العدد الاربعون - آذار

جو قديح..."الجغل" كما لم تعرفوه من قبل!

ريتا باروتا
الخميس 26 آذار (مارس) 2009.
 

يعود الى خشبة خافها أكثر من 12 سنة، ليرفع من جديد، ومن أمام غشاوة أعيننا، ستار الجهل المبطن.

جو قديح، الـ "جغل" بامتياز، وفي مسرحية من كتابته وإخراجه وتمثيله بعنوان "حياة الجغل صعبة"، يهدي نفسه أصعب الامتحانات: وحيد امام الجمهور، من اجل فكرة، فضحكة، فحقيقة.

"تحولات" التقت قديح، وسألته عن "هديته  لنفسه" وعن البكاء الذي يلي كل ضحكة، فأهدانا حديثا شيقا:

 



على وقع الأغنية الشهيرة "لست سوى جيغولو"، يطل جو قديح، متمايلا، مبتسما، ومتوترا.

نشعر بخوفه، نحن الذين واكبنا أعماله، لدرجة اننا أصبحنا على مقربة شديدة من أنفاسه.

جو خائف، ولكنه يأخذنا بيدنا، في رحلة نزور خلالها "جغل" الجميزة، وجغل "الفايسبوك"، ثم المعاملتين، لنتوقف قليلا عند جغل "الباروميتر" والابن المدلل السطحي "البايخ".

 

"حياة الجغل صعبة"... ايه صحيح. ولكن، من هو الجغل فعلا؟

 

الجغل مصطلح يظن معظم الشبان اللبنانيين بأنه من "الشيم" التي يمكن لأي شاب ان يتمتع بها، جاهلين أساس الكلمة، التي لا تعني سوى "جيغولو"، اي مذكر "بائعة الهوى"!

ولكن جو قديح ارتدى معطف جغل، فقط  ليعرض دراسة اجتماعية، بكثير من الطرافة، فالضحك، فالوجع المتخفي بين كلمة ونقطة، بين موقف وواقع، بين ممثل وشخصية.

الصالة تهدر ضحكا، وكأن الكل ينتظر، ليضحك على نفسه.

دائما وأبدا، تأتي مسرحيات جو قديح لتعكس الوقائع، الظاهرة كما المبطنة، وكأن رحلة "العلاج النفسي" لن تنتهي يوما.

قديح في "حياة الجغل صعبة" لم يقلّد، ولم يسخر، ولم يحاول ان يمثّل حتى.

فهو استطاع أن يكون هذا "الجغل"، بوجعه، وسخفه، ومحاولاته العديدة لاستمالة هذه أو تلك، او الهرب من زوجة الى أحضان "أوكرانية" ما.

وصدقنا اللعبة، ولعبناها معه.

وما سهل علينا الأمر هو اختيار قديح لهذا النوع الخاص من المسرح، والذي بدأ يعتاده اللبنانيون، وهو الـ "ستاند اب كوميدي"، او الكوميديا التفاعلية، حيث يقف شخص واحد على المسرح- وهذا من أصعب أنواع التمثيل على الإطلاق-  مخبرا، ومحاورا.

 

يأتي مشهد صغير، يمرّ ما بين سكيتش وآخر، يعود كـ"لايت موتيف"، يقف خلاله جو أمام احد ما، يستعطف، يترجى، يبكي، من اجل كلمة، من اجل ان يفتح الباب.
وقبل ان يختم ذلك العرض الاجتماعي الساخر، يفهم الحضور: الجغل يقف أمام امّه، ليخبرها عن الأدوار التي يلعبها، لأنه أولا وآخرا، يتألم، يخاف، يحتاج، يستنجد، يطلب، ويقع في سخفه، لفقدانه كل ما فقد.

وعلى باب المسرح، التقيت بجو قديح فقط لأسأله "الا تستطيع، ولو لمرة واحدة، ان تحول دون ان تؤلمني يا جو؟!"
وكان حديث، يجمعني به للمرة الألف!


ما سر غيابك الطويل عن الخشبة، كممثل؟
انا أخاف المسرح كثيرا، وأخاف من مواجهة الجمهور.
 
لقد عشت يوما تجربة مريرة لا ارغب في التحدث عنها، قررت بعدها الا أخوض تجربة التمثيل مجددا.
لا أريد ان أضع نفسي بين يدي مخرج. في مسرحية "ميدل بيست" حاولت حين عرضت في أميركا، ان العب دورا صغيرا، وهو دور المسيحي. ولكني لم أحب نفسي!
وخفت مجددا.
كما وأنني اعترف بأنني لا املك خبرة كبيرة في التمثيل.

يعرف متتبعوك انك مخرج وكاتب مسرحي. لم كان عليك أن تمثل؟

ليس الأمر هكذا. وأنا لا ولن ارفض أي دور جيد، إن عرض عليّ.
ولكن وقوفي اليوم على خشبة المسرح هو بمثابة "هدية" أهديتها لنفسي.
وهذه المسرحية هي أيضا نوع من العلاج.
فكما قلت، انا أخاف الوقوف أمام الجمهور. ولكي أتخطى خوفي هذا. لقد أجبرت نفسي على مواجهته، منفردا.

