العدد الاربعون - آذار

الاحزاب اللبنانية :أزمة فكر أم تنظيم

عامر ملاعب
السبت 28 آذار (مارس) 2009.
 

 الحلقة 3
الحزب الشيوعي اللبناني

 حزب المعارضة الدائم
الاحزاب اللبنانية ازمة فكر ام تنظيم، ملف فتحته مجلة تحولات تتناول فيه دور الاحزاب اللبنانية كمجال للنقاش والحوار ، نشرنا في العدد السابق "الحلقة الثانية" عن حزب الكتائب اللبنانية وفي هذا العدد نتناول الحزب الشيوعي اللبناني .
لا يمكن قراءة ما بعد منتصف القرن التاسع عشر من دون المرور على افكار ذاك الرجل الالماني صاحب اللحية الكثة كارل ماركس. لا يمكن القفز عن مرحلة تاريخية قفزت بها قضايا الناس الى قمة الاهتمام. ثورة صناعية انطلقت في اوروبا الغربية ومعها ارتفعت حدة الصراع الطبقي : تغيرات ديموغرافية، تحول فئة كبيرة من المجتمع الزراعي الى الصناعة وانتقالهم للعيش على أطراف المدن، لتزداد سبل الاستغلال والتسلط وتوسعت الهوة الطبقية. المفاجأة كانت ان انتصرت هذه الافكار في روسيا القيصرية في العام 1917 واخذت بتصدير الثورة الى انحاء الارض قاطبةً.

هذه المقدمة تؤشر الى جذور وانطلاقة الماركسية "المبكرة" التي وصلت لبنان في العام 1924، ولعبت دوراً بارزاً في مراحل ما بعد الاستقلال حتى فترة السبعينيات من القرن الماضي من خلال الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان له دور في اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ومشاركة فعالة خلال الحرب الاهلية اللبنانية في مواجهة ما كان يسمى يومها الانعزال اللبناني. ثم جاء انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات وخروج الحزب بعد اتفاق الطائف اللبناني من السلطة خالي الوفاض ومنعت عليه اي "قطعة من جنات" السلطة.

يصعب في هذه الحلقة الحديث عن تاريخ ودور الحزب الشيوعي آنذاك، بعدما صودف اختتام المؤتمر العاشر للحزب منذ ايام قليلة، وقد كان محطة ملفتة تستوجب الاضاءة عليها، اذ كانت فيه سلسلة نقاشات حول قضايا وطنية جوهرية مهمة على مدى عدة ايام. والأمر يستأهل منا قراءته بهدوء وتأجيل البحث التاريخي الى حلقة مقبلة.

يلحظ الزائر الى مركز الحزب في الوتوات حيوية نشطة دبت في عروق الرفاق. الامين العام الدكتور خالد حدادة يدخل ضاحكاً على رهط من الشباب ويسأل "شو في مؤامرات اليوم، في شي انشقاق جديد بالحزب" ليجيبه اكثر من صوت من الحاضرين "لا، قل ان كل الذين خرجوا من الحزب سابقاً يودون ويتلمسون العودة، وكثر منهم عادوا حقاً". 

د. ماري الدبس، من الوجوه المخضرمة في الحزب التي عادت من خلال المؤتمر العاشر الى اللجنة المركزية للحزب بفوزها بعدد كبير من الاصوات، وهي التي تفاخر "اننا رغم كل الندوب في جسد الحزب، ورغم كل الهجوم عليه من الداخل والخارج، فإننا استطعنا ان نقدم نموذجا ولو بسيطا عن امكانية قيام احزاب علمانية ديموقراطية مناضلة في لبنان، من دون ان تخضع لسلطة رجال الدين او الزعامات السياسية التقليدية او الارتهان لاحىد قوى الخارج".

 وسريعاً ينطلق الحوار، من اين هذا الامل؟ ولماذا؟ "الم تر كم ضم هذا المؤتمر من شباب تراوحت اعمارهم بين العقد الثاني والثالث من العمر وقد كانو مندوبي مناطقهم؟ الم تر ان النظام الرأسمالي العالمي يقدم لنا الخدمات حين يؤكد صحة ما نقوله؟ ازمة مالية عالمية تشبه ازمة العام 1929، بطالة وفقر وجوع وتدهور مستوى حياة الناس في الشرق والغرب بفعل سياسات النهب المنظم التي تمارسها رأسمالية معولمة بحق شعوب الارض لصالح حفنة من المحتكرين والسماسرة. نحن اليوم على مفترق تاريخي، وكل تقارير الخبراء الرصينة تؤكد استمرار الازمة وتفاقمها عالمياً، فكيف بها ستكون على مستوى لبنان؟ الدين العام يتفاقم والخدمات الرسمية تتراجع، الاجور تنخفض قيمتها الفعلية، وترتفع الضرائب على الطبقات الافقر؟ كل ذلك يدفع العقل البشري الى التفكير بالمخارج الآيلة الى النجاة. هنا تجيب الماركسية عن تلك الاسئلة بانها ما زالت صالحة وقادرة على العيش".

