الدولة بين دور الرعاية الاجتماعية ومتطلبات الاصلاح في عصر العولمة

العدد 6 كانون الأول 2005 : زهير فياض *
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
يأتي الحديث في هذه الأيام عن الدولة و مفهوم الرعاية الاجتماعية لمواطنيها ودورها في صيانة الأمن الاجتماعي للمواطن ورفع مستوى حياته بمؤشراتها المختلفة، متزامناً مع الدعوات لضرورة احداث جملة من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتفعيل مشاريع الخصخصة بمستوياتها المختلفة، وتكمن الصعوبة في هذا الربط بين ضرورة الحفاظ على دور الدولة الأساسي في حماية المجتمع والحفاظ على المكتسبات التي حققها المواطن مع تطور مفهوم الدولة منذ عقود من دولة الأمن الى دولة الأمن معطوفاً عليها دورٌ متقدم يتمثل في تحقيق التنمية الشاملة للموارد البشرية والطبيعية وتعميق مفهوم الدولة الحاضنة للانسان المهتمة بقضايا حياته الانسانية والاجتماعية المختلفة أي "أنسنة الدولة" وبين دعوات الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي تعتمد في بعض الأحيان آليات تتعارض مع "المفهوم الرعائي" للدولة التي ناضل الانسان من أجلها طويلاً في كافة أنحاء المعمورة.

لذلك يتخذ النقاش اليوم أبعاداً على مستوى عالٍ من الأهمية حول مواضيع رئيسية يكون لها انعكاس وتأثير مباشر على حياة المواطن وعلاقته بالدولة وآفاق تطورهذه العلاقة لاحقاً، وهذه المواضيع تتركز اليوم وبشكل أساسي حول الخصخصة والتكييف الهيكلي في ظل العولمة وتحرير التجارة الدولية، والاصلاح الاقتصادي ومعايير العمل الدولية، ودور الحركة النقابية في مواجهة آفاق التكييف الهيكلي السلبي، والحركة النقابية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية.

ومن المفترض أن يأخذ النقاش حول هذه الموضوعات طابعاً علمياً وعقلانياً رصيناًوهادئاً بالنظر الى خطورة انعكاساته على شرائح واسعة من المجتمع ستتأثر بشكل أوبأخر، سلباً أو ايجاباً بالقرارات التي ستتخذها دوائر القرار العليا في السلطة على ضوء المحصلة النهائية لنتائج هذا الحوار.

ويبدو مفيداً اشراك ذوي الخبرة والمعرفة، من خبراء في الاقتصاد الى باحثين في مسائل التجارة الدولية، الى خبراء منظمة العمل الدولية، الى رجال قانون ونقابيين فاعلين في الحركة النقابية المحلية والعالمية.

والأولوية هي بالطبع للقضايا الاقتصادية وسبل معالجتها وكيفية تفعيل النمو الاقتصادي ومنع تراجعه الى الوراء، عن طريق وضع استراتيجيات اقتصادية واضحة،ووضع تصورات واقعية لحلول تعالج بالعمق مشاكل الجمود والركود في الدورات الاقتصادية الانتاجية وخلق الحوافز لتفعيل وتحفيز الاستثمارات واخراج المسائل الاقتصادية من دائرة النقاش السياسي الضيق وتجاذبات الصراعات الداخلية التي عادةً ما تؤثر سلباً وتؤدي الى تراجع النمو الاقتصادي الى الوراء. وما يبعث على القلق اليوم أن الاتجاه العام لمسار الاصلاح المفترض يتجه لتحميل فئات محدودة الدخل مسؤولية كل ما يتعلق بالاصلاح الاقتصادي وتضع على هذه الفئات العاملة التزامات تحمل نفقات اعادة اصلاح الاقتصاد، في وقت يتطلب من الحكومات أن تضع بعين الاعتبار مسألة الرعاية الاجتماعية وعدم انتهاج سياسة جشعة.

وتبدو في خضم هذا الواقع حاجة ملحة لدور أكبر للنقابات لتدافع عن حقوق العاملين اذ أن المرحلة المقبلة هي مرحلة تحديات كبيرة لمختلف أطراف الانتاج.

