العدد الواحد والاربعون - نيسان

على بوابة الألفية الثالثة الديمقراطية بين التعبير والتمثيل (2)

توفيق مهنا
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

نشرت مجلة "تحولات" في أعدادها السابقة مجموعة دراسات عن الديمقراطية في فكر أنطون سعاده . وفي هذا العدد تتابع "تحولات" هذه السلسلة مع الفصل الأخير من هذه الدراسة التي تم نشر الفصل الأول منها في العدد السابق.

 

إن النهضة ومفاهيم الانسان الجديد وما يحمله من مفاهيم جديدة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة والفلسفة هي نقيض ما هو قائم، وإن ما هو قائم لا يعبر بأي وجه من الوجوه لا عن أصالة الأمة ولا عن مستقبلها الذي تتوخاه لها النهضة.

على هذه القاعدة يمثل سعاده وحزبه حالة تعبير عن الأمة في ماضيها المجيد ومستقبلها التليد، ولا يمثلان الواقع القائم الذي هو واقع فاسد يجب تغييره، لأنه واقع الحاضر الذي لا يعبر عن الماضي وأصالته ولا عن المستقبل وتطلعاته.

بالتأكيد ان الديموقراطية كما يصفها سعاده أي الديموقراطية التمثيلية البرلمانية القائمة على أساس طائفي وعشائري وعائلي وطبقي ليست ولا يمكن أن تكون منطلقاً صالحاً لانتصار النهضة. فالنظام البرلماني المرتكز الى قانون انتخابي طائفي والى دوائر انتخابية يراعى فيها الوضع الاقطاعي والعائلي والطائفي ليس نظاماً ديموقراطياً، لأن هذا النظام استغنى عن الأساس وتمسك بالشكل مما أفرغ الديموقراطية من مضمونها الصحيح.

إن إرادة الأمة في نظام برلماني يقوم على هذه القواعد لا يمكن أن تظهر أو أن تعبر عنها أو أن تمثل التمثيل الصحيح.

عند هذه النقطة بالذات لم يتردد سعاده في رفض هذا النوع من الديموقراطية التمثيلية البرلمانية المخادعة. ومصدر خداعها ينطلق من تخليها عن الأساس الذي هو عقيدة الديموقراطية الصحيحة التي لا تكبل إرادة الأمة بقوانين وبتشريعات وبأنظمة نيابية برلمانية ليس من هدف لها سوى استمرار انتاج نفس النظام وتأمين المنافع للحكام الطائفيين والاقطاعيين والرأسماليين.

يقول سعاده في مقالته "تشبيه" (النهضة 1937): "المعدود اللبناني ينتخب على أساس المنفعة الفردية أو العئلية أو الطائفية، وفي انتصار فريق من المرشحين على فريق آخر لا تنتصر مبادئ ونظريات، أما التصويت فليست له قيمة ديموقراطية على الاطلاق لعدم استكمال شروطه"، ويضيف: "أن هذا الأساس للتصويت فاسد"، ويخلص الى قناعة راسخة تفيد أنه "لا مشاحة في أن الأساليب الديموقراطية البرلمانية في مثل هذه الحالة تكون نكبة للشعب العامل بها لأن المنافع الخصوصية المستعجلة لا يمكن أن تكون أساساً للسياسة القومية وحفظ المصالح العامة".

وفي مقالته عام 1937: "الحكومة اللبنانية والمسلم المسيحي"، يؤكد سعاده "أن الشعب اللبناني محتاج، ليس فقط لتغير الوزارات، بل لتغير كل الحالة التمثيلية الادارية من أساسها، فكل تغيير لا يكون في الأساس في المبادئ والأشخاص لا يعطي غير النتائج التي يئن منها الشعب".

