العدد الواحد والاربعون - نيسان

فولكلور الانتخابات وغياب الديموقراطية

منصور عازار
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

برز مفهوم الديموقراطية مع الكنعانيين ثم تطور للمرة الأولى عند الاغريق وتحديدا في مدينة أثينا، التي كانت الرائدة في منح مواطنيها الراشدين والأحرار حق التعبير الحر عن آرائهم واختيار ممثليهم إلى الحكم، وان استثنت منهم المرأة والعبيد.

ثم أخذ مفهوم الديموقراطية ينتشر بين الدول حتى بات يعم معظم بقاع الأرض، وان بدرجات وأشكال مختلفة. وتعتبر الانتخابات المظهر الأبرز للديموقراطية التمثيلية ومشاركة الفرد في الحكم.

وقد أخذ هذا المفهوم يحتل موقع الصدارة عند الباحثين والمفكرين باعتبار أن الديمقراطية هي مجموعة من الاجراءات والمؤسسات التي يستطيع الافراد من خلالها المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرة. وعلى الرغم من اعتزاز وافتخار بعض الدول لا سيما في العالم الثالث بديموقراطيتها باعتبار أنها منحت مواطنيها حق الاقتراع، فليست كل انتخابات "حرة نزيهة" كما يحلو للسياسيين وصفها والتغني بها، وليست كل عملية اقتراع ديموقراطية وحرة. فالحرية والديموقراطية لا تعني غياب القمع عن الناخب فقط، بل تعني تحرره من الجهل والتخلف والفقر والعبودية، وادراكه ادراكا حقا، حقوقه وواجباته كاملة، وتوجهه إلى صندوق الاقتراع ليدلي بصوته متخلصا من كل الرواسب القبلية والعصبيات الطائفية والمذهبية  والعائلية والمناطقية، ومتحررا من قيود المال الهدام والاعلام المبهرج والمزور.

تدور مضامين الانتخابات الديمقراطية حول معيارين رئيسين ، الأول ” هو حرية الانتخابات “ اي ضرورة احترام حريات الأفراد وحقوقهم الرئيسة حتى يعبروا عن ارائهم وتطلعاتهم، والثاني هو” نزاهة “ عملية ادارة الانتخابات. فهل ينطبق تعبير "انتخابات حرة نزيهة" على واقع العملية الانتخابية في لبنان؟

للاجابة، لا بد من الوقوف على متطلبات اجراء الانتخابات الديمقراطية من جهة، ومعاييرها من جهة أخرى وذلك على النحو التالي:

اولاً: متطلبات الانتخابات الديمقراطية، وتتمثل في الاطار الدستوري للنظام الديمقراطي.

ثانيا:معيار فعالية الانتخابات الديمقراطية، ويعني ان للانتخابات مقاصد ووظائف ويترتب عليها مجموعة من النتائج الفعلية في نظام الحكم وليست هدفاً بحد ذاتها.

ثالثا: معيار حرية الانتخابات الديمقراطية، ويتمثل في كون الانتخابات تجري في ظل قاعدة حكم القانون، وتتسم بالتنافسية وتحترم الحقوق والحريات الرئيسة للمواطنين.

رابعاً: معيار النزاهة ويعني ان الانتخابات تتم بشكل دوري ومنتظم وتتسم عملية ادارتها والاشراف عليها واعلان نتائجها بالحياد السياسي والعدالة والشفافية.

 

فهل تتحقق هذه الشروط والمعايير في لبنان؟

للأسف، لا.

 

أولاً: في ما يخص الاطار الدستوري للانتخابات، ما زال القانون الانتخابي ناقصا ومتخلفا لأنه بالدرجة الأولى يعتمد التقسيمات الطائفية والمذهبية، ويحرم المغتربين اللبنانيين حق الاقتراع. وبالتالي هو يخرق أهم المبادئ الديموقراطية وهو المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وعدم التمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو اللغة أو المكانة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. كما أنه يتجاهل مبدأ هاما آخرا هو حماية حريات وحقوق الفئات الضعيفة في المجتمع.

 

ثانياً: في ما يخص معيار فعالية الانتخابات، ما زالت النظرة السائدة إلى الكرسي النيابي على أنه غاية الغايات ومعقد الآمال والهدف الأول، وليس على أنه وسيلة لخدمة الناس وتحقيق طموحاتهم وتحسين ظروف عيشهم وخدمة الوطن. وبالتالي، لا تزال المشاريع الاقطاعية والفردية والمصلحة الشخصية هي المسيطرة بدلا من الديموقراطية التعبيرية الحقة.

ثالثاً: في ما يخص معيار حرية الانتخابات، ما زالت الحملات الانتخابية تهتك القانون ولا تقيم له وزنا. ولعل مشهد المال الانتخابي المتدفق، والاعلان الانتخابي الفوضوي وغير المدروس وغير المنظم، والاعلام المضلل الذي سخر كل قدراته من صورة وصوت وكلمة لأصحاب المال والأعمال، هو خير دليل على ما نقول.

رابعاً: في ما يخص نزاهة الانتخابات، لعل هذه النقطة أكثر ايجابية مما سبقها، على الرغم من أن لبنان ما زال يستجدي لجان المراقبة الدولية والأوروبية لمراقبة العملية الانتخابية، كونه باعتراف نفسه، لم يبلغ سن الرشد الديموقراطي بعد حتى يراقب نفسه بنفسه.

