العدد الاربعون - آذار

الشاعر فيصل أكرم: تضييق الرقيب السعودي يدفعني الى كتابة الممنوع بطريقة فنية

اسماء وهبة
الخميس 26 آذار (مارس) 2009.
 

استطاع الشاعر السعودي فيصل أكرم أن يرسم لنفسه خطا شعريا مميزا في عالم قصيدة النثر، فتميزت قصيدته ببساطتها وعمقها في الوقت عينه. فقد جمع أكرم ضدي الشعر في أعمال واحدة تحمل توقيعه رغم كل الصعوبات التي يواجهها الشاعر السعودي، وأهمها على الإطلاق الرقابة الدينية. فما هو هاجسه الشعري؟ ومن هو قارئه؟ وكيف يكتب قصيدته؟

 في ديوانك الأخير "شربنا من الكون حتى العدم"، حملت قصائدك بعدا إجتماعيا فهل كان ذلك مقصوداً؟

في قصيدتي أتعاطى مع كل الكائنات الموجودة في هذا العالم وليس الإنسان فقط. فأنا يعنيني الرجل والمرأة والشمس والقمر والجبال والبحر والريح وغيرها لأنها اتحدت جميعا لتشكل هذا الكون.

 منذ البداية رسمت لنفسك خطا مختلفا عن عدد كبير من شعراء قصيدة النثر في السعودية. لماذا؟

لأنني وضعت لنفسي نظاما صارما منذ اللحظة الأولى، لأن الكتابة هي همي الوحيد. فمثلا اسمي لا يدل على قبيلة في السعودية، وكنت أرفض نشر صوري في الجرائد إلى جانب قصائدي. لذلك هناك كثيرون لا يعرفون جنسيتي!

 ما هاجسك هنا؟

هناك نظرة نمطية للشاعر السعودي بأنه إنسان يعيش حياة مترفة وليس على تماس مع المعارك والحروب والمنفى، بل يقتبس مفردات من هنا ومن هناك ليضعها في قصيدته. في حين أنا هذا غير صحيح، لأنني مثلا عشت الحروب والمنفى والسجن!

 كيف يمكن الحديث عن تحرر الشعر وتطوره في حين أن الشاعر مكبل بالقيد الإجتماعي والديني في السعودية؟

مع كل كتاب أصدره لا يستطيع الرقيب أن يجتزأ منه أو يمنع أحد نصوصه رغم تحرره فكريا ولغويا، ولكني في الوقت ذاته أحرص على عدم استعمال المفردات التي يحذفها الرقيب مثل وصف جسد المرأة وأيضا عدم استعمال كلمة "كأس" التي تفزع الرقيب السعودي، ولكني مثلا استخدمتها في إحدى قصائدي دون أن تمنع لأن المقصود بها كان ذاكرة الإنسان وليس الخمر!

 إلى أي حد تشعر أنك مقيد؟

لا أشعر بأي قيد، بل أحس أن هذا التضييق الذي يمارسه الرقيب يدفعني نحو التحليق الإبداعي وممارسة كامل إحترافي بكتابة كل الممنوع بطريقة فنية.

 مازال الصراع قائما بين التقليدية والتقدمية. ماذا عن آخر إرهاصات هذا الواقع؟

لا يوجد في المجتمع القبلي أي تقدمية. لذلك يستقل أي مبدع في القبيلة عن ذويه لأنها تقف حائلا بينه وبين الإبداع. فمثلا إذا كتب أحدهم الشعر يجب أن يكون نبطيا ليتلوه في مجلس القبيلة ثم يعطيه لمطرب القبيلة حتى يغنيه دون أن ينشر! وإذا قدر له أن ينشر شعره النبطي في كتاب فلن يشتريه سوى أبناء قبيلته. وهذا يفسر سبب ارتفاع مبيعات كتب الشعر النبطي في حين أن الشعر الفصيح لا يقرأه إلا المثقفون وبالتالي مبيعاته أقل من الشعر النبطي.

 لماذا لا يمتلك الأديب السعودي الجرأة للكتابة عن مجتمعه؟

لقد قلت في إحدى قصائدي: "لم تكن استقامتك اعترافا بالذي هو أنت". وإذا طبقناها على المجتمع السعودي فهو مستقيم ويصلي الفروض في مواقيتها في حين أن هذا لا يعكس طابع المجتمع كله. أي أننا نكتب عن هذه الإزدواجية وننتقد مجتمعنا ولكن بطريقة لا تعطي للرقيب حجة علينا!

 ما هو أثر الدين على المجتمع السعودي؟

له أثر كبير، لدرجة أن أحدهم كفرني بسبب إحدى قصائدي. ليس هذا فقط بل أذكر عندما شاركت في معرض بيروت الدولي للكتاب الأخير وصدمت عندما رأيت الجناح السعودي الذي يعد الأكبر في المعرض. وعلى الرغم من ذلك لا يوجد في الجناح سوى كتب الدعوة وأخرى عن ملوك وأمراء المملكة. وسألت القيمين على الجناح السعودي: أين كتب المبدعين؟ أين إصدارات 16 نادي أدبي في المملكة والتي تصدر عددا كبيرا من الكتب بين الشعر والرواية والقصة؟!