إن سعاده، باعث النهضة والمفاهيم الجديدة لا يمكن له أن يقبل بأن تقوم العملية الديموقراطية على هذه الأسس الفاسدة، لقد رفض الحالة التمثيلية القائمة عليها (قوانين الانتخابات) الطائفية والعائلية والفردية والاقطاعية لصالح قيام قانون ديموقراطي تمثيلي يؤهل المعدود اللبناني (الناخب) أن ينتخب لصالح المبادئ والأفكار والمناهج وليس بناء على مصلحة أو منفعة خاصة وضيقة. لقد رفض سعاده قواعد التمثيل البرلماني القائم في لبنان، داعياً لتغير الأسس التي يقوم عليها، لكنه لم يرفض النظام التمثيلي القائم على قواعد ديموقراطية صحيحة.

لقد رفض سعاده هذا النظام بقواعده الآنفة الذكر ولم ير فيه أداة يعتمدها في عملية التغيير. وقد حفلت كتاباته سواء في الرد على الأستاذ جبران تويني أو في مقالاته عن الأحزاب البرلمانية أو الأنظمة البرلمانية بالكثير من الأدلة والشواهد التي تؤكد ما نذهب اليه.

إن رفض سعاده للنظام النيابي البرلماني وإفلاسه في بلادنا لا يبنيه فقط على "عدم نضج الشعب لمزاولة الحكم البرلماني وعدم تقديره تقديراً صحيحاً لروح النظام النيابي" كما جاء في مقالة "عودة الى النظام البرلماني - 1938" فحسب، بل أن النظام "قد أفلس في أعرق الأمم ديموقراطية ونضجاً وحرية، بل يبنيه أيضاً، وهذا هو الأهم، على أن الأمة السورية في حالة شيئة تتفكك فيها الى عناصر مختلفة، واتجاهات متباينة ومبادئ مهترئة، وتعمل بها عوامل تفريقية لا قومية شتى، وتخرج فيها من ماض سحيق رجعي مظلم الى مستقبل باسم، جديد منير وبالتالي تفجر في أرجائها أنوار نهضة قومية تنقلها من الجمود الى الحركة ومن التفكير العتيق الى التفكير الجديد".

وفي مقالته "العقيدة السورية القومية الاجتماعية وبحث الديموقراطية عن عقيدة" يحدد سعاده: "أن الديموقراطية اسم تنطوي تحته أشكال عديدة وكل شكل منها له خصائص سياسية وإدارية تعطي نتائج تختلف عن التي يعطيها شكل آخر، والديموقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم تتمكن من حل الأضاليل الاجتماعية - الاقتصادية التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وارتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها"، ويضيف سعاده "ممّا لا شك فيه أن المحافظين الاقطاعيين والرأسماليين في بريطانيا والرأسماليين في الولايات المتحدة لا يعجبهم تبديل الديموقراطية في أشكالها المعروفة التي سهلت لهم الوصول الى ثرواتهم الفاحشة من أسهل الطرق".

يتبين أن النظم الديموقراطية القائمة في الغرب هي الأخرى لم تتمكن من معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لأن الديموقراطية الغربية هي ديموقراطية رأس المال، والاحتكارات والاستثمارات والجشع والغنى الفاحش وهي لا تحمل عقيدة اجتماعية اقتصادية تضع حداً بواسطتها لجشع الاقطاعيين والرأسماليين وأن الديموقراطية البرلمانية في تلك الأمم مسخرة لا لخدمة الشعب ومصالحه وإنما لخدمة الشركات الاستثمارية والاحتكارية.

إن هذا الموقف من الديموقراطية البرلمانية في بلادنا ومن الديموقراطيات الغربية ينطلق من إيمان بالديموقراطية ومن رفض لأشكالها المطبقة واعتبار أن هذه الأشكال لا تصلح في تبديل ما هو قائم، لأن الانطلاق منها لا يخدم عملية التغيير.

لذلك كانت أفكار سعاده منصبة على إحداث التغيير بواسطة "الثورة" إنه القيادة الجديدة التي تخاطب الشعب مباشرة وتعمل على استقطابه وتأييده وتؤلب قواه ضد النظام القائم وأشكال الديموقراطية الفاسدة المطبقة.

