العدد الاربعون - آذار

بعد "نهار الشباب"..."نهار جونيور" تجربة فريدة للتلاميذ

غسان حجار ل"تحولات": المستوى التربوي في لبنان مخيف
الخميس 26 آذار (مارس) 2009.
 

"من خلال دوري في التعليم أتبع أسلوب الحوار والاقناع وأعززه لدى طلابي. في نظامنا التربوي ليس لدينا تربية نقدية  خصوصا في مؤسساتنا ومدارسنا وجامعاتنا". هكذا يحاول مدير تحرير ملحق "نهار الشباب" تعزيز منطق الحوار لدى طلابه في وطن اصبحت الاصطفافات الطائفية فيه حرب غير معلنة تهدم مساحات الحوار و تنسحب على الاجيال فتتوارثها في الحقن والتعصب وتحريك الغرائز، فنصبح من فترة لأخرى على موعد مع أزمات نحاول الخروج من نتائجها دون معالجة اسبابها.

مجلة "تحولات" التقت الاعلامي غسان حجار، وكان معه هذا الحديث عن دور الاعلام والتربية والشباب .

 

 

من خلال تجربتك في الحقل الاعلامي، هل لدينا في لبنان موضوعية او حيادية؟

 

الحيادية والموضوعية تتراجعان في لبنان، والحيادية لا تعني اللاموقف وفقدان النكهة واللون. في لبنان، ليس لدينا مفهوم واضح لمعنى الحيادية والاستقلالية، لذلك لا نستطيع أن نفهم الحياديين فنعتبر أن لا دور لهم. هناك مجموعة كبيرة في لبنان غير حزبية وأنا منهم، وهذه المجموعة خارج الصراع القائم بين طرفي 8 و14 آذار. هذا لا يعني أن هؤلاء ليس لديهم موقف أو رؤية لتحقيق شيء. نحن بحاجة الى تحديد المفاهيم.

وبسبب غياب المفهوم الواضح للحيادية هو الممارسات الخاطئة لها، بالاضافة الى الجو القائم الذي يجيّش الناس ويحرك الغرائز عبر لغة التخويف من الموضوع الطائفي والمناطقي والمذهبي، ما يؤدي الى ممارسات خاطئة بعيدة عن الحيادية وردود فعل غير مدروسة، نفقد بسببها الموضوعية والحيادية.

 

الى أي درجة تعتبر نفسك حيادي او موضوعي؟

 

شخصياً لا احد يملي علي ما أكتب، ولا أحد يتدخل في مقالاتي وفي ما أنشره. ولي تجربة في مؤسسات إعلامية متعددة. هناك أنواع من المؤسسات، منها حزبية تعبر عن سياسة حزب معين، ومن يريد أن يعمل في مثل هذه المؤسسات عليه أن يدرك أنه في مؤسسة حزبية لها توجهها الحزبي وخطها السياسي. بالنسبة إلي، أنا أراعي المؤسسة التي أعمل فيها، لكني لا أقبل أن أكتب ما لست مقتنعاً به. وأعمل حاليا من خلال تجربتي مع الجيل الشبابي الجديد على تدريبهم على عدم الانجرار وراء إملاءات هم غير مقتنعون بها، وكذلك عدم الاعتياد على التزلف والكذب. في كل مؤسسة هناك هامش للحرية، وهذا يعود الى طبيعة وتربية الفرد الذي يستطيع أن يبتعد عن العبارات الاستفزازية والطائفية ، وفي نفس الوقت ايصال الموقف السياسي بطريقة جيدة.

 

برأيك هل يوجد في لبنان تربية نقدية؟

 

نفتقد في مؤسساتنا ومدارسنا وجامعاتنا الى التربية النقدية ، ولكن هناك دور يقع على عاتق كل شخص في بناء شخصيته عبر التجربة والخبرة المهنية لتنمية تفكيره النقدي. ومن خلال دوري في التعليم، أتبع أسلوب الحوار والاقناع وأعززه لدى طلابي.

 

ما هي المشاكل التي تواجه الشباب في لبنان اليوم؟

 

الاصطفافات الطائفية هي الأخطر على الشباب، والشعارات التي يرفعها السياسيون والتي تؤدي الى التخويف وتحريك العصب الطائفي. الطائفية هي المرض الأكبر في لبنان، وهناك فارق بين الانتماء الى الدين والعصبية الطائفية. الايمان لا يمنع الالتقاء والحوار. أما المشكلة الثانية التي يواجهها الشباب اللبناني اليوم، فتكمن في النظام التربوي بشكل عام. نظامنا التربوي لا يعتمد على التعليم النقدي والبرامج المرتبطة بواقع الحياة لدى الطلاب، فنحن حتى اليوم لم نستطع الاتفاق على كتاب تاريخ موحد للبنان! بالإضافة الى التربية المدنية والتنشئة الوطنية. برأيي مشكلتنا تكمن في غياب الدولة والقانون والمؤسسات التي تنظم الحياة وتعطي للمواطن الحقوق الأساسية وخصوصاً الشباب، مما يجعلنا في حالة فوضى. فيصطدم المجتمع المدني بمشاكل بنيوية غير متوفرة كالطبابة والمستشفيات وغيرها مما يؤدي الى عجزه عن تطوير عمله.

 

ما هو تعليقك عل قرار الوزير بشطب القيد الطائفي؟

 

إنها خطوة مهمة، من منطلق احترام حقوق الناس. ففي لبنان يتم احترام حقوق الطائفيين، فلماذا لا نحترم حقوق اللاطائفيين؟ من هذا المنطلق أنا مع أي مجموعة لبنانية تقدم اي اقتراح أو مشروع لا يضر بالآخرين، فلكل مجموعة الحق في أن تطالب وتعمل من أجل ممارسة حقها.

