العدد الواحد والاربعون - نيسان

أوباما والتغيير

الياس سالم
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

منذ ان بدأ حملته الانتخابية نحو رئاسة البلاد ـوضع باراك اوباما " التغيير" شعارا لحملته فكنا نرى هذه الكلمة على كل المنابر التي اعتلاها خلال الحملة. وصل أوباما الى سدة الرئاسة و بتنا نسأل هل وصل معه شعار التغيير؟ والسؤال الأهم، هل هناك من مجال للتغيير في سياسات الدولة العظمى الوحيدة التي تخوض جيوشها حروبا في العراق وافغانستان، وحربا ضد الارهاب في جميع انحاء العالم، وتعاني من أزمة مالية هي الأشد خطرا منذ الانهيار الكبير الذي حصل في ثلاثينات القرن الماضي، والتي امتدت تأثيراتها الى الدول الحليفة والى الصين وروسيا. 

من المسلم به ان التغيير لا يكون فقط في الخطاب السياسي وفي الوعود، بل هو

يشمل السياسات التي تبدأ بمؤشرات في قرارات ومواقف معينة. وقد جرت العادة في الولايات المتحدة عند استلام اي رئيس جديد سدة المسؤولية، ان ينتظر الجمهور التغييرات التي يجريها في الادارة وخصوصا في فريق العمل الذي يرافقه ويبقى حوله في البيت الابيض والوزارات الحساسة التي تعنى بالامن والدفاع ولاقتصاد والسياسة الخارجية. 

في الولايات المتحدة، المواقع الأساسية لتخطيط وتنفيذ السياسات هي وزارة الخارجية و وزارة الدفاع ومستشار الرئيس لشؤون الامن القومي.

اختار اوباما منافسته على كسب ترشيح الحزب الديموقراطي السناتور هيلاري كلنتون وهي في الأصل عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك، وزيرة للخارجية مع مراكز النفوذ المالية والاقتصادية، مع ما يعني ذلك من ارتباطات لها في عاصمة المال والأعمال في الولايات المتحدة. وهي أيضا زوجة الرئيس الأسبق بيل كلنتون، وهو من ابرز رجال الحزب الديموقراطي وهو العظيم وراء امرأته. تمثل هيلاري القوى التقليدية داخل الحزب الديموقراطي وهي القوى التي تدرك تماما المصالح الحية للاستابلشمنت الأميركي، والتي كان اوباما بحاجة ماسة اليها كي يتمكن من الامساك بادارة الدولة. لقد جاءت هيلاري من خارج التغيير الموعود. كيف لا وهي التي كانت تنافس صاحب هذا الشعار اثناء حملتها الانتخابية؟

يدرك اصحاب المصالح الذين تمثلهم هيلاري، خطورة السياسة الخارجية وخطورة ان يأتي الرئيس الجديد بوزيرللخارجية يعمل تحت شعار التغيير، فيجري انعطافة دراماتيكية قد تودي بالمصالح الاميركية في الخارج وفقا لمفهوم المصالح الذي يعنيهم، وليس كما يظن الرئيس القادم الى البيت الابيض. مع هيلاري شهدنا تغييرا طفيفا في اللهجة الاميركية تجاه ملفات النزاع، فبات هناك حديث عن استعداد للحوار من دون أي سعي عملي لاجراء هذا الحوار الموعود وخصوصا مع ايران. وبخلاف ذلك لم نسمع من كلنتون أي خطاب تسووي او تصالحي، وبقيت اتهامات الارهاب على حالها لا يجرؤ احد على مسها أو اعادة النظر بها، كون ذلك هو المفتاح الحقيقي للحوار في الشرق الاوسط وايران ضمنا. اما في الموقع الهام الاخر، وهو وزارة الدفاع فقد أبقى أوباما على الوزير غايتس في منصبه بذريعة الحروب التي تخوضها القوات المسلحة الاميركية في العراق وافغانستان وهذا يعني استمرارا للسياسة الدفاعية المعتمدة في عهد بوش، مع ادخال تجميلات عليها مستمدة من تقرير بيكر هاميلتون. وقد كان غيتس في عداد الفريق الذي ساعد الجمهوري جايمس بيكر في اعداد ه وصياغته. هذا التقرير يمثل السياسة الوطنية الاميركية ويعبر عن مصالح القوى النافذة في البلاد بغض النظر عن انتمائهاالحزبي. وهكذا، سقط شعار التغيير شكلا ومضمونا لدى أوباما الذي اختار الاستمرار في السياسة الدفاعية باعتماد الشخص نفسه الذي كان يقودها. أما المواقع العسكرية، أي رئاسة الاركان المشتركة والقيادات الجغرافية فقد التزم اوباما تقليدا درجت عليه الادارات المتعاقبة وذلك بعدم المس بالعسكريين والاستماع الى ارائهم والطلب منهم تنفيذ القرارات السياسية الدفاعية. 

