العدد الواحد والاربعون - نيسان

التغيير: ارادة وفعل

زهير فياض
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

لا تبنى الأوطان بالتمنيات، بل بالعمل والنضال الحثيث والعمل الدؤوب والكفاح المستدام. و لا تكون المحافظة على الأوطان الا بالتضحيات التي تقدمها الأمم والشعوب والمجتمعات.

هذه الحقيقة تفرض أن نتبصر في واقع حالنا اليوم، ونأخذ العبرة، ونتيقن أن المصير القومي والمجتمعي رهن ارادتنا وفعلنا وقدرتنا على التغيير. 

ان أمم العالم المتقدمة والقوية، ما كانت لتصل الى ما وصلت اليه لولا نضالات أبنائها وتضحياتهم وجهادهم وعملهم ومثابرتهم وكفاحهم، والأهم، لولا انتمائهم الوطني الصادق الذي لا لبس فيه، ولولا توكيد الوحدة المجتمعية وتعزيز مفاهيم الانتماء الحقيقي الى الأمة الى الوطن، الى المجتمع، الى الهوية الواحدة الجامعة، الى رابطة الدورة الاقتصادية الاجتماعية التي تحتضن كل المواطنين في سياقاتها الحياتية والمصيرية الواحدة.

ثمة امتحان لا بد من اجتيازه اذا اردنا فعلاً النهوض والعزة والرفعة وبناء الوطن - الوطن لا الوطن - المزرعة، ولا الوطن - المحمية، ولا الوطن - الشركة. وهذا الامتحان لا بد أن تخوضه القوى الحية والمتنورة على مساحة الأمة بأسرها، وهذا ما يفترض أن تخوض هذه القوى أعمق وأوسع وأشمل حركة نضال جدي بالحوار وبالكلمة وبالتواصل الحضاري والثقافي والانساني الراقي، وباعادة وصل جسور التراحم والأخاء الحقيقي بين كل أبناء الشعب على اختلاف تلاوينهم وانتماءاتهم الجزئية، وتغليب الانتماء الى المجتمع بكل أبعاده الثقافية والوطنية والقومية عبر اشاعة ثقافة التفاعل المادي - الروحي، أي ثقافة الشراكة في الحياة التي تؤسس للشراكة في الحاضر والمستقبل.

هذه المهمة ليست مستحيلة، وان كان تنفيذها يتطلب وقتاً، فلا بأس. اذ أن مسيرة بناء الوطن لا تحصل بين ليلة وضحاها، بل هي ثمرة جهد وعمل متواصل قد يستمر أجيالاً، المهم أن نبدأ، أن نخطو الخطوة الأولى، وأن نوجه البوصلة، أي أن نختار الوجهة الصحيحة في مشوار الألف ميل.

المهمة شاقة ولن تكون أبداً رحلةً سهلة، فعلى طريق التحقيق الفعلي لهذه الأهداف والغايات تكمن أشواك ومعوقات وعراقيل لا بد من الاصطدام بها، ومواجهتها، ولا بد من دفع الأثمان والتضحيات، وهذه مسألة طبيعية. فالقوى المتضررة من مسيرة بناء الوطن ليست بقليلة، وستحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تعيق المسيرة، وأن تحاول بث الشعور باليأس والقنوط في قلوبنا، ولكن الاصرار في الممانعة والرفض لواقع الحال، والاصرار على اكمال المسيرة سيؤدي الى تحقيق الأهداف والغايات المرجوة، وفي نهاية المطاف ستصل هذه المسيرة الى شاطئ الأمان، الأمان للناس وللشعب وللمجتمع وللأمة قاطبة.

فلننظر بعمق وروية الى أحداث السنوات الخمس العجاف الأخيرة، والتحديات التي واجهتنا من العراق الى لبنان الى سوريا الى فلسطين. انها تحديات هائلة وضغوط جبارة مورست على أحرار هذه الأمة، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ هل استسلمنا؟ هل خضعنا؟ هل تنازلنا؟

 ان الممانعة والمقاومة ومجابهة التحديات بالعمل والصبر، أدت الى الانتصار في تموز 2006 في لبنان، والى الصمود في غزة في ال 2009 والى افشال المخطط الأميركي - الصهيوني على المدى العربي كله.

 ولكن كل هذا غير كافٍ. المطلوب هو ربط حركة المقاومة والممانعة بأفق التغيير الديمقراطي لمجتمعاتنا لتقوية منعتها الداخلية وتعزيز صلابتها، والتأسيس لدول قوية تعنى بقضايا التنمية الاقتصادية وتحمل لواء العدالة الاجتماعية، العدالة في توزيع الثروات الوطنية والقومية، والمساواة في الحقوق والواجبات، لكي نحمي وحدة مجتمعنا ونجعله قوياً وقادراً على جبه كل التحديات.

المقاومة والعصرنة واطلاق مسيرة النهوض الاقتصادي الاجتماعي الثقافي التربوي العلمي هو أًسّ القضايا التي وجب أن نشتغل عليها بكل ما أوتنينا من قوة.

هذا هو" التحدي" الحقيقي في الأفق المنظور.