 

من خلال تجربتك كأستاذ محاضر في الجامعة، هل نحقق في لبنان المستوى التعليمي المطلوب ؟

 

المستوى التربوي في لبنان مخيف وتحديداً المستوى الجامعي، ونحن للأسف دون المستوى. لبنان كان معروفاً بتميزه في مجال التعليم، وكان يقدم مستوى جيدا لعله الأفضل على الصعيد العربي. لكن الخطير اليوم هو في افتتاح مدارس لنيل شهادة "الدكتوراه"، قد تكون هذه فرصة للطلاب لتحقيق طموحهم واكمال دراستهم من دون مغادرة لبنان، لكنني أرى في ذلك قضاء على المستوى التعليمي في لبنان بشكل نهائي، والسبب في ذلك أننا لسنا محضرين. فنحن اليوم نخرج طلابا بالإجازة الجامعية دون المستوى، فكيف في حال الدكتوراه!

 

برأيك ما هي أسباب تراجع المستوى التعليمي؟

 

أولاً، نحن لا نواكب العصر، وثانيا غياب أي رقابة على الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة. هناك جامعات تبيع شهادات، ربما هذه الحالة موجودة في كل أنحاء العالم، لكن في لبنان رصيدنا هو الثروة البشرية والعلمية، وإذا خسرنا هذه الثروة لا نستطيع أن نقدم شيئا على الصعيدين المحلي و الخارجي.

 

كيف تفسر عدم مواكبة العصر بالرغم من أننا نعيش ثورة تكنولوجية ومعلوماتية تعم العالم؟

 

هناك ايجابيات وسلبيات للتكنولوجيا والمعلوماتية، أي العولمة والانترنت، وخاصة في مجال التعليم. فالأستاذ لم يعد يستطيع مراقبة أبحاث الطلاب، وأصبح بمقدور الطالب إيجاد المعلومات عبر الانترنت ونقلها كما هي دون أي جهد وهذا أمر مدمر. من جهة ثانية ليست كل الجامعات مجهزة بنظام المعلوماتية كالجامعة اللبنانية مثلاً. أما في ما خص الجامعات الخاصة فأهدافها في أغلب الأحيان تجارية وهي تبتغي الربح السريع، ما يجعلها تعتمد على التساهل في تسجيل الطلاب من دون النظر الى المستوى المطلوب. مفهوم الجامعة تغير بشكل خاطىء، حصلت بعض التغييرات والزيادات الكمالية، لكن لم يتغير الكثير في المفهوم البنيوي.

 

الى أي حد تعتبرون أنفسكم في "نهار الشباب" حياديين، وبخاصة بعد اتهامكم في الآونة بالانحياز وعدم الموضوعية؟

 

نحن في "نهار الشباب" نقدم أنفسنا كحياديين، ولكن هذا لا يعني أننا لا نملك الموقف. نحن منفتحون على جميع الأطراف ورغم ذلك متهمون من جميع الأطراف بالتحيز، وهذه مشكلتهم، لأن كل طرف يريدنا أن نكون الى جانبه ونعبر عنه مئة بالمئة. نحن لسنا بالجريدة الحزبية ولن نكون منبرا لتبادل الشتائم، كما يحدث في التحقيقات التلفزيونية. نحن نحرص على ذكر آراء الجميع، بالاضافة الى أننا فريق عمل متنوع وملتزم بعدم اثارة النعرات الطائفية. نحن لنا موقفنا ولسنا حياديين في المسائل الأساسية التي تمس سيادة لبنان، لذلك نطرح المواضيع التي يجب أن تطرح، ونفتح المجال للجميع للرد وإبداء الرأي بكل موضوعية.

 

بعد " نهار الشباب"، أطلقتم تجربة جديدة هي "نهار جونيور"، كيف تصف هذه التجربة؟

 

نهار جونيور تجربة مهمة ترتكز على العمل مع المدارس وتقديم القيم المجتمعية للطلاب من دون الدخول في المواضيع السياسية. نحن نتناول مفهوم الاستقلال والسيادة وحقوق الانسان والديمقراطية بهدف تربية التلاميذ على التنشئة الوطنية، وفي المستقبل يستطيع أي تلميذ أن يبني خياراته كما يريد.

 

هل تتفاعل المدارس بايجابية مع هذه التجربة؟

 

هناك نقاشات مهمة داخل المدارس عن هذه التجربة فريدة، على أمل أن تعمم. وهي سلسلة من نشاطات قمنا بها وما زلنا ننظمها. البداية كانت مع "نهار الشباب" في "هايد بارك" للشباب والذي شاركت فيه كل الأطراف. وكان آخر "هايد بارك" في الشوف وقبله في صيدا، وسنكمل المشروع لنغطي كافة المناطق اللبنانية من أجل ارساء الحوار وتحقيق تفاعل الشباب اللبناني والتلاقي على  أطر سليمة رغم اختلاف وجهات النظر. فالحوار هو الأساس في عملية البناء الصحيحة.

نحن في جمعية "نهار الشباب" مقتنعون بأن لبنان لا يستطيع الاستمرار بطرف دون الآخر، لذلك علينا أن نعتاد على هذا المفهوم ونعمل من أجله، وأساس الحل لا يكون إلا بالحوار. والهدف الرئيس هو أن يطرح الشباب مشاكلهم بعيداً عن السياسة الضيقة والأحكام المسبقة ولغة التخويف والالغاء.

 

 

 

 

حاوره: زاهر العريضي