 

في "حياة الجغل صعبة" نرى بأن الكوميديا هي سيدة الموقف. ولكنك رغم ذلك، استطعت ان تجمع ما بين عرض "العقد النفسية" والفكاهة. هل الرسائل التي تأتي مع ضحكة، تصل أسرع؟

كلا. من الصعب جدا إضحاك الناس. وأسهل الأمور أن تجعليهم يبكون.
انا تحدثت في مسرحيتي هذه عن "أمراضنا" ووضعت عليها ضحكة.
هنالك دائما رابط دراماتيكي.
كل رجل يبحث في المرأة التي يحاول إغواءها، عن امّه.
انا في الحقيقة، حين كتبت النص، بعد عملية مخاض استغرقتني 6 أشهر، لم أفكر يوما بأن تلك المسرحية ستخلق هذا الكم من الضحك.
لقد مسّت الناس.

مسّتهم لأنهم في العمق، يضحكون على أنفسهم؟
طبعا. رد الفعل الأولى على تصرفاتنا والمتغيرات التي تحدث لنا، هي الضحك.
حين أقف أمام المرآة، وأشاهد نفسي وأنا أشيخ، لا يمكنني سوى ان اضحك!
واللبناني يحتاج الى متنفس. يرغب بالضحك، وبشدة. فحياتنا اللبنانية تافهة جدا.
الجغل في نهاية المطاف متشوّق، فقط لينفس عن كبته.
حتى في كثير من المشاهد، خصوصا فيما يتعلق بالسيجار العريض، والمسدس الخ...استعين بإيحاءات جنسية مبطنة.

أيمكننا ان نعتبر بأن هذه المسرحية تتبع "موضة" جديدة تقدم على المسرح اليوم؟
اظن ذلك. ولكني لن ادخل في التسميات. فهناك من يضع هذا النوع تحت اسم "وان مان شو" او "ستاند اب كوميدي". انا لا أحب ان أتكدر.
انا عملت قبل هذا العرض على شيء مماثل، في مسرحية "مطار شارل ديغول. "
ولكن اليوم، أردت ان اكتب لشخصية "رجل".


أنت حاولت ان تعطي صورة مختلفة عن الجغل...
نعم. أردت أن اخبر عن الكبت، والأمراض...ان اظهر بأن في داخل كل منا، مشكلة نفسية كبيرة.
اذكر بأنه ليلة الافتتاح، كانت أمي حاضرة.
وحين قمت بتمثيل المشهد الأخير، حيث أخاطبها، حاولت جاهدا ألا ابكي.


في كل مسرحية تقدمها، هناك دائما عرض للمشاكل والأمراض الداخلية. نعرف بأن "العلاج النفسي" مؤلم. أما زال يؤلمك؟
تلك العملية لن تنتهي يوما. السفر الأهم هو السفر نحو داخلنا، وفيه.
انا شخص قلق. وأكثر ما يخيفني هو "المجهول" و"الموت". المسرح هو طريقة أعبر من خلالها عن مخاوفي.
ولن اجد يوما جوابا عن بحثي. ولكنني أضع مخاوفي تلك في مكان معيّن.
الألم لا يخف، انما اليوم أعرف كيف أتعامل معه، واضبطه، وأروضه.
المسرح ليس "حبة دواء" نأخذها، فنشعر بالتحسن. هو طريقة للتعبير فقط.
انا دائما أعري نفسي، واعرض عقدي من دون أي خجل.
أتحدث عن التابو الخاص بي. وأؤمن بأن تلك الأمراض والمخاوف هي التي جعلتني "جو قديح. "
لذا، فأنا شخص "قدريّ". لأصل وأتقبل ما انا عليه.
كما لأكتشف لبنان، الذي هو انا، وأنت، وأصدقائي، وكل من أحب.
فهو أكثر البلاد التي أحب، والتي أكره.

هل تخطيت خوفك من المسرح من خلال عرض "حياة الجغل صعبة"؟
ما زلت أخاف، كل ليلة. وكل ليلة، في الكواليس، اشعر وكأنها الليلة الأولى، والعرض الاول.
أخاف وارتجف أحيانا.
ولكن ما ينقذني كل ليلة، هو الجمهور وتفاعله. هذا القرب هو الذي يحررني من الخوف.

أهناك من رسالة معينة، وراء ما أظهرته؟
المسرح التلقيني يتعب الناس كثيرا.
في الفن، بنظري، ليس هنالك من رسالة. هنالك صرخة. انا أصرخ لأعبّر.
وأظن بأن المسرحية الذكية هي التي تجعل الناس، حين يخرجون من المسرح، يتساءلون، يتحاورون، ولا يشبعون.
أظن بأن "حياة الجغل صعبة" هي ملف اجتماعي عن واقع نعيشه اليوم.

ملاحظة : يستمر عرض مسرحية "حياة الجغل صعبة" على مسرح " بيريت"، مع تنويه بأنكم لن تجدوا أية مقاعد شاغرة!!!

 

ريتا باروتا