العدد الاربعون - آذار

هل تصدق نيات الدبلوماسية الفرنسية تجاه العرب؟

د. واجب قانصو
السبت 28 آذار (مارس) 2009.
 

يبدو أن الشعب ينقسم في آرائه حول سياسة بلاده العربية إلى اتجاهين تجمعهما نقاط وتفرقهما أخرى: فالبعض يرى أن فرنسا تقف موقف المتفرج حيال القضايا العربية أو تقف أحيانا موقفا واحدا مع الولايات المتحدة الأميركية، أما الاتجاه الأخر، فيرى أن سياسة فرنسا في الشرق الأوسط معاكسة تماما، لأن فرنسا هي الدولة الكبرى الوحيدة التي تعتمد سياسة عربية وتعتبر العالم العربي شريكا مهما وأساسيا، والخطاب المعتمد لا يتحدث عن سياسة فرنسا في الشرق الأوسط ولكن عن سياسة فرنسا العربية والمعنى يختلف بين المصطلحين.

إلا أن الفرنسيين جميعا يعتبرون أن سياسة فرنسا العربية تحددها الارتباطات الجغرافية و التاريخية. فمن الناحية الجغرافية، فرنسا متاخمة للعالم العربي الذي ينطلق من جنوب البحر الأبيض المتوسط مع خمس دول من المغرب العربي، ومصر، فلسطين، لبنان، وسوريا. هذا التقارب الجغرافي الذي يشجع التبادل والتواصل، يجعل من فرنسا أكثر الدول تأثرا بما يحدث في العالم العربي، وفرنسا تعرف تماما العالم العربي أكثر من غيرها خاصة وأن سياستها العربية تشكل ثابتة من أقدم الثوابت التاريخية للسياسة الفرنسية، إن قوة سياسة فرنسا العربية تقوم على أساس مبادئ وأهداف إستراتيجية وتتميز بشمولها كل الاتجاهات: السياسية، الاقتصادية والثقافية.

أما على الصعيد السياسي، وهنا يكمن الاختلاف الحقيقي بين الفرنسيين، فان سياسة فرنسا كما يشرحها البعض، لا تقتصر فقط على الاهتمام بحل مشكلة الصراع العربي- الإسرائيلي. وإذا كانت هذه السياسة ترتكز في المقام الأول على دعم الحقوق المشروعة للشعوب العربية، وترفض فرنسا أن تأخذ طرفا في النزاعات التي قد تنشا بين الدول العربية، بل على العكس تحاول دائما القيام بدور الوسيط، وبما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، فموقف فرنسا، حسب ما يراه، حازم في هذا الشأن والمبادئ الأساسية هي التالية:

  وضع حد للاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 على أساس القرارين 242 و338.

  الأخذ بعين الاعتبار تطلعات الإسرائيليين في العيش ضمن حدود آمنة.

  الحاجة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية قابلة للحياة.

  سلام عادل وشامل يحفظ حقوق الشعوب وسلامة الدول وهذا السلام يجب أن يكون نتيجة لمفاوضات ضمن إطار الأمم المتحدة وتشارك فيه جميع الدول الكبرى كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة ومن شانه الحد من مخاطر التوتر وتشجيع الحوار بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

هل نستطيع الحكم على صدق النيات الفرنسية تجاه القضايا العربية؟ فإذا أخذنا التجربة اللبنانية على سبيل المثال، نرى أن فرنسا أورثتنا نظاما سياسيا طائفيا مذهبيا باليا بامتياز، وعند اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كانت فرنسا طرفا سياسيا بارزا مع ما يسمى 14 آذار، وخلال عدوان تموز تطابقت السياسة الفرنسية في بعض الأحيان مع السياسة الأميركية وحليفتها إسرائيل، وبالأمس القريب، وخلال العدوان الغاشم على غزة، لم تستطع فرنسا أن تأخذ موقفا مستقلا بل كانت ضمن ما يسمى محور الاعتدال الذي سارع إلى توجيه التهم نحو المقاومة الفلسطينية بدل ردع إسرائيل والطلب منها توقيف جرائمها ضد الشعوب العربية.

إذا، التجارب علمت الشعوب العربية عدم تصديق البرامج والأفكار والنيات الآتية من الغرب ولكننا نأمل اليوم، أن تصبح أوروبا باتحادها وشعوبها قادرة على لعب دورا أكثر جدية وحكمة على الساحة العربية خاصة وأنها باتت تشكل قوة سياسة واقتصادية واجتماعية ريادية على الصعيد الدولي رغم كل الخلافات التي عصفت بين دولها وفي استطاعتها تشكيل فسحة أمان للشعوب العربية في مواجهة السياسة الأميركية الإسرائيلية القائمة على القتل والتهجير.