الفنان ياسر صافي..فقط على الورق، كما في الحلم نستطيع كل شيء..

العدد 6 كانون الأول 2005
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
يقول الفنان صافي في تقديم أعماله: فقط على الورق، كما في الحلم نستطيع كل شيء.. لا قانون يصادر تصوراتنا اللحظية أثناء العمل، فالشجرة تصير كائناً آخر ملتبس الهوية.. إنساناً، طائراً، مربعاً.. ومن هنا ينقاد الشكل لرغبات الفنان، والعكس صحيح..

في تجربة الفنان ياسر صافي عفوية يستخلصها من فطرية نادرة، شديدة الارتباط بعذرية اللون والخطوط وفحوى الموجودات التي استطاع أن ينسج معها علاقة غرائبية من التعبير المتبادل بين طرفين لا تبدو غلبة لأحدهما على الآخر، وكأنا هناك نوعاً من التواشج والانسجام المتقن دونما تدخل مقصود من برودة العقل أو الإجهاد الأكاديمي، الأمر الذي يمكننا من ملاحظة سخونة الأصابع بعدما تركت بصماتها على سحنة أعماله كلها.. وكأنها أنجزت للتو وهذا ما يعطيها الكثير من الصدقية والحرارة..

يقول أسعد عرابي واصفاً لوحاته: تعكس لوحات ياسر صافي (مثل محفوراته الطباعية) سحراً نفاذاً، من الصعب اكتناه أسراره. ترجع هذه الجاذبية المغناطيسية الملغّزة ـ ربما ـ إلى المثير من مجتمعاته وجمهرات شخوصه الملتبسة.

هي التي تشيع الغبطة وتتلفح بأوشحة حزينة في الوقت نفسه، متراوحة بين السكينة التأملية الكهلة، والعربدة الطفولية الشابة.

وقد تكون قدرته على الاختزال وبلاغة الزهد والتقشف والاقتصاد في الموضوعات وأدوات التعبير، وأحياناً في القناعة بعدد محدود من العناصر كالزوج المحبين، ناهيك عن باليتا الطيور والكائنات الميثولوجية المؤنسة.

مقتصراً في شدة إلماحه على مقام لوني مهيمن، هادئ الطبع، رهيف الحرارة والبرودة، ما خلا ما يرصع رحابته من القليل من جواهر اللون المشرق والمشبع بالصباغة الحميمة. تغلب عليها ألوان الفجر والغروب، الغسق والشروق، وكأنها تقتنص لحظة لونية حلمية شاردة، عانقتها ذاكرة الزمان يوماً ما، ثم ولت دون أمل بالعودة.

وإذا كانت شعرية صافي ظاهرة في أشكاله وخطوطه، فإن هناك أسئلة ملحة تطفو على السطح مغرورقة بفحوى اللون القاتم والمزركش أحياناً بمحطات من الضوء واللون البهيج تترك أثراً من مقولات فلسفية ترافقه أينما حلّ..

ويضيف عرابي: (تعوم عرائسه في قبة فراغية، منزهة عن أثقال الجاذبية الأرضية وافقها وظلالها، عرائس مقصوصة مثل كائنات خيال الظل، رقيقة دون حجم أو كتلة، فهي أقرب إلى المسطحات التجريدية، الخارجة من مجتمع الواسطي وبهزاد، تعشش مثلها في قياس ورقي متواضع، داخل بواطن رسوم صفحات المخطوطات (المنمنمة)، ينشر أعضاءها (الأنامل والأقدام وأقنعة الرؤوس الصبيانية) على كرنفال من الكواليس المسرحية المجازية، قد تنقلب في أحوال احتدامات عواطف الشطح والوجد والهذيان إلى إشارات تختزل هيئات ميثولوجية منتزعة من الذاكرة الكنعانية ـ الآرامية. تتعدد الأرجل والأيدي مثل الأسد الآشوري المجنح (بخمس أقدام). منقلبة في تقمصاتها إلى مفردة إيقاعية ترتبط بتشريح الفراغ التجريدي أكثر من ارتباطها بدلالة تشريح الجنس البشري.

تختص بعض تكويناته بمواقف غزلية من العشق العذري الطهراني، أقرب إلى المعراج المجنح، تخضع فيها الأجساد إلى حركة أثيرية سديمية من العناق والفراق، ومن اللقاء الجسدي المستحيل.

التواءات لا تعبر عن الهم والإحباط بقدر ما تكشف غور صبوته في التحليق الشعري. ثم نكتشف غالباً حول رؤوسها الوادعة أهلّة نورانية مستمدة من ذاكرة الأيقونات السوريانية المحلية).


بعض لوحات الفنان ياسر صافي