ومع ذلك لم يترك سعاده بابً للوصول الى الشعب وانتزاع ما أمكن من مواقع تسهل عليه الاتصال بالشعب. لكن الأساس في مهجه بقي منطق الثورة ومشروعيتها من دون إغفال الأسلوب السياسي التقليدي البرلماني وما يمكن أن يحقق بواسطته من موقع في النيابة والحكم تساعده في مخاطبة الشعب.

إن سعاده أظهر عيوب الديموقراطية السائدة لكنه تمسك بالمبدأ الديموقراطي في بعديه التعبيري والتمثيلي. واعتبر أن الديموقراطية التعبيرية هي خاصة به وبحزبه، لأنها تعبر عن نهضة الأمة الجديدة وعن أصالتها ولا تمثل واقعها الراهن الذي يسعى الى استبداله بواقع جديد، وإحلال نظام جديد له أسسه الصحيحة من الوجهة الديموقراطية والسياسية.

أما السؤال الأساسي هو هل أن نظام الحزب لا يقر بالديموقراطية التمثيلية داخل الحزب وضمن الجماعة المعبرة عن إرادة الأمة؟ وهل من نظام غير نظام الديموقراطية التمثيلية في الدولة السورية القومية الاجتماعية؟

إن الحزب كله هو حركة النهضة المعبرة عن إرادة الأمة ولكن ما هو النظام الذي يحكم انبثاق السلطة في الحزب وما هو النظام الذي يحكم الأمة بعد انتصار الحزب وقيام الدولة السورية القومية الاجتماعية؟

إننا نجزم بأن سعاده قد أوجد ضمن الحزب وفي ظل قيادته أساس نظام الديموقراطية التمثيلية وهو النظام الذي يفسح المجال لإرادة القوميين الاجتماعيين العامة اختيار القيادة على أساس مفاهيم النهضة والمجتمع الجديد وليس على أساس الديموقراطية التمثيلية البرلمانية المعمول بها في الأنظمة الرأسمالية والاقطاعية في بقية الأمم.

في المجتمع الجديد، مجتمع الحزب السوري القومي الاجتماعي، يمتلك القومي الاجتماعي، كقومي اجتماعي، حقه في انتخاب قيادته وفي ترشيح نفسه بالاستناد الى مفاهيم الديموقراطية الصحيحة التي يتم بواسطتها تمثيل الارادة العامة تمثيلاً صالحاً.

في مرسوم الطوارئ الصادر عن سعاده في 30 حزيران 1936 يحدد سعاده في المادة الثانية من المرسوم، أنه في حالة اعتقال الزعيم وهيئة الادارة العليا:"ينعقد مجلس المندوبين عن جميع مناطق الحزب عن المنفذيات والمديريات المستقلة لبحث التدابير والاجراءات الضرورية وانتخاب هيئة إدارية جديدة... وفي المادة الثالثة يحدد أنه كلما اعتقلت هيئة إدارية ينعقد مجلس المندوبين لاختيار هيئة إدارية تحل محلها. وفي المادة الرابعة وفي حالة الاضطرابات يعطي الزعيم مجلس المندوبين صلاحيات مجلس عرفي.

يفيد هذا المرسوم أن الزعيم، وبعد مضي أربع سنوات على تأسيس الحزب، رسم قاعدة لاختيار قيادة جديدة للحزب انطلاقاً من مفهوم الديموقراطية التمثيلية ولا بأس أن يلاحظ أن هذه مسألة هامة وجوهرية، أن الزعيم في ظل أوضاع طارئة قد تقضي الى اعتقاله مع إدارة الحزب العليا قد أناط بالقوميين الاجتماعيين وحدهم الحق في اختيار وانتخاب قيدة جديدة.

إن اعتقال الزعيم والقيادة العليا لا يقود الى فراغ دستوري بل الى التئام مجلس المندوبين الذي هو تمثيل للمنفذيات والمديريات المستقلة لانتخاب قيادة للحزب تحل محل القيادة المعتقلة أو الموقوفة أو المستشهدة، ترى لو طبق مثل هذا المرسوم بعد استشهاد سعاده وأنيط بالقوميين الاجتماعيين حق انتخاب قيادتهم وهو ما منحه زعيم الحزب لهم في هذا المرسوم هل كان الحزب يعرف الأزمات كما عرف؟

إن مرسوم الطوارئ يؤسس قاعدة الديموقراطية الحزبية التي تستند الى نظام الديموقراطية التمثيلية.