ان الحديث عن العولمة اليوم وابعادها وما تحمله وتفرضه من مسارات وخيارات وسياسات واستراتيجيات وتصحيحات ليس بجديد لا على الساحة الدولية ولا الاقليمية بل انها عملية بدأت تدريجياً منذ أن شهدت بعض الأسواق اكتشافات عملية وفنية وتكنولوجية ساعدت على تطوير النظم الاقتصادية القائمة وسهلت نقل السلع واليد العاملة عبر حدودها، وهذا ما تشهده الدول العربية منذ عقود، واذا كان ثمة قرار لتعزيز تجارة حرة بين الدول، فهذا يجب أن لا يكون على حساب شعوب هذا العالم.

وان أي تفكير اصلاحي جدي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الناس والأفراد وأن لا يتم تهميشهم تحت أي عنوان، وأن لا يكون التعاطي مع تنمية الاقتصاد وتحقيق التبادل التجاري الواسع على حساب النهضة الاجتماعية.

ان العدالة الاجتماعية والديمقراطية وتحسين ظروف العمل والتنمية البشرية هي ما يفترض أن تهدف للوصول اليه كل برامج الاصلاح والتغيير، وتلعب - في هذا المجال - منظمة العمل الدولية دوراً بنَاءً من خلال برامج التعاون الفني التي تقدمها للدول الأعضاء وذلك لمساعدتهم على وضع السياسات المحفزة وتنفيذ البرامج التي تهدف الى تنشيط الحركة الاقتصادية وتعزيز التنمية الاجتماعية وخلق مجالات عمل جديدة، وترشيد مشاريع الخصخصة على مستوى الدول والحكومات.

والتجربة دلت على أن الشروع في عمليات الخصخصة عشوائياً من دون أن تواكبها سياسات اقتصادية مالية حكيمة وبرامج تنموية وتربوية شاملة وقوانين وأنظمة محفزة للاستثمار تؤدي الى خلل في ميزان العدالة الاجتماعية ويؤدي الى تهميش قطاعات واسعة من الناس ما يؤدي بطبيعة الحال الى استشراء الأزمات الاجتماعية التي تهدد سلامة المجتمع ككل.

ويبرز في هذا السياق دور أساسي لمنظمات أصحاب العمل والمنظمات العمالية التي تساهم في الاستثمار والتنمية البشرية ما يعني تعزيز المبادرة الفردية وتحفيز الشباب للاتجاه نحو متطلبات السوق وتنمية المهارات الفنية للعمال عن طريق برامج التدريب المهني. وكذلك يبرز دور أخر للنقابات العمالية في الحفاظ على المعايير الدولية الخاصة بحقوق العامل وتعزيز الحريات النقابية ان كانت عمالية أو قطاعية أو مهن حرة أو ممثلة لمؤسسات القطاع الخاص.

وتنحصر النقاط الأساسية التي ينبغي التركيز عليها بخمسة هي:

التأكيد على أن الاصلاح الاقتصادي لن يتحقق اذا ما أهمل البعد الاجتماعي ولذلك يجب أن يصار الى تفعيل الاقتصاد الوطني وتطوير أطر التعاون الاقتصادي على المستوى العربي للدخول بقوة الى التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة أو لامتلاك القوة على مجاراتها في عالم الاقتصاد من خلال سياسات تحمي كل أطراف العملية الاقتصادية.

التأكيد على أهمية منح الاتحادات العمالية العربية دوراً بارزاً في رسم السياسات الاقتصادية والتنموية في العالم العربي.

التأكيد على ضرورة قيام سوق عربية لرأس المال وحركته في العالم العربي ووضع اطار قانوني وتشريعات جديدة تتلاءم مع المتغيرات العالمية وذلك لحماية المستثمرين وحرية انتقال عناصر الانتاج من مال وعمال وكذلك حرية انتقال الأفكار والمعلومات والتقنيات والمؤسسات.

التشديد على تفعيل السوق العربية المشتركة ووضع تصور مستقبلي لتحقيق التنمية الشاملة.

التشديد على الحريات النقابية وضرورة اشراكها في صياغة برامج الاصلاح الموعود بما يحفظ حقوق الشرائح الأضعف في المجتمع

* باحث دكتوراه في العلوم الاقتصادية.