العدد الواحد والاربعون - نيسان

الاحزاب اللبنانية :أزمة فكر أم تنظيم

عضو قيادة "البعث" في لبنان ابراهيم الدوي ل"تحولات":
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

الحزب يجدد شبابه برؤية سياسية - اقتصادية متكاملة

 

"الأحزب اللبنانية: أزمة فكر أم تنظيم"، ملف تتناوله مجلة "تحولات" على مدى عدة حلقات في محاولة لفهم الواقع الحزبي المأزوم في لبنان. في هذا العدد، نتحدث عن واقع "حزب البعث العربي الاشتراكي" ورؤيته المستقبلية.

 

عامر ملاعب

"حزب البعث العربي الاشتراكي"، حزب عريق له تاريخ طويل من النضال والثورة والفكر القومي الغني. لكن منذ أزمة 2005 التي عصفت بلبنان اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حاول البعض تهميش الحزب وتصويره بصورة أخرى مغايرة لواقعه وتاريخه. فهل انتهى مفهوم القوميات في العالم؟ الا تستطيع احزاب المفاهيم القومية من العيش والتأقلم مع الانقسام والتفتيت في اقطار هي جزء من أمة؟ ولبنان هو أحد هذه الاجزاء المصغرة؟ هذه التساؤلات والمفاهيم، التي اثارت جدالات واسعة وعميقة على مدى العقود الماضية، تستدعي اجابة قومية "بعثية" من أحد كوادر هذه الاحزاب العريقة، الاستاذ ابراهيم عيسى الدوي.

يجلس الدوي في مكتبه في مركز الحزب متحضراً للمقابلة الصحفية والاجابة بكل هدوء على كل استفزاز، متحصناً ومتفاخراً بورقة هي الرخصة الرسمية للحزب منذ 1970 وتحمل توقيعه كممثل رسمي لهذا التنظيم، ويعود بالذاكرة الى "ايام المؤسسين وابرزهم على الاطلاق تلميذ جامعات دمشق آنذاك علي جابر وعودته الى لبنان في العام 1950 حاملاً رؤية بعثية كان ينظر لها رهط من المفكرين وعلى رأسهم ميشال عفلق وآخرين، وكانت يومها شعارات الوحدة ومقاومة الاستعمار والتحرر الوطني ونشوء الكيان الصهيوني الغاصب على ارض فلسطين، وما تلا ذلك من خيبات وفشل خاصة بعد الانفصال بين سوريا ومصر في العام 1961، وما تركه من انعكاس سلبي على وضع الحزب في قطري سوريا والعراق وبالتالي على وحدة الحزب في كل اقطار العرب، ومن ضمنها واقع الحزب في لبنان".

يضيف الدوي "بدايات الحزب كانت نخبوية، رغم انه حزب الفلاحين والعمال توسع بين الطلاب وخاصة طلاب الاميركية ، لكنه حاول فيما بعد التوسع والتحول الى تيار جماهيري بقيادة منتظمة، وقد عقد أول مؤتمر له سنة 1956. وتركز عمله أكثر فأكثر بعد الانفصال، واعتمد على الجماهير، واستطاع الحزب ان يحكم دولتين عربيتين هما سورية والعراق، ولكن بقيادتين قوميتين مختلفتين بعدما انقسم الحزب على نفسه في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي وتمخض بعد سلسلة من الانشقاقات والانقلابات في بغداد ودمشق إلى قيادتين قوميتين في العراق بعد انقلاب تموز 1968، والثانية ومقرها دمشق تولى قيادتها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد منذ العام 1970 بعد الحركة التصحيحية".

ويكل الدوي: "مرحلة السبعينيات كانت عهد امساك الحزب بالنظام في سوريا ووتثبيت اقدامه ومفاهيمه، وكانت ايضاً مرحلة دخول سوريا الى لبنان نتيجة لعدة عوامل اهمها ان الثورة الفلسطينية، المتواجدة على ارض لبنان، غرقت في صراع دموي مع الانعزال اللبناني وكانت منزلقا خطيراً ينفذ ضمن المشروع الاميركي كي يكون لبنان الوطن البديل لتوطين الفلسطينيين فيه، يومها الحزب كان الى جانب الحركة الوطنية لكنه ما لبث أن دخل في خلاف مع قيادتها في كيفية المواجهة، لكن ذلك كان مختلفاً بعد الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 و ساندت قوى الحزب، التي كان قوامها حوالي 3,000 عنصر، ومناطق نفوذها الاقوى في البقاع، القوى الوطنية في صراعها مع الانعزال اللبناني، وتأسس الجناح العسكري للحزب عام 1979 وشاركنا بفعالية بمختلف المعارك وخاصةً العمل الفدائي انطلاقا من تلة السلطان يعقوب ومعارك الاستنزاف وغيرها الكثير، وكان الهدف الدائم الحفاظ على هوية لبنان ودوره".