في الشأن اللبناني الداخلي ينظر الحزب الى القضايا الخلافية بروح جذرية اذ "يأخذ على قوى النظام في الموالاة وفي المعارضة انها لا تتعامل مع قانون الانتخابات وفق الدستور اللبناني ومن زاوية الوظيفة السياسية الانقاذية التي تؤسس لإعادة إنتاج سلطة فقدت القدرة على تأمين استقرار الدولة بكل مكوناتها، ووضع لبنان على سكة التطور الديموقراطي. وعلى الرغم من ان قوى النظام الحالي تقر بأن لبنان يعاني انقساماً على المستوى الطائفي وصل الى حدود التقسيم، فهم لا يسعون الى إستبدال هذا الانقسام المرضي بانقسام سياسي صحي يتطلب اعادة تكوين مؤسساته الدستورية عبر اعتماد نظام انتخابي يسهل هذه العملية ويضمن مشاركة مجموعات الأقليات في مؤسساته الدستورية وعدم تهميشهم. ان التقاسم الطائفي بين قوى النظام اللبناني تجاوز الدولة، وانحسرت الأحزاب غير الطائفية، وخلفتها تشكيلات سياسية طائفية كبرى تحولت بفعل الواقع إلى دويلات للمذاهب ساهمت في انتشار واستشراء الفساد، وأمست المراجع المذهبية مطابخ للقرار الوطني، وتوزعت مرافق الإعلام بينها. هنا تكمن الاسباب العميقة لأزمة الوطن وتعطل آليات المساءلة، وانتفاء امكانيات التغيير الديمقراطي المبني على التخلص من كل ما يغذي الاحتقانات الطائفية واستنفار العصبيات الأولية والوصول عند الأزمات الى حافة الحرب الأهلية".

 

لذلك "يتطلّع الحزب عبر قانون الانتخاب اولاً، بوصفه مفتاحاً للاصلاحات الحقيقية المتكاملة مع ادوار مؤسسات الدولة الدستورية والادارية الهادفة الى الغاء الطائفية وفق اتفاق الطائف الذي اضحى دستوراً، وإلى تطوير النظام اللبناني في اتجاه صيغة أكثر استقراراً وديمقراطية تهدف الى الغاء النظام الطائفي. ويرى أن نظام الإقتراع الأكثري (ومهما كان شكل وحجم الدائرة الانتخابية) الذي لم يعرف لبنان غيره، شكل الارضية لعدم الإستقرار السياسي منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، وانتج الحروب الاهلية المستمرة. وابقى مئات آلاف اللبنانيين من دون تمثيل سياسي برلماني. وهو يشجع على انشاء وتطور الاحزاب المرتكزة إلى الطائفة والمذهب والمنطقة والعشيرة، ويحد من المشاركة الشعبية، ويتعاظم الاغتراب عن مؤسسات الدولة الدستورية والمولد الأساسي للفساد والمؤبد للطائفية والمذهبية. لذلك لا يمكن ان تكون حياة حزبية جدية في لبنان من دون اعتماد النظام النسبي الذي يشجع بدوره على انشاء الاحزاب و الجبهات السياسية الوطنية العابرة للطوائف والمذاهب وبالتالي تنمية الحياة السياسية القائمة على اساس ديمقراطي". ويمكن تحديد بعض النقاط الاساسية وهي جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة - اقرار نظام التمثيل النسبي - الغاء القيد الطائفي - اقرار حق الشباب الذين بلغوا 18 عاماً بالاقتراع - اقرار الكوتا النسائية - اقرار الاصلاحات الاخرى التي اوصت بها اللجنة الوطنية لقانون الانتخاب لجهة ضبط الانفاق والاعلام الانتخابي واشراف لجنة قضائية على حسن سير العملية الانتخابية ونزاهتها". 

