العدد الواحد والاربعون - نيسان

إنعام رعد ... المقاوم الشامخ في فكره وعمله

د. جورج جبور
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لغياب إنعام رعد أقامت "مؤسسة انعام رعد الفكرية" ندوة حول فكر انعام رعد المقاوم. شارك فيها د.عصام نعمان ،د.غالب نور الدين ،د.جورج جبور .قدم الندوة د. محمود شريح والقت كلمة المؤسسة ليلى انعام رعد . في العدد السابق نشرنا كلمة الدكتور عصام نعمان، وفي هذا العدد ننشر كلمة الدكتور جورج جبور .

 

 

 

أتقدّم، قبل أي قول آخر، بالتحية إلى السيدة ليلى إنعام رعد، رفيقة دربه، ومؤسسة مؤسسته الفكرية. كان لدمشق، العاصمة القومية العريقة ، حظها في أن اقام فيها لسنوات عديدة ألأستاذ إنعام والسيدة ليلى. كثيراً ما اجتمعت بهما معاً، بل كثيراً ما اجتمعنا بهما معاً، زوجتي وأنا، فبدا لنا واضحاً أنهما واحدٌ في الفكر والنضال. كانا كذلك ويستمرّان. وهذه المؤسسة شاهد. قيامها حدثٌ فكريّ وسياسي هام، وهو أيضاً إعلان حب ووفاء تهديه ليلاه لإنعامها.

 

منذ سنوات طويلة لم يتصل بي أحد من رفاق إنعام ليحدثني عنه. فلما أتاني صوتها ينبئ عما تعتزم القيام به، غمرتني مشاعر فياضة من التقدير والاحترام. ها هي إذن تغذي نسغ فكره الحي داعيةً أصدقاءه إلى العمل معها. وقديماً قيل: المرء قويّ بإخوانه.

 

التقيت بأبي عصام، لأول مرة في شباط 1971 خلال مؤتمر عن فلسطين في الكويت. برز في ذلك المؤتمر خطيباً يأسر الألباب، متابعاً تقاليد الخطابة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومبدعاً فيها.

 

لكن معرفتي الأوثق به كانت في آذار 1982، هنا في بيروت. تلقيت دعوة من مجلة صباح الخير للإسهام في ندوة عن الصهيونية. كنت آنذاك مدير مكتب دراسات الرئيس حافظ الأسد. لم يمانع الرئيس في الإسهام بل لعلي استشففت تشجيعاً منه لكي أساهم. وفي إطار الندوة زارني الأمين إنعام في جناحي في الفندق، ووقف الأمين سمير رفعت حارساً. شرح لي الرئيس إنعام تقاليد الحزب في الحراسة، وكان ذلك أمرأجديداً عليّ. ولعلي لم أتعاطف مع تلك التقاليد. ومن الواجب أن أذكر أن صديقين عزيزين كان لهما دورهما في إيصال الدعوة إليّ ثم في تنفيذها. إنهما الأستاذان عادل يازجي وسمير رفعت.

 

في حديثنا الثنائي الذي دام ساعتين أطلعني الرئيس إنعام على مجمل تطورات الحزب، فكرياً وسياسيّاً. دعم عرضه بالوثائق وسلّمني بعضها. ثم أبلغني رغبة الحزب في أن يقيم أوثق الصلات مع سورية ومع رئاسة الجمهورية بالذات. نقلت الرغبة ودافعت عنها. فكان بعد ذلك بأسابيع قليلة أول لقاء بين رئيس الجمهورية العربية السورية وبين رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي. وكان لقاءاً معلناً.

 

في عام 1986 تأسست في دمشق لجنة ضمت عدداً من المثقفين العرب المناهضين للصهيونية. وضعت اللجنة هدفاً لها دعم القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/11/1975 والذي بموجبه تقرر أن الصهيونية شكلٌ من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. ما أن قامت اللجنة التي شرّفتني برئاستها، ما أن قامت ببعض النشاطات، محتلةً بذلك حيزاً لنفسها في النشاط العام، حتى هاتفني الصديق الرئيس إنعام. سأل: هل بالإمكان أن ينضم إلى اللجنة؟ رحبت به. توسعت اللجنة. وفي هيكليّتها الجديدة اختير نائباً للرئيس.

 

انضمام الرئيس إنعام إلى لجنتنا أكسبها مزيداً من القوة والحيوية. وأشهد أن فعاليات اللجنة كانت تستقطب الاهتمام العام. وكان ذلك مبعث رضىً للجميع.

