العدد الاربعون - آذار

استعدادات عسكرية واستخبارية اسرائيلية ملحوظة:

هل تخرج إسرائيل من مأزقها بضرب ايران عسكريا؟
السبت 28 آذار (مارس) 2009.
 

بعد طول انتظار العالم، غادر الرئيس جورج بوش البيت الابيض وحل مكانه الرئيس الجديد باراك اوباما مصحوبا بآمال كبيرة علقت عليه في السياسة الداخلية وخصوصا معالجة الازمة الاقتصادية المالية، وفي السياسة الخارجية ثمة ازمات مزمنة في الشرق الاوسط تنتظر تسويتها وايجاد الحلول الدائمة لها كما ان الحرب في العراق وافغانستان تنتظر ترتيبات لانهائها واعادة الجنود الاميركيين الى بلادهم مع تحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية. 

اقلع اوباما بطريقة هادئة وجامدة ورصينة وغيب خطاب التهديد والوعيد الذي كان يصدر شبه يوميا عن سلفه الرئيس بوش وسارع الى ايفاد مبعوث رئاسي الى الشرق الاوسط وهو المخضرم جورج ميتشل الذي كان قد جال في المنطقة عام 2002 من اجل تقصي حقيقة الاستيطان الاسرائيلي وهو صاحب الانجاز التاريخي في تسوية ايرلندا الشمالية. اما المبعوث الاخر فهو ريتشارد هولبروك الذي اوفد الى باكستان وافغانستان من اجل تشخيص ومعالجة الوضع الشائك فيهما وهولبروك سبق وان كان مبعوثا للرئيس الديموقراطي الاسبق بيل كلينتون الى البلقان والذي قال عنه رادوفان كاراجيتش الزعيم السابق لصرب البوسنة المتهم بارتكاب مجازر ضد المسلمين انه كان على اتصال دائم معه ويتلقى منه النصائح وذلك اثناء اجابته على سؤال للقاضي الدولي في بث حي على شاشات التلفزيون الفضائية. 

غاب عن اوباما ايفاد مبعوث الى ايران وقد سرت شائعات انه دنيس روس، لكن سرعان ما تبين ان روس قد عين مستشارا خاصا لوزيرة الخارجية هيلاري كلنتون لشؤون الخليج وضمن ذلك ايران، وهو بعمله لا يرقى الى مرتبة مبعوث رئاسي مثل ميتشل وهولبروك في مؤشر واضح الى ترجع الاولوية الاميركية للملف الايراني.لم يتغير الخطاب الرئاسي الاميركي ولا خطاب باقي اركان الادارة تجاه ايران لكن خفت حدة اللهجة الاتهامية من دون تغيير كبير في المضمون. وما زلنا نسمع تحذيرات من الملف النووي الايراني وخطر امتلاك ايران للسلاح النووي واتهام ايران بدعم الارهاب والمقصود بذلك حماس وحزب الله. 

اما سوريا فيجري التعامل معها على انها تقاطع لازمة الشرق الاوسط (اي النزاع العربي الاسرائيلي) وايران (اي الوضع في الخليج). ومع ان الوفود الاميركية تتزاحم الى سوريا، فان معظم الوافدين اليها يكررون الخطا السياسي نفسه بدعوة سوريا الى "وقف دعم الارهاب" وقطع علاقاتها بايران والمساعدة في تحقيق الامن والاستقرار في العراق وعدم التدخل في لبنان، بالاضافة الى تحذيرات نووية قد تؤدي الى تكوين ملف نووي سوري. الا انه لا بد من الملاحظة ان صيغة الاملاءات لم تعد متداولة.لم يعين سفير اميركي جديد في سوريا ولم تستقبل سوريا ضيفا رسميا من الادارة الاميركية، والاتصال الرسمي الوحيد هو اجتماع السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى مع مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط بالوكالة جيفري فيلتمان، وكلام من وزيرة الخارجية ان الجليد لم ينكسر مع سوريا بعد. 