ورب قائل أن مرسوم الطوارئ لا قيمة دستورية له بعد وضع الدستور وتصنيفه، وهذا دون شك صحيح، إلا أن قيمة المرسوم تكمن في الاتجاه الديموقراطي الراسخ الذي أراد سعاده أن يكرسه في بنية الدستور. وهذا الاتجاه الفكري يقوم على إسناد مهمة انبثاق السلطة للقوميين الاجتماعيين ليكونوا هم مصدرها، وفلسفة هذا الاتجاه تنطلق من كون القوميين الاجتماعيين هم الطرف الثاني في التعاقد مع سعاده في قيام الحزب واستمراره. وبالتالي، فإن مسألة انبثاق السلطة تعود إليهم، وتنبع من إرادتهم الحرة، إذا ما تعرّض الزعيم لأية قوة قاهرة تمنع عليه قيادة الحزب وممارسة سلطة الزعامة الجامعة للسلطتين التشريعية والتنفيذية.

وفي العام 1937 يصدر الزعيم سعاده المرسوم رقم 4 الذي يقضي بأن يمارس القوميون الاجتماعيون حقهم الديموقراطي بانتخاب لجان المديريات ومجالس المنفذيات وعن هذا المرسوم يقول الدكتور كريم عزقول العام 1945: إن أول دليل على سيطرة الروح الديموقراطية على دستور الحزب واضحة بجلاء في المادة الثامنة من الدستور وأن المرسوم رقم 4 الذي وضع في 21 نوفمبر العام 1934 وصنف في يناير العام 1937 يستهدف تمرين القوميين الاجتماعيين على الفضائل الديموقراطية الكاملة دون أن يفسح المجال للعناصر غير المؤهلة من إساءة استعمال هذه الصلاحيات و"يضيف" أن دستور الحزب الحزب السوري القومي الاجتماعي أمن بصورة واضحة لا تقبل الجدل بالديموقراطية كأساس لعمل أعضائه (سعاده والحزب القومي - منشورات مجلة الدنيا).

إن المرسوم رقم 4 يمثل النظام الديموقراطي الذي يجب أن يسود داخل الحزب وقد تضمن هذا المرسوم جزءاً من الصلاحيات التشريعية (الضرائب والموازنة للمنفذية) فالممارسة الديموقراطية ليست شكلية في هذا المرسوم بل هي ممارسة فعلية لتمتع مجلس المنفذية المنتخب من لجان المديريات بصلاحيات تشريعية.

وإن هذا المرسوم الحيوي يكفل حق القوميين الاجتماعيين في ممارسة حقوقهم الدستورية الديموقراطية، إنطلاقاً من وحدة الحقوق والواجبات، والمساواة التي يتمتعون بها كأعضاء موحدين في الحزب. وإن تطبيق هذا المرسوم يرفع من حسّ المسؤولية وسويتها، وصمودها لدى أعضاء الحزب، لأنه يشركهم في اختيار القيادة. وإذا كان من سبيل لتأهيل وتوعية وتدريب أعضاء الحزب على ممارسة حقهم الدستوري في انتخاب سلطاتهم، فإن أقصر السبل وأسهلها وأفضلها يبقى رهن تطبيق هذا المرسوم الذي يصقل إرادتهم وينمّي وعيهم ويكنز ممارستهم بالخبرة والأداء الراقي. وفي اعتقادنا أن تأهيل الأعضاء، وترقية وعيهم لا يجوز أن تكون عملية مجردة عن الممارسة، وقد ثبت أن تأخير أو تأجيل إعادة الحق الدستوري للأعضاء - بداعي فقدان الأهلية أو نقص الوعي - هي عملية فقدت جدواها، وباتت تشكّل عائقاً أمام تطبيق هذا النص واعتماده.