 

في الواقع، جوهر الانتخابات الديمقراطية هو في كونها الطريقة المثلى لاختيار الحكام بتفويض شعبي من خلال انتقال السلطة الى المرشحين الفائزين في عملية الاقتراع، وذلك فيما يتصل برئاسة السلطة التنفيذية أو أعضاء المجلس النيابي.

 وهنا نسأل: عندما يقترع الناخب اللبناني، هل يكون اقتراعه حرا؟ الجواب للأسف هو لا. لأنه يكون أسير العصبيات المذهبية والمناطقية والعائلية والطائفية حتى داخل الأحزاب العلمانية والعريقة، وأسير الجهل السياسي والفقر، وضحية المهرجانات الاعلامية المضللة. وفي كثير من الأحيان، يكون عبدا للمال الانتخابي الذي يغدق لشراء صوته وضميره. وكذلك المرشح أو النائب، هو ليس حرا وليس قادرا على تحقيق المطلوب منه. فالفكرة السائدة عن النيابة في لبنان، هي أنها أشبه بجمعية خيرية تقدم الخدمات وتقوم بالواجبات الاجتماعية للحفاظ على أصوات الناخبين حتى الدورة المقبلة. فيما جوهر النيابة هو أنها مسؤولية كبيرة، وتعبير عن مصالح الناس وتطلعاتهم، وهي تحتاج إلى دراية وثقافة وبرنامج واضح ومدروس، لا مجموعة شعارات وهتافات تحرض وتجيش الناس. اذا، في لبنان، هناك دائما تواطؤ خفي بين الناخب والمرشح على قاعدة: تنتخبني فأخدمك. وبذلك، تتحول الانتخابات من مناسبة للتغيير الديموقراطي، إلى مناسبة للتكاذب الاجتماعي واستمرار الطبقة الحاكمة بفكرها الاقطاعي.

 كما أن أهمية عملية الانتخابات الديمقراطية ، هي في كونها السبيل الأمثل لتسوية الصراعات السياسية بطرق سلمية، بتوفيرها آلية تداول سلمي للسلطة وتغيير مركز النفوذ، وامكانية تقلدها من قبل قوى المعارضة في حال فوزها في الانتخابات، بالإضافة الى توفيرها الشرعية السياسية أو تجديدها. فالانتخابات تقوم بوظيفة توفير شرعية شعبية للحكومة المنتخبة أو تجديد شرعية الحكومة القائمة من اجل التعبير عن تطلعات الشعب ومصالحه الوطنية.

فأين نحن في لبنان من هذا الجوهر؟ في لبنان، لا تنتج الانتخابات حلولا، بل مزيدا من الصراعات. لأن نية الطبقة الحاكمة لا تكون الاصلاح، بل اما المطامع الشخصية والمصلحة الذاتية، واما تنفيذ أجندات خارجية ومشاريع كبرى هي في أحسن الأحوال، معاكسة لمصلحة الوطن والمواطن. وبالتالي، لا يكون الاتفاق بين القوى السياسية - ان حصل - الا على حساب المواطن. وكذلك في حال عدم الاتفاق لأسباب معينة عادة ما تكون الخلاف على تقاسم الحصص والمغانم، فان المواطن هو من يدفع الثمن، من أمنه واستقراره ومعيشته ومستقبل أولاده. اذا، سواء بقي من في السلطة في السلطة، أم وصل غيره إليها، الأمر سيان. لأن المنطق السائد عند الطبقة الحاكمة هو منطق الاستغلال والمصلحة الشخصية، وعلى هذه القاعدة يكون الخلاف والاتفاق، وليس لمصلحة المواطن مكان في هذه المعادلة.

الاقتراع وحده ليس ديموقراطية، والهتاف والتظاهرات وحدها ليست ديموقراطية. الديموقراطية جوهر أرقى من المظهر والشكل. ولا بد من بناء الدولة الديموقراطية والانسان الجديد قبل الوصول إلى الانتخابات. بهذا المعنى، يؤكد المفكر روبرت وال ان الانتخابات الحرة والنزيهة هي” ذروة الديمقراطية وليست بدايتها “.

حتى في الغرب بدا المفكرون الليبراليون يكتشفون صورية الديمقراطية التمثيلية وزيف الانتخابات لذلك بعضهم يطرح مفهوما جديدا للديمقراطية التشاركية والتي سبق ان اطلقها انطون سعاده بدعوته الى اعتماد الديمقراطية التعبيرية وهو القائل : "ان اساليب التمثيل غير صالحة لأنها تجعل التمثيل للطوائف بدلاً من الاحزاب، و للأشخاص بدلاً من البرامج الانتخابية".

 

 

 فالانتخابات لا تسبق الديمقراطية، وهي لا تنتج لا الديمقراطية ولا الحريات والحقوق. ومسؤولية بناء مجتمع ديموقراطي تقع على عاتق كل مكونات هذا المجتمع: الطبقة السياسية، والمؤسسات التربوية، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب النهضوية، والمؤسسات الاعلامية، والجسم القضائي ، وبالطبع ، الناخب نفسه.

لذلك، في لبنان هناك انتخابات نعم، لكن بالتأكيد، ليست هناك ديموقراطية.