلاقة الجوهر بمقولاته، واعتبار الزمان والمكان وعاء الفكرة ومجالها، والبحث عن التعريفات التي وحدها فياض وفق الاصول وحشد المفاهيم حولها. كل هذا المنهج في الفكرة والافصاح عنها على صلة بالفلسفة ومتوفر في الكتاب، وصاحبه ذو باع طويل في الافصاح عن مكنونات نفسه.

بعد ذلك، كانت مداخلة للأستاذ نسيب الشامي جاء فيها:

"  أصارحكم بأن العنوان -عنوان الكتاب- الهوية والصراع لم يستهوني، لأنه عنوان تقليدي، فأنا مقيم منذ ما يقارب الأربعين عاماً في حارة الهوية، وفيها داري وخلوتي وناسها وناسي واهلها واهلي، واصارحكم انني تريثت انما لم اتردد في الشروع في قراءة كتاب رفيقي الدكتور زهير فياض لأنني أعرف انه ليس كاتباً تقليدياً. وكيف يكون الكاتب تقليدياً حين يستحضر ابن خلدون في مقدمته المشهورة ليؤكد ان حياة البحر ليست امواجاً وسفناً.

فقاع البحر مليء بالغرائب والتيارات والوحوش وقاع السفن حيث يجلس ملاحون ينزفون دماً وعرقاً.

المعنى كما يقول ابن خلدون يقضي بان تعطيني الصورة كاملة عندما تريد اقناعي بأمر من الامور.

وزهير فياض يرفض في مقدمته المشهورة  القراءة الظاهرية، وهذا يفرض اعمال العقل في تحليل الامور، وقد اجاد في ارساء هذه القاعدة على امتداد صفحات كتابه الصراع والهوية من الجلدة الى الجلدة.

اذاً نحن امام كاتب غير تقليدي، الحداثة عنده ليست موضة، ولا ظرفية بل هي مادة المستقبل واداة الولوج الى عالم افضل. وعالم الكاتب متطور الى حد الفرادة، لانه يختزن مزايا انسانية، وسمات فلسفية مصاحبة له، كشرط لهذا النمو وهذا التطور. سأتناول في كتابه ثلاثة مفاهيم: الهوية، العولمة، المقاومة .

السؤال: كيف نناقش موضوعاً كموضوع الهوية خارج حقيقة البعد القومي، والهوية والانتماء القومي صنوان لا يفترقان، الانتماء القومي والجغرافيا ومسألة الحدود، والتفاعل الحاصل بين الانسان وبيئته هي مواد اي بحث يخص الهوية.

ثانياً: كيف نناقش موضوعاً كموضوع الهوية خارج هذا السؤال الفلسفي من نحن؟ اذ كيف نستطيع النهوض اذا لم ننطلق من واقع معرفة الذات يقول الكاتب.

ثالثاً: كيف نناقش موضوعاً كموضوع الهوية خارج حركة العصر. يقول الكاتب في مقاربته لهذه الاشكالية ان هنالك قاعدتين لا بد للباحث الجدي ان يتفاعل معهما:

القاعدة الاولى: ان الفكرة القومية الاجتماعية تجسد نظرة ديناميكية نامية ومتطورة للوجود الانساني تتأسس على شمولية البعد المدرحي في فهم التاريخ، وموقع الانسان المحوري في حركته التي لا تقوم على الحتميات لا المادية منها ولا الروحية، بل تحكمها عملية التفاعل الروحي المادي الشامل بين الانسان والبيئة التي تقدم امكانات التطور والنمو والتقدم وكل ذلك بالارتكاز على معطيات العقل وقدراته على قيادة هذه العملية التاريخية المركبة والمعقدة.

القاعدة الثانية: ان القومية الاجتماعية حين تراهن بشكل اساسي على الانسان في ريادة المستقبل فلا الحدود الطبيعية ولا اي عامل اخر يمنع امة قوية من الامتداد والتوسع في مدى حيويتها.

المفهوم الثاني - العولمة - يعطيها الكاتب حيزاً لا بأس به فيبدأ بالاسئلة التي يطرحها المؤلف وهي التالية:  هل يجوز ان نراوح في المكان ذاته الذي تركه مفكرون ومؤرخون وقادة كأن شيئاً ما قد انقطع في مسيرة الزمن بين الماضي والحاضر؟ هل يمكن ان نشهد نهاية التاريخ لامة بدأ التاريخ منها؟ هل نرضى ان يتحكم بنا اناس مثلنا اشتغلوا على انفسهم وعلى عقولهم وانتجوا علماً ومعرفةً وتكنولوجيا جعلتهم في مصاف صانعي الاقدار. من البديهي ان تكون اجابتنا سلبية على مجمل هذه الاسئلة. ويقيناً نحن على معرفة ان هذه العولمة ليست ظاهرة حديثة العهد- ربما نشهد تجلياتها بالوتيرة المتسارعة والملفتة فنصعق لهول المشهد- ولكنها كانت ظاهرة كل عصر- فالمسيحية عولمة، كانت في عصر، والاسلام عولمة في عصر آخر، والفلسفة اليونانية في عصر مختلف. وما انتجته الامم عبر التاريخ من انجازات وحضارات كانت دائماً العولمة في الزمان والمكان والتي وصلت الى حد الثورة الصناعية وثورة المعلومات. وفي هذا التحليل نكون كأمة قد شاركنا في صنع تلك العولمات وربما من واضعي مداميكها الاولى في العلم والطب، والتجارة، والصناعة والزراعة والفلسفة والشعر والعلوم العسكرية والتربوية والاجتماعية.

اما التجليات الخطيرة التي واكبت ثورة المعلوماتية والتقنيات الحديثة في مجالات التواصل الانساني العابر للأمم والمحيطات والثقافات يفرض علينا التساؤل كيف نتصرف؟

هل نقفل على انفسنا؟ هل نكون ملحقين في نظام عالمي لا حول لنا فيه ولا قوة؟ هل نشارك على قاعدة الالحاق؟ ام نشارك بالشخصية الحضارية التي هي نحن، وبالمبادئ الانسانية والقومية زوادة المراحل عند انقلاب الازمنة.

يقول المؤلف " ان اخطر ما تواجهه الدول القومية من احداثيات العولمة ونتائجها وآثارها انها تقلص من سلطات هذه الدول وتضيق الخناق على مناورتها فتتآكل سيادتها حتى تصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها في حقل الحماية الاجتماعية تجاه مواطنيها، حتى تجد نفسها وقد تحولت من راعية لمصالح هؤلاء المواطنين، الى حارسة لليبرالية السوق الجديدة. ان حصول هذه المعرفة لدينا، وانخراطنا في حركة العصر على قاعدة امتلاكنا للشخصية الحضارية التي هي نحن، وللمبادئ الانسانية والقومية التي نحمل، ستكون عوناً لنا في رسم موقع متقدم لأمتنا وعالمنا العربي مع الاعتراف انه طريق صعب وشاق".

وتخللت الندوة حوارات ونقاشات تناولت العديد من الموضوعات من فصل الدين عن الدولة، الى العلمانية، الى المقاومة، الى العولمة وتداعياتها.