أما الموقع الاخر، فهو مستشار الامن القومي وهو الجنرال جيمس جونز الذي نقلت الانباء انه كان سيعين في هذا المنصب كائنا من كان الفائز في الانتخابات . هذا المستشار هو لصيق الرئيس في البيت الابيض، والاقرب الى القرار، ولم يحمل أي جديد، بل لم يحمل أي اشارة تغيير من تلك التي كان يرددها اوباما في حملته الانتخابية، ولم يدر احد لماذا الاصرار عليه. 

اما اوباما نفسه، فقد أكثر من طلاته الاعلامية ومن خطاباته وقراراته في جهد واضح لبناء صورة الرئيس القادر والفاعل والقابض على السلطة. وجاءت الأزمة الاقتصادية المالية لتطغى على باقي الأزمات وخصوصا حرب العراق وحرب أفغانستان.الا ان مقاربة أوباما للعلاقة مع ايران والنزاع العربي - الاسرائيلي، فما زالت تقليدية موروثة عن العهد السابق الذي وضع ضوابط قانونية بوسم كل المعارضين الجديين بالارهاب، ومنع الاتصال بهم ومصادرة اموالهم وكل من يتصل بهم او تربطه بهم علاقة ما.لم يستطع اوباما تجاوز هذا المانع القانوني ولا يبدو ان هناك افاق قريبة بازالة هذا المانع، ولو على الطريقة البريطانية اي بمحاورة الجناح السياسي!

على الرغم من تخفيف اللهجة وتنعيمها مع ايران، فان الحديث عن دعم الارهاب ما زال يرد على لسان اوباما. واتهام ايران بذلك يفشل أي تقارب موعود يسهم حتما في اجراء تسويات في العراق وافغانستان، تتيح لاوباما سحب قواته بطريقة مشرفة من هذين البلدين وتحقيق وعوده الانتخابية. 

لم يغير اوباما في الادارة، ويبدو انه يركن الى تقرير بيكر هاملتون الذي يبدو انه ما زال ساري المفعول، بالاضافة الى استحضاره المخضرم جورج ميتشل وتعييينه مبعوثا رئاسيا الى الشرق الاوسط لاذكاء جذوة المفاوضات وابقائها  والمحافظة عليها ريثما تنضج الظروف الملائمة للتسوية الدائمة. الا ان اوباما الذي استشعر خطر الوضع الداهم في باكستان وافغانستان، خص ذلك الوضع بتعيين ريتشارد هولبروك مبعوثا رئاسيا للعمل على تسوية الاوضاع في تلك المنطقة ومواجهة خطر طالبان المتصاعد. لكن اوباما فشل حتى اليوم في اتخاذ أي اجراء من أجل اطلاق الحوار مع ايران، واستثناها من تعيين مبعوث رئاسي رغم اهمية الخلافات وخطورتها واتصالها بالمصلحة الاميركية في تسوية الاوضاع في العراق وافغانستان وسحب القوات المسلحة الاميركية منهما، مكتفيا بقرار وزيرة الخارجية بتعيين دينيس روس مستشارا لشؤون ايران.   

ما تزال اللهجة الناعمة ووعود الحوار والتسويات تطبع سياسة اوباما، وهي لا شك مختلفة تماما عن لغة الاملاءات والتهديدات والاحكام المسبقة والاتهامات التي طبعت خطاب بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، اللذين عسكرا السياسة الخارجية الأميركية وأثارا الكراهية للولايات المتحدة في كل مكان من العالم.

 

فهل يبقى "التغيير" عند أوباما في الخطاب فقط؟ أم يتجاوزه الى الواقع العملي؟