لأننا في هذا الظرف الحرج....إصلاح الإعلام ضرورة وطنية عاجلة

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : أدهم الطويل
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
إضافة إلى الكثير من جوانب القصور التي يعانيها الإعلام السوري الرسمي، تبدو جوانب تقصيره الآن،في هذه الظروف الإقليمية والدولية العاصفة، اكثر حدة وآلما، خاصة أن الضغوط الدولية ورديفتها العربية-كما العادة- يشكل الإعلام الغربي وبعض العربي معا رأس حربتها المسمومة، الأمر الذي يستوجب تصديا بنفس الوسائل، واقلّ أشكال هذا التصدي المسارعة إلى التعبير عن غضب الشارع السوري المتنامي من السياسة الأميركية الاستفزازية.

صحيح أن حجم الهجمة السياسية و الإعلامية المسعورة على سورية كبير إلى حد يربك معه الأداء السياسي لأي بلد مهما كان وزنه الجيوبولتيكي ،إلا أن حال الانعدام التي يعيشها إعلامنا اليوم قديمة نسبيا ،لا علاقة للظروف الدولية الحالية بها ،وهذه الظروف لا تبرر استمرارها الآن ،إنما هي تكشف من ناحية أولى المزيد من حجم قصور هذا الإعلام وتفضح أسبابه الذاتية، وتجعل من ناحية ثانية إصلاح هذا الإعلام ضرورة وطنية عاجلة.

وفي هذا السياق الظرفي المتأزم ، وعلى عكس المطلوب، يُظهر إعلامنا الحكومي أمام مواطنيه عجزا متناميا ، ليس في مواجهة سيل جارف من الكذب والتزييف و الافتراء على سورية فحسب ،بل حتى في مواكبة الأحداث الإقليمية المتسارعة بكل تفاصيلها، وأيضا في إبراز بعض التطورات الإيجابية لأداء السياسة السورية الخارجية ،خصوصا بعد زلزال اغتيال رفيق الحريري ،هذه التطورات التي تتجاهلها كل وسائل إعلام العالم . ويحدث كل ذلك في إعلامنا استنادا الى حجة قديمة جديدة ،يبدو تناقضها الصارخ اليوم اكثر من أي وقت مضى؛ حجة الرصانة وعدم التهويل أو زعزعة استقرار الوطن والمواطنين ، في حين أن الحقيقة القديمة -الجديدة أيضا- التي تفسر قسما كبيرا من هذا العجز المتنامي والتلطي وراء هذه الحجة وغيرها من الحجج الأخرى ،هي عدم امتلاك الإعلام السوري الرسمي رؤية سياسية-مهنية واضحة و مستقلة

على ما سبق كله ،بما في ذلك حراجة الظرف السياسي الذي يحيط بالبلد ، نبني مشروعية السؤال الملح التالي : إن لم يبدأ الإعلام الآن وبشكل عاجل محاولة الخروج من دائرة التبعية للسلطة الحكومية فمتى سيفعل؟، علما أن الفوائد المتوقعة لمثل هذا الخروج يمكن أن تكون متبادلة بين الطرفين الإعلام والحكومة إذا أحسنت هذه الأخيرة ونظمت وسهلت هذا الخروج ؟ مع التأكيد أن الأمر لن يخلو من بعض الخسائر المرحلية المؤقتة الأثر.

ولماذا الخسائر ؟

إن تبعية الإعلام السوري نحو أربعة عقود أدت من بين ما أدت إلى نشوء أطر وكوادر متبّعة و تابعة بالتعود والاستنساخ ،تتصف أساسا ثم بضعف الموهبة وانخفاض مستوى الحرفية المهنية ، وحين يحدث الانفكاك المطلوب فالمعتقد أن قسما كبيرا من تلك "الكائنات الإعلامية الفطرية" ستسقط من الناحية المهنية تلقائيا ما سيستدعي أبعادها وظيفيا ،مع احتمال تمكن بعضها من البقاء أو العودة عبر التسلل مجددا إلى الجسد الإعلامي الجديد المتوقع ،وهي عودة قد لا يكتب لأصحابها عمرا مديدا ، إلا إذا انسلخوا من جلدهم، ولذلك فالخسائر"المؤقتة" تبدو هنا ضرورية لمثل هذا التحول الإصلاحي للإعلام ، وهي خسائر من النوع الاجتماعي ، ستصيب العاملين في الإعلام ،لكنها-دون شك لن تؤثر على ولادة الجسد الإعلامي الجديد الذي يمكن أن ينمو بسرعة بسبب تعطش السوريين لإعلام جديد، لكن شرط أن يبلور شكله بأسلوب مهني عصري ،متطور وشفاف ،طبعا بعد أن يكون قد انتزع استقلاله البنيوي الكامل.

والآن ، ورغم هذا الظرف الحرج ، حين يصل الأمر إلى الحديث عن طريقة انفكاك الإعلام الرسمي من قبضة السلطة التنفيذية ،فهذا يعني ضرورة الافتراض المسبق إن هناك قرارا سياسيا -أو على الأقل- مشروع قرار بهذا الأمر ينتظر اكتمال النسيج التشريعي له حتى يصدر.أما إذا كان الافتراض خاطئا ،تبقى هذه السطور محاولة "مبكرة" في هذا السياق ، حتى لو عدتها الحكومة جعجعة بلا طحن.