إن المبدأ الديموقراطي داخل الحزب يأخذ بعده التمثيلي بالاستناد الى مرسوم الطوارئ الموضوع عام 1936 والى مرسوم رقم 4 الموضوع عام 1937، وقد حاول سعاده في المغترب وبعد عودته الى الوطن أن يطبق هذا المرسوم وقد حملت رسائل كثيرة منه الى مسؤولين إداريين في المغترب تفسيراً له ةمقدار الحيوية التي يبعثها في الجسم الحزبي ودعوة لتطبيقه (إلى المنفذ العام لمنفذية مينس 1940) وعام 1948، وبعد عودته من المغترب دعا سعاده الى تطبيق المرسوم رقم 4 وكذلك حاول الحزب بعد استشهاده وضع المرسوم موضع التطبيق في الخمسينات والستينات. لكن لم يحصل شيء من هذا القبيل حتى انعقاد مؤتمر ملكارت عام 1969 وإقرار توصية إجتماعية تقريباً بانبثاق السلطة

من القاعدة ووضع المرسوم المذكور موضع التطبيق.

بالاستناد الى هذه المعطيات نسأل هل وقع سعاده في التناقض؟ هل كان مع الديموقراطية التمثيلية وضدها في آن وكيف يتم التوفيق بين الديموقراطية التعبيرية والديموقراطية التمثيلية؟

إن سعاده لم يقع في التناقض بل إن من وقع في التناقض من بعده هم بعض الكتاب الذين نادوا بالديموقراطية التعبيرية من دون التمييز بين الحزب كحالة ديموقراطية تعبيرية عن إرادة الأمة المفترضة نظراً لواقع التخلف القائم وبين الحزب كمجتمع جديد.

إن الديموقراطية التعبيرية هي ديموقراطية العلاقة بين الحزب ككل بالقياس الى المجتمع القائم أما في المجتمع الجديد فإن التمثيل يأتي كنظام تنبثق فيه السلطة والقيادة الصالحة لتقود الحزب.

إن القيادة الصالحة بعد استشهاد باعث النهضة هي القيادة التي تأتي بواسطة إرادة القوميين الاجتماعيين وهو ما دعا اليه سعاده في مرسوم الطوارئ بشكل واضح، وأن كل تفسير أو تبرير كالقول بأن الديموقراطية التمثيلية هي ديموقراطية الأكثرية والأقلية ينحى ابتعاداً عن مرتكزات الفكر الفلسفي والدستوري لحزب سعاده ولتراث وتاريخ المؤسسات والمؤتمرات في الحزب، وإن الاعتبار القائل: "إن التمثيل في معناه السياسي هو التمثيل لفئة من الفئات، ويعتمد الأكثرية العددية أساساً له، أما الأقلية فتكون مظلومة لأنها خسرت الانتخابات" لا يعدو كونه تفسيراً خاصاً واجتهاداً ذاتياً.

إن التمثيل في المعنى السياسي لا يقتصر بالضرورة على فئة من فئات المجتمع أو أنه يمثل مصالح تلك الفئة وحدها من بين سائر الفئات الاجتماعية. قد يحصل أن تنشأ أحزاب ومنظمات لها طابع التمثيل الفئوي أو الطبقي لفئة أو طبقة من فئات المجتمع لكن توجد أحزاب لها نظرة أشمل من النظرة الفئوية أو الطبقية، وفي طليعة هذه الأحزاب، لا بل طليعتها هذا الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي هو حزب فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها".

ولنفترض أن الديموقراطية التعبيرية هي قاعدة انبثاق السلطة في حزبنا فقط وإن الأمناء وحدهم بواسطتهم تتم عملية انبثاق السلطة، أليست هذه القاعدة التعبيرية: الأمناء، تمارس حقوقها الانتخابية بواسطة التمثيل والديموقراطية التمثيلية، وبالتالي أليست العملية الانتخابية طريق يفرز ديموقراطية الأكثرية والأقلية ضمن قاعدة الاعتماد على الديموقراطية التعبيرية؟