ويقول الدوي: "اليوم نتحدث بعقل بارد، ويمكننا القول ان الدخول السوري الى لبنان، ايجابياته المتعددة، قد اثر سلبا على واقع وعمل الحزب التنظيمي، وهذا بدا لنا جلياً بعد انتهاء الحرب في العام 1990، ورغم اننا استطعنا ايصال مجموعة من النواب والوزراء من رفاقنا الى سدة المسؤولية لاول مرة، ما ساعد الحزب بتوسيع قاعدته عبر الخدمات، على الطريقة اللبنانية في ادارة السياسة التقليدية. وكان لنا مقعدين سنة 1992، 4 مقاعد سنة 1996، 3 مقاعد سنة 2000، ومقعد واحد سنة 2005. بعد العام 2005 بدأت مرحلة دقيقة جداً، حين اشتدت الحملة على المنطقة والاحتلال الاميركي للعراق وافغانستان، ومن ضمنها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتحويل لبنان الى قطعة مرتبطة بالمشروع الاميركي، واستعمال لبنان كمنصة للمؤامرة على لبنان وسوريا.

ويتابع الدوي: "عملنا لاكثر من عام، بعد الـ 2005، على تعديل مفهوم القيادة في تحمل المواجهة ودور البعثيين التاريخي وتم التفاهم مع فروع المناطق وبلورنا وضع تنظيمي جديد ونقلت الى القيادة القومية وتم تشكيل قيادة جديدة نشطة ومتحمسة منذ العام 2006 على رأسها د.فايز شكر وحددت المفاهيم التالية : تحديد رؤية الحزب واستنهاضه، والتصدي لكل محاولات تغيير حقيقة لبنان، والعمل مع كل القوى المعارضة وحشد اوسع تحالف لمنع المشاريع الغربية عن البلد، وبالتالي نحن جزء من كل حركة المعارضة والانتقال من حالة الغيبوبة والموت السريري الى الحراك، وبصراحة نحن بعد الخروج السوري من لبنان ازداد الانتساب الى الحزب وكان الاحتفال الاخير للحزب في شهر ايار الماضي 2008، انتسب فيه الى الحزب حوالي ألف مواطن جديد من جيل الشباب.

من هنا، بحسب الدوي، يجدد الحزب شبابه في هذه المرحلة ساعياً الى التعبير عن طموحات الناس ويحاول طرح رؤية شاملة في المستقبل. ويقول "هناك مبادئ تحكم حركتنا وهي الحفاظ على هوية البلد، وارتباط لبنان بالمحيط العربي وخاصة سوريا، وتعزيز دور لبنان المؤثر في المنطقة، ونسعى لترسيخ ما جاء بعد اتفاق الدوحة والتهدئة على كل المستويات، ولا نخفي ان الحزب حثيث السعي لانجاز اكثرية نيابية تمثل رأي المعارضة".

ويختم الدوي بالقول ان "سعينا الى تطبيق ما نراه مناسباً بالوسائل السلمية والديمقراطية، ورأي الحزب من خلال تطبيق رؤية اجتماعية اشتراكية تأخذ بعين الاعتبار حاجات الناس وتلبي طموحاتهم في العدالة، ونحن نناقض بالمفهوم هذا الرأسمالية المتوحشة التي قضت على كل اسس الانتاج الحقيقي من زراعة وصناعة، وما يزيد الاغنياء غنى والفقراء فقراً، ومواجهة السياسة التي ادت الى تفاقم الديون وازمات مالية مستعصية، وهذا امر مدمر لمستقبل لبنان. والحل يكمن في ايجاد الوسائل الكفيلة بتأمين فرص عمل للشباب وتعليم دور الدولة الرعائي وسلطة جديدة تنشأ من خلال الطبقات الشعبية لمواجهة البطالة والغلاء والفلتان رقابي السائد في لبنان، وكذلك عبر طرح رؤية اقتصادية جدية تعمل على الاستفادة من موقع ودور لبنان في المنطقة العربية المحيطة، كخطوة تمهيدية لتعزيز الوحدة العربية، وهذا النموذج الاوروبي ماثل امامنا، وربما نحتاج الى تغيير الانظمة العربية الرثة، ولكن بالحد الادنى فليكن التضامن العربي كخطوة اولى وتخطي كل ما يفرق ويقوي شوكة اعدائنا من الغرب وربيبته اسرائيل".