لكن استنادا إلى اعتقادنا بصحة الافتراض السابق لابد ،لجعل محاولتنا هذه مفيدة ،من تركيز البحث هنا في تقنيات وآليات الانفكاك المطلوب والمتوقع لإعلامنا. مع تأجيل الحديث عن اكثر التوقعات بداهة، وهي توقعات نشوء إعلام خاص 100% فهذا مقام يحتاج إلى مقال آخر مختلف.

إن الإعلام الوطني المستقل والمتوازن هو أداة للتنمية أولا و الراصد اليقظ في كتيبة الدفاع عن مصالح الوطن في الداخل والخارج، ولان التنمية هدف وطني عام تسعى الدولة بكل سلطاتها لتنفيذه ،لذلك وببساطة يجب أن تقتنع الحكومة تماما بإمكانية وبضرورة وجود وسائل إعلام (رسمية) تمولها هي ،لكنها منفصلة عنها بشكل تام من الناحية الإدارية المهنية؛ ببساطة اكثر وجود وسائل إعلام تعمل في إطار الوطن وتجتهد لتحقيق أهدافه كلها وتجسيد سياساته العليا لكن على طريقتها دون إملاء أو تبعية أو فرض ، هذا من ناحية الشكل ،أما من ناحية المضمون فإذا كان الجميع متفق على ماهية المصلحة الوطنية (دون ادعاء أو فوقية أو تخوين، أو عمالة ،أو تبعية أجنبية ،أو شذوذ فكري أو تطرف طائفي أو ديني أو شوفيني ) ،عندها يجب على الحكومة أن تترك الحرية الكاملة للمهنيين في تجسيد هذه المصلحة والتعبير عنها بالطريقة التي يختارونها ،وهي بذلك تضعهم في "خانة إليك" لأنها تكون قد حمّلتهم المسؤولية كاملة في ذلك وارتاحت من هذا "الهم الذي حملته ، طوال ثلاثة عقود ونصف" ، لتتفرغ بعدئذ لإنجاز مهامها التنموية المطلوبة.

إعلام مستقل تحت سقف الوطن

يقول مارشال ماكلوهان :على الصحفي قبل الدخول إلى المؤسسة الإعلامية التي اختارها واختارته أن يخلع أفكاره الخاصة كما يخلع الحذاء!، رغم قساوة هذه المقولة إلا أن فيها الكثير من الصواب ،وهي أساسا استنتاج مباشر من الواقع المهني لعمل اعرق واكبر المؤسسات الإعلامية في العالم الغربي رغم ليبراليته، اكثر مما هي مجرد نوع من التنظير ،ونسوقها هنا للرد على بعض الواهمين المتمسكين بما يسمى "الإعلام الحر".

ومن هنا فالمؤسسة الاعلامية (الرسمية) التي تمولها الدولة هي مؤسسة وطنية سلطوية مستقلة "مهنيا "عن السلطة التنفيذية ،ليست حرة في العمل ضد مصلحة الوطن ومواطنيه ،وليست أيضا مقيدة بآراء الحكومة وتفاصيل سياستها،هي تعمل في إطار الوطن وتحت سقفه ،وأفكارها وسياساتها وطنية، بل عليها أن تجتهد في الدفاع عن مصلحة الوطن ومواطنيه ضد كل الأعداء في الداخل والخارج ،علما إن الوطنية بما هي مجموع واجبات المواطنين وحقوقهم ومصالحهم في الوطن لا تحدها و لا تحددها الحكومة،أية حكومة مهما كانت "وطنية" أو حزبية، وهي -أي الوطنية- لا يجوز قصرها على انتماء أشخاص إلى حزب دون آخر أو جماعة دون أخرى أو دين دون أخر، وليس صحيحا بالضرورة أن ترتفع نسبتها لدى أعضاء الحكومة اكثر من باقي المواطنين، ثم من قال أن الحكومة وحدها الحريصة على مصالح المواطنين ،هي تجتهد لتحقيق ذلك بحكم عملها الرسمي لكنها قد تخطئ ،وعندها يجب أن تحاسب، لكن كلما كانت الحكومة قادرة (فنيا) وبشكل مباشر على معرفة حاجات ومتطلبات مواطنيها كلما ازدادت قدرتها على تحقيق هذه الحاجات .

وهنا يلعب إعلام الدولة المستقل عنها دورا فعالا في تعريف الحكومة بهذه الحاجات ،بما فيها حاجاته السياسية والفكرية ويمنع إهمالها ويوضحها ويبرزها بعيدا عن الارتجال والتقشف والتعسف والفوقية التي قد تقع بها الحكومة أثناء السعي لتلبية حاجات المجتمع ،وكلما شعرت وسائل الإعلام باستقلالها عن الحكومة كلما تطور دورها وازداد صحة وشفافية لمصلحة كلا الطرفين المواطن والسلطة، و بالتالي لمصلحة الوطن برمته.