اما المقاومة التي يفاخر بها الحزب الشيوعي، فتقول عنها قالت د. الدبس "المقاومة سطرت ملاحم رائعة من الصمود، واستطاعت بشكل فعلي ان توجه ضربة قاسية للجيش الاقوى في المنطقة في حرب تموز من العام 2006 التي تركت تداعيات خطيرة، والحرب على لبنان لم تكن على الاطلاق حربا موضوعية ولا اسرائيلية بل كانت حربا استراتيجية بكل ابعادها قادتها الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل بالتعاون والتنيسق مع بعض الحكومات العربية والحلفاء المحليين. كانت حربا لتوليد شرق اوسط جديد خاضع بالمطلق للسيطرة الاميركية. لكن المشروع الاميركي في المنطقة يترنح وقد أسسنا لهزيمته اللاحقة. والفضل في ذلك يعود الى الشعب اللبناني ومقاومته الوطنية والجيش اللبناني". والحزب هو بشكل حاسم منحاز الى الدعوة لمقاومة الغزو والعدوان في ظل نقاش حاد ساد أوساطه والأوساط اليسارية، وأوساط المثقفين الديمقراطيين اللبنانيين والعرب الذين رأى بعضهم في الاحتلال الاميركي فرصة لأسقاط الديكتاتورية، في موقف كشف بؤس هؤلاء وضعف ايمانهم بشعوبهم. لقد وضع المؤتمر أسسا وركائز لا تصلح لمشروع لبناني تقدمي وحسب، بل أسسا لركائز موقف يساري ديمقراطي عربي، ينطلق من حقيقتين:  سقوط النظام الرسمي العربي وتعمق أزمة البدائل، ورفض منطق التخيير بين نموذجين: إما بوش والالتحاق بالمشروع الاميركي وإما التخويف بأسامة بن لادن، ومشاريع الاصولية الاسلامية والأنظمة القمعية بوجوهها العربية المختلفة.  الحزب نجح في الحفاظ على استقلاليته رغم الضغوطات والتجاذبات الهائلة التي تعرض لها لبنان والمنطقة. وكان البعض يريد لنا أن نلتحق باحد الفريقين (8 او 14 آذار) وفي ذهن هؤلاء جميعا تذويب المعارضة الجذرية في البلاد من خلال القول ان الانقسام في لبنان محصور فقط بالموقف من القضية الوطنية بين معسكر تدعمه واشنطن وحلفاؤها العرب، ومعسكر تدعمه سوريا وايران. لقد استطاع الحزب أن يثبت أنه لا يشكل جزءا من أي المعسكرين المتوافقين على كيفية الحفاظ على نظام الاستغلال الطبقي الطائفي، ولم تعد استقلالية حزبنا وتمثيله الصحيح للمعارضة الحقيقية محط نقاش من قبل أحد، فحزبنا حزب المعارضة الطبقية للنظام وحزب المقاومة ضد الاحتلال والعدوان وحزب النضال من أجل بناء حكم وطني ديمقراطي علماني".

وتضيف د. الدبس "لقد اختار الشيوعيون مشروعا وضعت خطوطه ليشكل أداة الحزب في إعادة تكوين ركائز اليسار التقدمي العربي وهي مقاومة شاملة للمخططات الاميركية والتغيير والديمقراطية والمشاركة الشعبية وتنمية اقتصادية-اجتماعية متكاملة مع شعار استعادة الثروة العربية وإعادة الاعتبار لشعار الوحدة العربية مع صياغة جديدة للشعار ومستلزماته. وأحداث السنتين الماضيتين في المنطقة أثبتت أن الثابت في المشروع الاميركي، هو ثنائية السيطرة المزدوجة (على النفط والقرار) من جهة، وحماية أمن اسرائيل من جهة ثانية. أما المتحول والخاضع للمنطق البراغماتي بأكثر أشكاله حدة، فيتمثل في الشعارات وأساليب العمل والمعايير المعتمدة للتعاطي وللعلاقة مع دول المنطقة. فبعد أن كانت الديمقراطية الضحية الأولى في العراق، بعد خنقها لفترة طويلة إبان حكم صدام، والعودة الى تبني الأنظمة الملكية غير الديمقراطية كحليف رئيسي، أصبحت الحدود الأخرى للشعارات كلها مباحة بعد حرب تموز 2006 والهزيمة الإسرائيلية. وهنا تؤكد الدبس على ان "التقاطع مع المقاومة لا يعني الاتفاق بكل النقاط، ونحن نخشى ان نقع في مقولة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وممنوع ان نناقش تحت شعار التحرير ونتائج هذه السياسة معروفة. نحن بالنهاية على استعداد كامل لمشاركة هذه القوى مفاعيل المواجهة مع الاستعمار والهيمنة الاميركية والاحتلال الإسرائيلي، ولكننا بالطبع نفترق عن هذه القوى الدينية في توجهاتها الاخرى".