إن التظلم من أن الديموقراطية التمثيلية تقود الى أكثرية تفوز وأقلية تخسر ليس مقياساً لبناء موقف نظري رافض للديموقراطية التمثيلية، لأن التمثيل (الانتخاب) كان ولردح طويل من حياة الحزب الدستورية يتم في إطار التعبير (الأمناء) قاعدة انبثاق السلطة، إذا كان الوضع كذلك لماذا في السابق كان مقبولاً به أما اليوم فهو مرفوض؟ ألم يؤدي الانتخاب بواسطة الأمناء الى أكثرية تفوز وأقلية تخسر؟ إن المقاييس العلمية ليست مقاييس انتخابية أو فردية، ولا يمكن أن ننساق في التنظير مع نظام أو ضد نظام على قاعدة ربحنا أو خسارتنا في الانتخابات.

إضافة الى ما تقدم فإن تناول النظام الديموقراطي التمثيلي بالطعن ليس سوى نزعة نخبوية.

إن سعاده كان بالتعاقد الحر زعيماً وقيادة ملهمة وليس بالاستبداد أو بالفرض. أما بعد استشهاده فإن القيادة الصالحة التي تحمل الفكرة الصالحة هي القيادة التي يمحضها القوميون الاجتماعيون ثقتهم لأنهم هم الطرف الثاني في التعاقد مع الزعيم ومن الطبيعي جداً أن يكونوا مصدر انبثاق السلطة بعد استشهاده.

 

 

المرسوم رقم (7)

 

إن رتبة الامانة هي رتبة مميزة في الحزب ولا تمنح إلا لمن أثبت أهلية وتفوقاً وإدراكاً عالياً ونضالاً غير اعتيادي.

وقد اشتملت هذه الرتبة على المواصفات والمعايير التي يفترض توفّرها بالمرشح لنيلها.

ولكن، لم يندرج في سياق المهام والأدوار التي يضطلع بها الأمين، أي دور أو وظيفة محددة في النيابة عن القوميين أو التعبير عن إرادتهم في موضوع انبثاق السلطة. ولو شاء المشرّع، أي حضرة الزعيم، أن يضع نصاً يوكل فيه هذا الدور الى الأمناء، لما تردد في إضافة هذا النص على المرسوم المذكور. وهذه نقطة واضحة لا تقبل النقاش. إلا أن هذا النقاش يأخذ مداه في ضوء نص رسالة الزعيم الى عساف أبو مراد بتاريخ 13 آب 1937، الذي جاء فيه:

"إن رتبة الأمانة توجب الاحترام والتقدير كاملها، وتجيز له الوقوف على أسرار الجزب السياسية وغيرها، وتؤهل حاملها لأن ينتدب للمهمات الخطيرة التي تحتاج الى رصانة وأمانة وكتمان، وتمهّد له لأن يصبح عضواً في المجلس الأعلى".

وقد جاء في عدد "النشرة الرسمية" (مايو 1998): "لما كان المجلس الأعلى يشكل تقليداً من ما يلي رتبة الأمانة فقط، فقد بات منتظراً أن يصدر قريباً مرسوم الزعيم بإعادة تأليف المجلس الأعلى الذي حله الزعيم في جلسة 4 ابريل 1947، نظراً لعدم دستوريته.

تستحق هذه النصوص أن يتوقف امامها العقل القومي الاجتماعي، بكل عناية ودقة. ولا بد أن تطرح الأسئلة التالية: أي النصوص أقوى من الوجهة الدستورية، نص دستوري وضعه الزعيم وأصبح مادة دستورية، واضحة وجلية، أم نص رسائل كتبها الى أحد الرفقاء أو الأمناء؟

وكذلك يطرح السؤال، ألم يكن في مقدور الزعيم أن يضع نصاً دستورياً صريحاً يحدد فيه أن الأمناء هم مصدر انبثاق السلطة؟ كمثل المرسوم الدستوري رقم (4) ونصه الواضح على حقوق القوميين الاجتماعيين في انتخاب لجانهم ومجالسهم؟

وفي الاطار نفسه، يتبادر الى الذهن سؤال أكثر دقة: لقد امتلك الزعيم صلاحية منح الأمناء وتسميتهم، واختيارهم أعضاء في المجلس الأعلى، باعتبار أن مصدر كل السلطات ومرجعها، فمن امتلك يا ترى، بعد الزعيم، هذه الصلاحية؟

