العدد الاربعون - آذار

لكل حذاء .. ملَفْ!

خيرات الزين
السبت 28 آذار (مارس) 2009.
 

مرّت عليّ صديقتاي في منزلي بالنبطية ودعتاني أكلة لحم مشوي في سوق اللحامين.

بعد دقائق كنا في السوق الشهير، حيث كانت تتدلى الخواريف بكافة أشكالها على مدّ البصر. هرع أبو حسن نحونا "وبما أن اللحم اختصاصه" وقبل السلام رمقني بنظرة شمولية وقال "يا ست... لقد ازداد وزنك، لا تطلبي مني أي نوع يحوي دهناً".

 

بدأ الجزار يتغزّل باللحم المعلّق بين يديه، هذه القطعة كالفستق وتلك كالراحة، قاطعته وقلت أريد قطعة لها نكهة اللحم.

فأجاب: "كما تريدين، فنحن اللحامين نذبح على الطلب ولا نذبح على الهوية".

ضحكنا على تعليقه وقلت له: "أنظر إلى صديقتي، إنها لا تأكل اللحوم أبداً ولكنها تستمتع برائحتها، وأحياناً تحبّ إطلاق النار عليها إذا عرفت انها إسرائيلية المنشأ، فإنها من بنات المقاومة".

نظر أبو حسن إليها بإعجاب وقال: "على ذكر المقاومة، هل تعرّفتم إلى جاري "الحكيم"". وأشار بيده إلى دكان قريب تفاجئك فيه اللافتة "مستشفى للأحذية".

وبدون إتفاق مباشر، كنا نحن الثلاثة على باب المستشفى. رحّب بنا الحكيم وبالطبع لم ينظر إلى وجوهنا. فقد كانت عيناه تتفحصان أحذيتنا بدقة الخبير، وسرعان ما علّق:

-  أرى أن أحذيتكن بأتم الصحة، فما هدف الزيارة؟

-  أعجبتنا التسمية لدكانك، لماذا سميّته مستشفى؟

-  لأن الشعب اللبناني كله مصاب بجروح. شبابنا مهاجر.. أطفالنا مرضى.. شيوخنا يائسون.. لبنان الآخر هو المستشفى الأكبر وأنا هنا مجرّد فرع صغير له واختصاصي معالجة الأحذية.

-  لكنك حكيم حقيقي. هناك "حكيم" آخر يحمل الرشاش بدل المبضع، ويداوي الجرحى بالموت باعتباره الشفاء الكبير من كل الأوجاع!!

ابتسم حكيم الأحذية وقال:

-  وظيفة حكماء السياسة إصلاح أحذية المحتّل، أما وظيفة حكماء الأحذية فهي تمكين الناس من السير على ترابهم وصخورهم. وفي النتيجة، كلنا سكّافون بعضنا للوطن وبعضنا ضد الوطن.

وقبل إكتمال الحوار، أطلّ "زبون" مستعجل يتصبب عرقاً وقال:

-  بربك حكيم أريد إصلاح حذائي قبل الغروب، فلديّ مشوار ضروري.

سأله الحكيم:

-  هل لديك ملف لحذائك هنا؟

-  ملف؟!

-  نعم ملف، فأنا لا أعالج مريضاً دون قراءة ملفه إلا عند الضرورة القصوى. أرى أن الشقوق والتصدعات تطال الحذاء من كل جوانبه. هل سجلّت أضرار هذا الحذاء في مجلس الجنوب؟

ارتبك "الزبون" وعاد يسأل: هل يدفعون هناك تعويضاً حتى عن الأحذية؟

قال الحكيم: لقد أوقفت الدولة ميزانية المجلس، ولذلك فإن الدراهم القليلة المتبقيّة أصبحت مخصصة لهذه الأغراض. حذاؤك "مصاب" والتعويض يشمله.

وعاد الزبون يلّح على الحكيم:

-  سأسعى إلى ذلك، ولكني الآن بحاجة إلى حذائي هذه الليلة.

حسم الحكيم الجدال:

-  سأدخله إلى الطوارئ وبعدها إلى العناية الفائقة، ولكن ذلك يكلّفك بضعة قروش اضافية، فهل أنت موافق؟

صاح الزبون:

-  نعم.. نعم.. خذ ما تريد أيها الحكيم، ولكن لا تنسى أن تفتح ملفاً لحذائي.. فلم يعد هناك شيء في هذا الوطن بلا ملف!