 ماذا أضافت الأندية الأدبية إلى الأديب السعودي؟

عند افتتاح الأندية الأدبية بمبادرات فردية لتلتحق بعد ذلك بالمؤسسات الرسمية تصورنا أنها ستكون مركزا للكتاب السعودي من أجل الترويج للكتاب السعوديين. وأصدرت كما كبيرا من الكتب الأدبية حتى أنها طبعت لي سبعة دواوين! لكن الغريب أن إصدارتها لا تشارك في معارض الكتب ولا يعرف أحد أين تذهب طبعاتها!

 إلى أي حد الرقابة استنسابية في السعودية؟

تتحكم فيها العلاقات العامة إلى حد كبير.

 كيف حال الأمسيات الشعرية في المملكة العربية السعودية؟

أذكرعندما قدمت أمسية شعرية في مدينة تبوك حضرها 400 شخص من الرجال ومثلهم من النساء. في حين أن إحدى أمسياتي في الرياض حضرها 24 شخص.

 لماذا برأيك؟

في الرياض الكتاب متاح أينما ذهب القارىء لذلك لا يقبل على الأمسيات الشعرية، خصوصا أن الشعرالفصيح يقرأ أكثر ما يسمع. في حين أن مدن الأطراف مثل تبوك لا يصلها الكتاب وبالتالي يقبل أهلها على حضور الأمسيات الشعرية.

 لماذا منعت بعض إصداراتك في الكويت؟

هذا الأمر يعود إلى سنوات مضت عندما كتبت في الصفحة الأخيرة لمجلة "الشروق" الإماراتية نصا عن الرئيس العراقي السابق صدام، حسين ثم أتلفت المجلة العدد وطلبت مني نصا آخر، فاعتقدت أن خطأ حدث فأرسلت لهم مقالا آخر. ولكني عرفت لاحقا اعتراضهم على النص فتركت المجلة وأرسلت النص إلى جريدة الشرق الأوسط حيث نشر المقال ولكن ذلك العدد منع في الكويت. ولاحقا منع ديوان "كبار" الذي وضعت فيه تلك القصيدة من دخول الكويت ثم منعت كل كتبي هناك. وأعتقد أن السبب مذهبي وليس سياسي! في الواقع، أعتقد أن دور الشعر الحقيقي أن يكون شهادة على العصر وليس تزويره.

 شكل شعراء الثمانيات الإنطلاقة الحقيقية للشعر في المملكة...

(يقاطع) في السبعينات كانت السيطرة للسلطة الدينية الوعظية. ولاحقا ظهر شعراء في السعودية يكتبون نصوصا غير وعظية ومارسوا دورهم في الإنفتاح على العالم مما خلق صراعا بينهم وبين السلطة الدينية. ولوقف هذا الصراع حاولت الدولة في الثمانينات إيجاد نوع من التوزان بين التقدميين والمتشددين فكانت النتيجة تهميش الثقافة والتوعية. ومع قدومنا نحن جيل التسعينات استطعنا تجاوز هذا الواقع ولم يعد هناك من تهجم علينا من أهل الدعوة.

 أين شعر الغزل في السعودية؟

موجود ولكنه ليس قويا بسبب طبيعة المجتمع. وأنا لست من أنصار كتابة شعر الغزل الصريح مثل نزار قباني الذي انتشر بسبب احتوائه على مفردات مثل النهد والركبة والفخذين والتي لا يسمح بها الرقيب في السعودية، وإن سمح بها فهي مفردات مبتذلة!

 هل لجوء بعض الشعراء إلى الشعر الذهني أو الذاتي سبب فجوة بينه وبين القارىء؟

لا. ولكن على الشاعر أن يكتب شعرا ذاتيا يشعر القارىء أنه يقرأ نفسه من خلاله حتى لا تحدث فجوة بينهما.

لمن تكتب؟

أنا أكتب لقارىء موجود. وهنا أتذكر نفسي في أول شبابي وأنا أقرأ الشعر من أجل إكتشاف العالم . في حين أنني اليوم أكتشف العالم من خلال قصيدتي والتي هي سبب وجودي.

 

من قصيدة "تجلّ بي يا صاحبي" من ديوان "شربنا من الكون حتى العدم":

لك سهرتي، وطابعتي، وكتابي

فادخل أيها الألم العظيم...

امتلك ما شئت مني، ولا تحاول امتلاكي

فأنت تعرفني جيدا..

تعرفني أيها الألم، وكم تألمت مني..

كم فررت خلسة.. وتركتني وحدي

حين كنت تراني أتلهف، كالنار، إلى المزيد

بين الطواحين عرفتني أنت، وعرفتك جيدا

لكننا أخطأنا كثيرا يا صاحبي...

قد أخطأنا حين اتفقنا على الإفتراق

ولم نختبر قدرتنا وأقدارنا.