العدد الاربعون - آذار

الشعر العربي: ابداع أصيل مستمر في وجه العولمة والواقع التعيس

اسماء وهبة
السبت 28 آذار (مارس) 2009.
 

 د. عمر عبد العزيز: هناك حركة شعرية عالية في اليمن تنأى عن آثار العولمة

إيمان خالد: لا نحتاج إلى تذكية خارجية للتدليل على إبداع الشعراء السودانيين

أدي ولد أدب: "لعنة الجغرافيا" حاجز أمام انتشار الأدب الموريتاني

أسماء وهبة

 

كثيرة هي التحديات التي تواجه الشعر العربي اليوم في ظل تطور المعرفة عبر التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإتصالات، وكأنها أصبحت بديلا عن الثقافة والكتاب. فبكبسة زر واحدة نحصل على المعرفة من مصادر عدة، بعد أن اتسعت أمامنا الرؤية وانفتحت أمامنا أبواب ثقافات عالمية عديدة حتى ضعنا بينها ونسينا أحيانا هويتنا الخاصة!

فما هو حال الشعر العربي اليوم؟ وكيف يواجه العولمة المتسارعة النبض؟

يرى الكاتب اليمني د. عمر عبد العزيز أن التحديات التي تواجه الشعر العربي اليوم هي نفس التحديات التي تواجه المجتمعات العربية. نحن نعيش في عصر متعولم بإيقاع متسارع. وهذا يعني أن الثقافات الإنسانية ستتداخل ليس بالمعنى الكلامي النصي، ولكن بالمعنى الشامل المتعلق بثقافة الصورة. وعلينا كعرب أن نعرف كيف نتعامل مع هذا الزمن المداهم العصري الذي يسير بخطى موضوعية وعالمية والذي له مؤثرات إيجابية وسلبية. وفيما يتعلق بالشعر العربي يجب العمل على تطوير محركات اللغة، حتى نتواجد في هذا الفضاء "السيبيري" الكبير لنحافظ على خصوصيتنا الثقافية وإلا سننحسر.

ولكن هناك من يرى انحسارا للرواية في العالم العربي في مقابل تراجع الشعر، الأمر الذي يرجعه الشاعر الدكتور عمر عبد العزيز إلى تناوب الأنواع الأدبية من الشعر والرواية وغيرها على الساحة الثقافية. ويتابع "وهذا أمر طبيعي، والذي لا يعني أن نوع منها يلغي الآخر. ولا أعتقد أن النزعة السردية السائدة في بعض البلاد ستكون غالبة على الشعر. وكذلك لن تغلب النزعة الشعرية في بلاد أخرى على النزعة السردية. ولكن سيكون هناك نوع من تناوب الأدوار على طريقة المد والجزر. ومع الوقت ستتلاقى النصوص الأدبية إبداعيا لأن السردية لا تخلو من الشعرية والشعر لا يخلو من الصورة".

ماذا عن الحركة الشعرية في اليمن؟

هناك حركة شعرية عالية في اليمن خصوصا بين جيل الشباب. وربما يرجع سبب غياب الشعر اليمني في الآونة الأخيرة إلى أن اليمن ينأى قليلا عن آثار العولمة الموضوعية، هذا بالإضافة إلى تأصيل التعليم التاريخي فيه.

إذن ما هي المشكلة التي تواجه الشعر في اليمن؟

تكمن المشكلة في وصوله عبر الإعلام والتعريف به. وهذه مشكلة لا تواجه اليمن فقط بل تطال كل العالم العربي. فالشعر إن لم يكن غنائيا لا يعرف حتى في بلده. فالإعلام يلعب اليوم دورا سلبيا على صعيد أولويات اهتمامه بالثقافة العامة في ما يتعلق بالغناء والشعر والمسرح وغيرها من الفنون.

ما هي أنماط الشعر الرائجة في اليمن؟

يجمع الشعر في اليمن بين أنماط شعرية مختلفة، منها الشعر السياسي والغزل ومنه ما يعمل على اجترار التجارب السابقة. كما يوجد ثلاثة أجيال شعرية: الأول يعتمد على إحياء الشعر القديم، والثاني يؤيد الحداثة إلى حد التطير، أما الجيل الثالث فهو وسطي يجمع بين المدرسة الكلاسيكية والحديثة. ولكن نحن الآن نعيش قلق وجودي في اليمن والعالم العربي الذي ينعكس بط\بيعة الحال على الشعر وتطوره وانتشاره وجمهوره.