 وعن دور الشباب وما شهده المؤتمر من حيوية ملفتة تقول "فعلاً شعرنا بالاعتزاز بهذه الكوادر الشابة التي تسعى لتثبيت اقدامها داخل الحزب، وهي التي ستعطي الحيوية والشباب لهذا الحزب، وقد كانت العقود الثمانية من عمره كأنها الدافع الى الانطلاق المتجدد. لذلك قررنا ان نولي هذا الملف اهمية خاصة من خلال التركيز على المشاريع التالية: عقد مؤتمر لوضع برنامج للشباب، على أن يكون المؤتمر سياسياً واجتماعياً، لنحاول اعطاء الشباب نوعا من الكوتا التي تضمن دخول الدماء الجديدة وتجديد الحزب مع كل مؤتمر. وسنحاول بناء حركة شبابية فعلية لمواجهة ازمة لبنان، وهذا المؤتمر سيعقد مبدئياً قبل شهر تموز المقبل. كذلك سنعمل على تعزيز دور المرأة بشكل فعال لا سيما وأننا ننادي بالتغيير ونتغاضى عن ضعف المشاركة النسوية داخل الحزب، وذلك سيكون ايضاً عبر تفعيل العمل على تغيير قوانين الاحوال الشخصية".

من ناحية اخرى ترى الدكتورة الدبس ان "الحزب يحتاج الى تطوير العمل الثقافي والايديولوجي والفكري فيه، لان الاحزاب ان لم تكن ذات خلفية عقائدية صلبة فانها تتحول الى تجمعات هامشية غير ذات قيمة. وستكون الانطلاقة من خلال العودة الى مفكري الحزب الكبار واقامة الندوات وورش العمل حول قضايا محددة واصدار الكتب والمنشورات حول الموضوع وانشاء مركز دراسات، كي نحاول تقديم اجابات علمية ودقيقة على قضايا العصر الحديث. وسنعمل على كتابة تاريخ الحزب عبر تشكيل لجنة متخصصة تعمل على صياغة نص علمي يؤرخ للحزب بشكل دقيق، واقامة المدارس الحزبية بمستويات متدرجة تنطلق من تعليم وتدريب كوادر الحزب وطباعة هذه المحاضرات وتوزيعها على اعضاء الحزب. والمهم ايضاً هو اعادة اصدار "مجلة الطريق" بتمويل من اصدقاء وقراء المجلة، وكل ذلك يتطلب اعادة التواصل مع كل المفكرين التقدميين وان كانوا قد بعدوا عن الحزب، او ليسوا بشيوعيين، ومحاولة وضع أسس تطوير حالة فكرية مستقبلياً يمكن ان تنجح في تجميع هذا اليسار".

اما النقطة الاهم التي تركز عليها الدبس فهي "تجاوز الحزب اي شكل من اشكال الانقسام، بل يمكن القول ان الحزب يذهب في اتجاه آخر نحو اعادة وتجديد شبابه، وقد تجاوز الازمة النفسية والمادية التي تأثر بها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واليوم نرى رؤية مشتركة بين الشيوعيين في معظم القضايا والملفات". هنا نظرح سؤالا: "هل هناك أمل في أن نرى هذا التغيير التاريخي؟" تضحك السيدة الدبس وترد "التاريخ لا يقاس بالسنوات والايام والشهور، تخيل نحن اليوم في عصر الملكية في فرنسا، وهي البنت البكر للمسيحية، هل كنا لنتخيل ان يسقط هؤلاء الاباطرة وينهزموا امام حراك شعوبهم، وأن تتحول فرنسا الى الدولة الاكثر علمانيةً في العالم؟ عربيا، هناك تونس التي طبقت الكثير من القوانين المدنية في الاحوال الشخصية ومنعت تعدد الزوجات. بالمناسبة علينا توضيح كل هذه النقاط للناس والاثبات أنها لا تتعارض مع الدين مطلقاً، بل هي منظم للحياة الدنيوية وكل مواطن حر في عبادته".