جال ميتشل مرتين على المنطقة من دون ان تشمل جولتاه سوريا، وقد اتخذ من القدس مقرا له.  وفي الشهر الثالث على بداية ولاية اوباما، يسود المنطقة جو من الحذر والترقب والغموض. في اسرائيل هرب الاسرائيليون الى اليمين المتطرف بقصد اظهار عدم خوفهم على كيانهم جراء حرب تموز2006 وحرب غزة 2008-2009 اللتين اثبتتا فشل جيشهم في تحقيق الاهداف المرجوة منهما. وقع اليمين المتطرف في اسر جمهوره.كيف يحقق الامال المعقودة عليه؟ هل بحرب ثانية على لبنان لا يبدو ان النجاح مقدر لها بل من المرجح ان تزيد الامور تعقيدا؟ أم باستئناف الحرب على غزة والتي يبدو ان نهايتها سوف تكون الفشل المحتوم؟ ماذا عن الدعوة الى الترانسفير لعرب 1948 الذين يناهز عددهم المليون والمائتي الف نسمة والتي لا يبدو انها مرشحة للتطبيق في ظل اوضاع دولية لا تمكن من تمرير هذا المخطط؟ كما انه لا يبدو ان هناك اخراج ميداني مناسب من اجل القيام بمثل هذه العمليات، وقد يبقى الترانسفير طويلا محصورا في خطاب المزايدة اليميني المتطرف. هل يلجأ اليمين المتطرف الى استئناف عملية السلام المشلولة وهو الذي وصل اصلا الى الحكم تحت شعار تقويض هذه العملية والانصراف الى "ضرب الارهاب" اي المقاومة؟ من الواضح ان اسرائيل تعيش مأزقا في خياراتها، وينسحب ذلك على الحليف الداعم اي الولايات المتحدة الاميركية. واذا طال هذا الترقب فانه سوف يتحول حتما الى جمود يحتاج الى الكسر في اقرب وقت من اجل تحريك التسويات والحلول عللى جميع الاصعدة. 

حدد نتنياهو فور تلقيه التكليف الرسمي برئاسة الحكومة اولوياته وهي اولا مواجهة الخطر الايراني، ثم انتقل بعدها الى معالجة الازمة الاقتصادية واخيرا عملية السلام، مسقطا بذلك اي رهان عربي" معتدل" على عملية السلام. 

في ظل هذا الوضع الغامض يبدو ان شيئا ما يلوح في الافق ويؤشر الى كسر هذا الجمود، وذلك باقدام اسرائيل على توجيه ضربة عسكرية جوية الى المواقع النووية الايرانية ورد ايران على هذه الضربة وخلق وضع جديد يؤدي الى دخول اميركي دولي على خط التسويات ومحاولة وقف النزاع الجديد الذي من المفترض ان يهيمن على باقي النزاعات في المنطقة.

ومن المرجح ارتفاع هذا الاحتمال وبخاصة ان مؤشرات ظهرت اخيرا تتعلق بتزويد اسرائيل قنابل خارقة للتحصينات من طراز جي بي يو39 التي صادق الكونغرس الاميركي عليها ووصلت فعلا في تشرين الثاني-نوفمبر. وتجدر الاشارة الى ان سفينة يونانية نقلت من مرفأ استاكوس اليوناني الى مرفأ اشدود الاسرائيلي شحنة ذخائر ضمن 325 مستوعبا، كما ان شحنة اخرى نقلت من مرفأ في ولاية كارولينا الشمالية الى مرفأ اشدود ايضا تحمل 989 مستوعبا بداخلها 2600 طن من الذخائر، وذلك في شهر كانون الاول ديسمبر الماضي. وكانت وكالة "رويترز" قد نقلت عن احد كبار وكلاء الشحن في لندن في 10 كانون الاول الماضي ان شحنات الاسلحة السايقة الى اسرائيل لم تكن بهذا الحجم. لقد وصلت هذه الشحنات بعد وقف اطلاق النار في غزة، ما يعني انها معدة للاستعمال في مكان اخر. وتجدر الاشارة الى ان قنابل جي بي يو لم تستخدم خلال حرب غزة الامر الذي يرجح استخدامها لاحقا .

