العدد الاربعون - آذار

زاهر العريضي في "رحيل في جسد": ألوان الحب ممتزجة بخطوط الثورة

معمر عطوي
الخميس 26 آذار (مارس) 2009.
 

أبحث عن إمرأة تسألني عن أوراقي البيضاء، عن جرح في جسدي عن وجه أمي ودموع طفلي عن بيت لم يبن، وحقول، لم تزرع..."، كلمات جميلة زيّن بها الشاعر الزميل زاهر العريضي، ديوانه الجديد بعنوان "رحيل في جسد"، ليتميز رحيله هذا بـ "بحث"، هو عنوان القصيدة التي تحتضن هذه الأبيات الآنفة الذكر.

لا أعرف ما سر هذه الإنسيابية التي تميزت بها قصائد العريضي، والتي تجعل القارىء يأبى القيام من مكانه قبل أن يختم الصفحة الأخيرة من ديوان جمع بين الحب والوطن، بين القلق والرضى، بين الحزن وفرح التعبير عن الإنطلاق نحو المجهول.

 

هي رحلة بحث شاقة عن ذات مجبولة بكل "الأنوات" المحيطة، لتصبح الجزء في الكل والقلب في الكيان المرتبط بالوطن والاحساس والقضية الأسمى.

 

زاهر العريضي يحاول الخروج عن سرب مجايليه ممن يتعاطون مع القصيدة كصنّارة يصيدون بها الفتيات الجميلات (وغير الجميلات). يخرج عن أولئك الذين لووا عنق الشعر حتى بات نثراً مهشّماً بإباحية لا تخدم النص بقدر ما تذهب الى أبعد نقطة في العبثية والابتذال.

 

في قصائده السهلة الممتنعة، يحاول العريضي قول الكثير عن تجربته المتواضعة بحجم عمره اليانع، من دون أن يهتك "بكارة" النص أو يلوي عنق اللغة.

 

ينتقل بك من قصيدة الى أخرى، كأنك تقفز بين المروج الخضراء دون أن تبالي بوخز الشوك، وقرقعة الحجارة الفاصلة بين المرج والآخر.

 

يحمل هذا الشاعر الشاب وبتهذيب بالغ، عدته من تعابير وصور وتجارب، ليجعل منها لوحة جمالية رائعة، تمتزح ألوان الحب فيها بخطوط الثورة والنضال. وكأنه يقول أن الحب لم يكن يوماً عائقاً أمام أن نعيش قلق الأمة ووجعها.

لذلك يصف الحبّ بـ "جوع يلاحقنا.. يرمي جانباً من يبحث عنه بيد مرتجفة"، لعلها غير اليد التي أرادها العريضي ممسكة البندقية.

لذلك لفظ شاعرنا تلك اليد المرتجفة في بحثها عن الحب، في نفس الدرجة التي أراد لتلك اليد ان تكون "هنا" ازاء "البندقيه هناك".

مفارقة جميلة يوصلنا اليها الشاعرعن غير قصد. لعله ذلك القلق الذي يدفعه الى ممارسة جنون المراهقة، لكن بوعي الثوار.

لا يمنع وجود هذه المفارقة في بعض القصائد، من سقوط الشاعر أحياناً في فخّ التعابير السائدة، والمباشرة. بيد أنه نجح في خداع القارىء باختياره ألفاظاً مسبوكة بحبر الواقع، من دون أن يهتك حرمة الكتابة تحت عنوان القصيدة المتحررة من بحور الشعر والتفعيلة. من هنا بات نصّه مميزاً، وأسلوبه متشابها في سياق مسبوك بقوة العبارة، ما يدلّ على منهجية متسقة في التفكير.

"رحيل في الجسد"، ديوان جديد يبشرنا بشاعر واعد، يضم بين طياته عناوين عديدة منها: المستحيل، أبحث، تمزيق، إمضاء مزوّر، أصعب الأشياء، الحب، رقصة، لأنك الوقت، إنفصام وطن، مجنون في المدينة، البندقية هناك، في عيونهم، الى غزاوية، وغيرها من القصائد الموزعة على كتاب من الحجم الصغير مؤلف من 64 صفحة وصادر عن "دار أبعاد".