 

حتى كان يومٌ غُزيت فيه الكويت، ويومٌ آخر فيه حُررت، ويوم ثالث بدا من خلال ثناياه أنه لا بد من إلغاء القرار 3379 الذي يصف الصهيونية بالعنصرية لكي يُعقد مؤتمر للسلم في مدريد. أوائل تشرين اول 1991 صدرت موافقةُ على الإلغاء من طرف عربي يُفترض أنه المعني الأول بإبقاء القرار. أواخر تشرين أول 1991 بدأ انعقاد مؤتمر مدريد، وبعد أقل من خمسين يوماً أُلغيَ القرار 3379. كان ذلك في 16/12 1991.

 

كان لابد للجنة دعم القرار 3379 من تغيير اسمها. فالقرار المطلوب دعمه لم يعد موجوداً. وحصل. كذلك رأى أعضاء اللجنة مناسباً عقد لواء الرئاسة إلى الأستاذ إنعام. وتمت مراسم انتقال الرئاسة بسلاسة ومحبة واحترام.

 

بنشاطه المعهود أنشأ الرئيس الجديد هيئات للجنة في عدة أقطار عربية. وما يزال بعض هذه الهيئات يعمل حتى الآن.

 

أثناء فترة رئاستي لجنة دعم القرار 3379 كانت ملفات اللجنة في عهدة الصديق الدكتور عبد الحسين شعبان ، الأمين العام. أذكر هذا الأمر لأن من المفيد أن نكتب تاريخ تلك اللجنة، ثم تاريخ اللجنة التي تابعت جوهر عملها، وأن نفعل ذلك بحيادية ومسؤولية.

 

 وقفة جديدة. في عام 1992 عقدت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ندوة عن فكر الرئيس حافظ الأسد. قرأت في الندوة بحثاً من خلاله طالبت بالنظر في ضم الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب البعث. علا في القاعة نقاشٌ ساخن. حاول البعض تصويري على أنني سوري قومي في الجوهر متلفع برداء البعث. ولم يفتّ في عضدي ذلك التصوير الساذج. إلا أنني كنت بالغ السرور حين عدت إلى المنزل فوجدت رسالتي شكر من الأمين أبي عصام، ثم من الأمين عصام، تثنيان على موقفي. ونعلم أن ما كانه ذلك الموقف المعلن في ندوة حزبية عام 1992 أصبح موقف حزب البعث العربي الاشتراكي كله بعد بضعة عشر عاماً. ولمن يود التوثق بالتوثيق أقول: صدر عام 2004، في دمشق، كتاب عنوانه الحياة الحزبية في سورية ومستقبلها يوضح الأمر بدقائقه.

 

ذكرياتٌ غنيةٌ مع الأستاذ إنعام الشامخ في فكره وعمله. إلا أن لندوتنا عنوانها. لم تُعقد الندوة لحديث الذكريات. عنوانها مفصح: فكر إنعام رعد المقاوم. كان عليّ أن أنهج في كلمتي نهجاً آخر. إلا أن مشاهد غاليةً عليّ، مع ذلك الغالي، ألحت، وشغلتني عن العنوان.

 

فلأعد إلى النهج السوي. كان لفكره المقاوم أثرٌ بالغ في ضم شمل المقاومين. بفضلٍ منه - ومن غيره طبعاً- التحم السوري القومي الاجتماعي بالبعثي العربي الاشتراكي، بالناصري، بالشيوعي، بالمؤمن دينيّاً، بالوطنيّ، بالمدافع عن الحقوق أياً كان وكانت. ما أحوجنا إلى هذه اللحمة، تقينا من المخاطر وتسير بنا إلى أهدافنا المشروعة.

 

ثم لو أن الله مدَّ في عمره لكنّا شهدناه في آب وأيلول 2001 يقود في دربان التحرك من أجل إعادة القرار 3379.

 

يُطل علينا بعد أسابيع قليلة مؤتمر دربان الثاني يا أبا عصام، يا شريكي على مدى سنوات في دعم القرار المساوي بين الصهيونية والعنصرية. يُعقد المؤتمر الجديد في جنيف، في ذات المبنى الذي انتهك مبدأ حق تقرير المصير للشعوب. في ذات المبنى صدر صك الانتداب على فلسطين متضمناً وعد بلفور. أما يُحرّكك المشهد يا أبا عصام؟ ويُعقد المؤتمر الجديد على مبعدة نحوِ من ثلاثين كيلومتراً من مدينة بال التي شهدت ولادة منظمة وضعت هدفاً لها غصبُنا أرضَنا. جاء زمن النهضة، فانهض. لن تستطيع التغيّبَ يا أبا عصام. الحلبة لك. الحلبة لك ولفكرك المقاوم. الحلبة لك ولأبناء النهضة ومن معهم من المناضلين العاملين على ترسيخ قيم الحق والخير والجمال.

 

د. جورج جبور