لا شك ان الضربة الاسرائيلية المفترضة تتطلب تحضيرات عسكرية واستخبارية واسعة، وخصوصا لجهة الحصول على معلومات دقيقة عن احداثيات المواقع النووية وطرق التقدم الجوي واستخدام الطائرات من نوع ستيلث اي الشبح، التي لا تظهر على الرادار، بالاضافة الى حل مشكلة التموين بالوقود جوا نظرا لبعد الاهداف وردود الفعل على ظهور طائرات التموين بالوقود على شاشات الرادار في الدول التي تعبر الطائرات الاسرائيلية في اجوائها. 

لماذا الضربة؟

-الضربة هي المخرج الوحيد لتحالف اليمين المتطرف في اسرائيل لاخراج نفسه وجمهوره من مأزقه الراهن الذي بدأ دون شك يؤرق جميع ساسة اسرائيل. 


-  الضربة هي المدخل االمنطقي الوحيد لتدخل اميركي سريع ومبرر لاعادة الامور الى النصاب الاميركي في هذه المنطقة.


-  الضربة هي هدف مستتر لبعض العرب الذين يعربون عن قلقهم من البرنامج النووي الايراني وهي باتت مرحبا بها بعد تصاعد الحديث عن الخطر الايراني على دول الخليج  وباقي الدول العربية.


-  الضربة هي اختزال سريع لسوريا وحزب الله وحماس وذلك بتعطيل قدرات الحليف الاكبر ايران.


-  الضربة هي عملية دعم كبيرة للولايات المتحدة المازومة في العراق وافغانستان وذلك بتعطيل الدور الايراني في كل من البلدين. 

واخيرا الضربة هي التعويض المعنوي الحقيقي للجيش الاسرائيلي عن هزيمته المصرح عنها في لبنان، وغير المصرح عنها في غزة. في مجال اخر شارف الاميركيون غلى الانتهاء من تركيز رادار متطور في صحراء النقب والذي اعلنت اسرائيل ان غايته هي حماية الاجواء الاسرائيلية من خطر الصواريخ البالستية الايرانية. هذا الرادار هو جزء من منظومة لملاحقة واعتراض الصواريخ البالستية، وغالب الظن انه يتصل بشبكة صواريخ اميركية داخل القواعد والسفن الاميركية المنتشرة في المنطقة.

 

اين تقف الولايات المتحدة الاميركية ازاء هذا الوضع؟

 

 من الملاحظ ان المقاربة العسكرية والامنية والسياسية للملف الايراني لم تتغير، فقد بقي وزير الدفاع الجمهوري في ادارة ديموقراطية يعمل تحت سلطة رئيس وضع شعار التغيير اساسا لحملته الانتخابية ولم يغير شخص وزير اساسي لموضوع يحتاج اكثر من غيره للتغيير. ولا يبدو ان اداء الوزير قد تغير مع الادارة الجديدة، بالاضافة الى ان المسؤولين العسكريين الاساسيين وهما رئيس الاركان المشتركة وقائد القيادة الوسطى، بقيا كل في مركزه من دون تغيير ملحوظ في الاداء. فهل يستطيع الاميركيون تحييد قواتهم المنتشرة في الخليج عن تداعيات الضربة الاسرائيلية المفترضة وتحميل مسؤوليتها ل"بيبي المجنون" اي بنيمين نتنياهو ، ومن ثم التدخل لردعه عن جنونه  بعدما يكون قد حقق اهدافه المبتغاة من الضربة؟ 

يبقى رد الفعل الايراني الاكيد على هذه الضربة غامضا، وهو ما لم يحدد اي من الخبراء مداه او فاعليته او حدوده. وكذلك لم يعلم ما اذا كانت الولايات المتحدة وضعت تصورا لرد الفعل الايرانية ، أم أنها هي تتصرف كما فعلت في العراق وقبلها في افغانستان، اي دون اي حساب لما بعد الضربة او ما بعد الاحتلال.   

  

.

 الياس سالم