ما هي خصوصية الشعر في اليمن؟

تكمن خصوصية الشعر اليمني في المكان والزمان وبيئة اليمن المتنوعة بين الجبلية والساحلية والصحراوية والسهلية. فأينما وجد الشاعر في اليمن يستطيع أن يستقي مفردات قصيدته من بيئته بطريقة مباشرة. كما يتأثر الشاعر اليمني كثيرا باللغة العربية وتاريخها بطريقة غير مباشرة لأنها الوعاء الحاضن للشعر اليمني.

الشعر السوداني

للشعر في السودان قاموسه الغزير وتقنياته الجمالية التي اكتسبها وطورها من بيئاته المتنوعة. فتراكم تراثه الشعري القائم على التواصل الثقافي والحراك الإجتماعي في كل السودان، مما جعل ثقافاته المتعددة تخرج من حدودها التقليدية. إلا أن الإهتمام الإبداعي والنقدي بالشعر السوداني من قبل العرب والسودانيين أنفسهم لم يكن مركزيا بل جانبيا.

ولعل الركود النسبي الذي يسود الحركة الشعرية العربي حسب بعض الشعراء، طال السودان أيضا، وهو الضارب في عمق الثقافة العربية كما تؤكد الشاعرة السودانية إيمان خالد: "فلو عدنا خمسين عاما إلى الوراء سنجد أًصواتا شعرية سودانية أثرت في الذاكرة العربية مثل صلاح أحمد إبراهيم ومحمد مفتاح الفاتوري وتيجان يوسف بشير الذي كان صوتا شعريا غريبا. لذلك مازال النقاد يحللون حتى اليوم قصيدته وجملته الشعرية، رغم أنه توفي في سن الخامسة والعشرين. أما شعراء الستينات أو ما يسمى بالعصر الذهبي، فهم أصحاب بصمة على مستوى الشعر السوداني، وقد أسسوا مدارس شعرية كثيرة مثل (مدرسة الغابة والصحراء). وهناك من أضاف على مستوى النقد مثل حمزة المالك".

ثقافة مستترة

إلا أن أزمة الثقافة السودانية لا تتعلق بالإبداع ذاته، بل في أن هذه الثقافة تعيش في الظل. وهو ما ترجع إيمان أسبابه إلى "ورطتنا في السودان على مستوى الهوية، كما إننا نعاني من صعوبة إيصال الصوت السوداني إعلاميا. بالإضافة إلى طبيعة السودانيين الخجولة المخلة بفكرة الأدب نفسه وريادته على مستوى المجتمع. ولا يوجد عمل مؤسساتي ثقافي في السودان على الرغم من بعض المحاولات الأهلية لتفعيل الحياة الثقافية، لأن الوضع السياسي المعقد في السودان لا يسمح للدولة بوضع الثقافة في أولوياتها. فهي تعاني من أزمات على مستوى السلطة وتوزيع الثروة والبنية التحتية والحروب".

وعلى الرغم من ذلك وصل إلى الإعلام العربي أصوات أدبية سودانية مثل الروائي الطيب صالح الذي عاش خارج السودان قبل وفاته، "وكأننا نحتاج إلى تذكية من الخارج حتى نقول أنه لدينا صوت أدبي مختلف" تقول إيمان خالد.

تطوير اللغة

وعلى كل حال يتميز الشعر السوداني في بعضه بنكهة صوفية خاصة. وآخر ينهل من طبيعة السودان المكانية والتاريخية الممزوجة بالسحر الأفريقي وطقوسه. وهنا تقول إيمان: "لدينا ذاكرة منقولة عبر قراءات متعددة. فما يخرج من الأديب خليط بين بيئته وما يكتسبه في حياته اليومية ورؤيته وخياله المأمول الذي غالبا ليس موجودا. ويعمل على اجترار مفردات جديدة على مستوى اللغة. وهذا شيء معقد لأنه يعتمد على تعقيد الذات الإنسانية نفسها".