الزعيم، لم يحدد، من هي الجهة التي تتولى عملية المنح للأمناء، ولو هو حدد طريقة انتخابها أو اختيارها أو تعيينها؟

هذه الأسئلة، لا بد لنا أن نسألها، لأن الارتكاز الى نصوص الرسائل، وليس الى النص الدستوري ويقف أمام اشكالية لا اجتهاد في معرض النص، وهي قاعدة دستورية وقانونية لا تقبل النقاش أو الجدل، وبالتالي، فإن الارتكاز الى النص يبقينا على جانب المان أكثر من أي شيء آخر.

 

 

الدولة القومية... دولة ديموقراطية حتماً

 

إن نظام الدولة الذي يعمل لإقامته سعاده، هو النظام الديموقراطي الذي هو مبدأ إقرار السيادة المستمدة من الشعب هو ما تقوم عليه القومية.

ويقول سعاده في نشوء الأمم: "إن القومية تقوم على المبدأ الديموقراطي وإن الدولة الديموقراطية هي دولة قومية حتماً لأنها تقوم على إرادة عامة ناتجة عن الشعور بالاشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة" (نشوء الأمم).

إن النظام الجديد هو نظام الدولة الديموقراطية القومية، أما السؤال عن طبيعة هذا النظام الديموقراطي ومضمونه يجيب عليه سعاده بشكل حاسم في حديثه مع وكالة الأنباء الفرنسية حين يسأل: "في أي شكل تتصورون من الوجهة التأسيسية الأمة السورية المقبلة؟ فيعلن أنها "جمهورية برلمانية ديموقراطية مع ميل الى اليسار وعلمانية قبل كل شيء".

إن تأكيد سعاده على طبيعة النظام السياسي لجمهورية الأمة السورية على أنه نظام برلماني ديموقراطي يثبت بشكل قاطع أن الديموقراطية التمثيلية هي أساس النظام الحكم وهي ما يجب أن تقوم عليه الأمة السورية المقبلة.

إن الخلاصة التي نصل اليها من وراء هذا البحث هي أن الانطلاق من فرضية أن سعاده نادى بالديموقراطية التعبيرية وأنه اعتبرها نظاماً لانبثاق السلطة في الحزب، أو في الدولة السورية القومية الاجتماعية فرضية لا تعبّر عن فكر سعاده التعبير الصحيح.

إن الديموقراطية التعبيرية هي وقف على باعث النهضة وعلى حزب النهضة ككل في العلاقة مع المجتمع القائم خارج النهضة. فالمجتمع القائم خارج النهضة معتل وبالتالي فالمجتمع الجديد لا يقوم على فلسفة تمثيل ما هو قائم بل على فلسفة التعبير عمّا يجب أن يكون، أما ضمن المجتمع الجديد - الحزب، أو الدولة في المستقبل فإن النظام المعمول به هو حتماً نظام الديموقراطية التمثيلية.

وإذا كان الزعيم قد وثق بالقوميين الاجتماعيين، واعتبر أن فيهم القوة التي تغيّر وجه التاريخ، وأنهم الأمة المؤهّلة والمعلّمة والهادية... واحترم حقوق العضو في الحزب ودوره منذ الثلاثينات، أفلا يستحق هذا العضو أن يمارس حقوقه في الانتخاب في نهاية القرن العشرين؟ وإلى متى تبقى هذه "التراتبية الطبقية" في موضوع انبثاق السلطة؟ ومتى تستقيم قيم العدالة الحزبية (الحقوقية والقضائية والدستورية والديموقراطية)، التي تضع حداً لكل تمييز على هذا الصعيد. ويتكامل دور الأمناء والرفقاء في تحمّل المسؤوليات الواحدة تجاه المصير الواحد، ولا يبقى الأمناء وحدهم يتمتّعون بحق حصري ينوب عن الإرادة العامة في انتخاب القيادة.

 

 

توفيق مهنا