المرأة... شاعرة بامتياز

وعلى الرغم من صبغة السودان المحافظة، إلا أن المرأة "الأديبة" لامعة بذات القدر كالرجل "الأديب" كما تقول إيمان، بعد أن وجدت حظا في نيل التعليم رغم ارتفاع نسبة الأمية. "ولكن هناك وعي في السودان بضرورة الإستفادة من نصف قوة المجتمع المعطلة وهي المرأة. وبالنسبة لي فلقد كسرت التابو الإجتماعي في نصي الشعري من خلال تمردي على الفكرة بحد ذاتها". أما علاقة إيمان بالنص الشعري والقصيدة فتصفها ب "الحميمة"، ولكنها لازالت في بحث لإيجاد مفردات مختلفة وأخيلة تزاوج ما بين أحلامها وواقع غير مرضي ورغبة في تغيير ما على المستوى السياسي والإجتماعي، وحتى على مستوى الحلم المشروع.

بلد المليون شاعر

وننتقل أخيرا إلى موريتانيا أو بلد المليون شاعر. فهي صاحبة قصيدة البداوة والصحراء بامتياز في نتاج شعرائها الإبداعي. وعلى الرغم من أن عمر الشعر في موريتانيا يزيد على عشرة قرون، إلا أن ما وصلنا منه على شكل دواوين ونصوص كاملة لا يتجاوز عمره الثلاثة قرون! فما هي أسباب ذلك؟ ولماذا لا نعرف الكثير عن الأدب والشعر الموريتاني؟

يرجع الشاعر الموريتاني أدي ولد أدب أسباب ذلك إلى "لعنة الجغرافيا". ويشرح قائلا: "إن موريتاينا بلد بعيد جدا. كما أنه لا يساهم بنشر نفسه بنفسه، لأن وزارة الثقافة الموريتانية ليست على المستوى الذي يراد لها أن تكون عليه. وكذلك وسائل الإعلام الموريتانية لا تسلط الضوء على الشعراء والأدباء الموريتانيين على الرغم من أن العرب لم يعرفوا موريتانيا إلا من خلال الأدب".

من هنا يرى أدي ولد أدب أنه يقع على عاتق العرب مسؤولية اختراق حاجز المكان لاكتشاف الآفاق الموريتانية "البكر" كما وصفها. وإذا حدث ذلك فسيجدون "بلدا استثنائيا". ويضرب أدي ولد أدب المثال التالي: "عندما كانت الدول الإٍسلامية تعيش عصر ضعف ثقافي كانت موريتانيا في أوج ازدهارها الأدبي، كما أن البداوة الموريتانية في بساطتها لا ترمز إلى الجهل والرجعية بل تمثل الثقافة والحضارة. لهذا نجد أنماطا شعرية متعددة كسرت التابو الإجتماعي منها شعر الغزل".

بيئة شعرية

لقد استطاع الشعراء الموريتانيون في القرون الثلاثة الأخيرة إحياء شكل القصيدة العربية القديمة في بحورها الطويلة مبتعدين عن التجنيس والصناعة اللفظية، فكانوا سباقين إلى التجديد خصوصا أن بيئتهم الصحراوية البدوية جعلتهم أقرب إلى فضاء الشعر حسب أدي ولد أدب. ولكن على الرغم من ذلك، تأثر جزء من الأدب الموريتاني بالحالة السياسية وتردى بترديها، أما بعضه الآخر فانتعش رغم القلق السياسي والإجتماعي والإقتصادي كما يقول ولد أدب.

أنماط الشعراء

ويقسم الشعراء في موريتانيا إلى قسمين أساسين: القسم الأول ظهروا في مرحلة ما قبل الإٍستقلال الذي يمثل كل التراث الشعري الموريتاني، حيث يجول الشعراء بين الأطلال والصحراء والناقة والقبيلة ملتزمين بموضوع واحد في النص الشعري. أما شعراء مرحلة ما بعد الإٍستقلال، فقد حاولوا التعبير عن القضايا الإجتماعية والسياسية متأثرين بالشعارات القومية والإسلامية واليسارية. ومنذ السبعينات بدأت تظهر نصوص شعرية تحاول كسر حاجز العمود الشعري والبناء الخيالي الموسيقي، ثم اتجهت القصيدة الموريتانية إلى الشعر الحر. وفي الثمانينات والتسعينات ظهرت نزعات شعرية رمزية في القصيدة الكلاسيكية أكثر من الشعر الحر محاكاة لشعراء المشرق. من هنا يرى ولد أدب ضرورة التفاعل بين أنماط الأدب العربي، "لكسر الحدود السياسية المفروضة على الدول العربية، باعتبار أن الوجدان العربي واحد وإن اختلفت البيئات والإيديولوجيات والسياسات".