العدد الواحد والاربعون - نيسان

بين المسيح والمسلمين واليهود

الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

لطالما كانت علاقة القديم بالجديد والآتين به، علاقة شك وخوف ورفض. وهذه القاعدة تنسحب، بل وتتجلى في أبهى تجلياتها، في علاقة الأديان بعضها ببعض.

فعلاقة المسيح باليهودية كانت علاقة رفض، كما كانت علاقة النبي محمد مع من قبله من أهل الجاهلية أيضاً علاقة رفض وطلاق.

لقد بدَّل المسيح بظهوره مفاهيم البشرية ونقلها من التشرنق اليهودي المتشنج عنصرياً وقبلياً ومن جهالة تصنيم الموروث، إلى معرفة الانسان ومحبة الآخر التي تؤدي إلى معرفة الله.

إن اهم القضايا التي صاحبت قيام المسيحية والتي كان لها أثر كبير على بلادنا، هي العلاقة بين المسيحية واليهودية، مع العلم اننا إذا درسنا المسيحية في تراثها الأصيل في الأناجيل والرسائل وفي اقوال المسيح وحوار الرسل، لوجدنا ان العلاقة بين يسوع ابن الانسان واليهودية هي علاقة طلاق لا اتفاق وعلاقة رفض لا قبول.

فالواقع أن أبرز ما في تراث المسيح هي الوحدانية المطلقة لله ومسكونية الدين ثم تراث الكلمة الذي يشرح معنى التجسد.

أما يهوه في التوراة فهو رب الأرباب، وليس الإله الأوحد، كما انه ليس إلهاً مسكونياً لأنه إله بني اسرائيل دون غيرهم، وهو معني بانتصاراتهم وحروبهم وإباداتهم للأقوام الأخرى.

وهو لا يتميز بصفات الألوهة الكاملة التي لا يشوبها نقص او عيب، بدليل انه في كتاب اليهود يثور ويغضب ويتعارك مع ابراهيم ثم يتصالح معه. اذاً، يهوه وفق التراث التوراتي إنسان له كل مزايا البشر وعيوبهم، لكنه ذو قدرة فائقة تبرز في العجائب المجترحة لمصلحة اليهود ضد خصومهم.

اما في الانجيل والقرآن فالله محبة لجميع البشر. فهو معني بخلاصهم في الانجيل، وهو الرحمن الرحيم في القرآن، إله العدل والرأفة والرحمة لجميع الناس لا يفرق بين عربي واعجمي إلا بالتقوى.

واذا عدنا الى تراث الوحدانية المطلقة لله لوجدنا ان ذلك لم يكن تراثاً يهودياً بقدر ما كان تراثاً سورياً بابلياً ومصرياً. ففي التراث السوري والرافدي القديم، إله الشمس البابلي هو اله الرحمة التي تشمل البشر جميعهم. كما ان الاله أتون في التراث المصري هو اله العالم اجمع وهو الذي ينشر العدل والرحمة والنماء في اوصال الكون والمخلوقات، وهو الإله الواحد الأحد، إله الكون كله. فالله ووحدانيته المطلقة ومسكونية رسالته الشاملة بحب فائق لجميع الناس، مؤكدة في الرسالتين المسيحية والمحمدية وما قبلهما. بينما نجد نقيض ذلك في اليهودية، أي أن جذور التوحيد بدأت في تراثنا القديم الذي مسخته اليهودية.

والحقيقة ان اليهودية كانت الحلقة المفقودة والغريبة عن تطور الفكر الديني الذي كان يؤمن به ملكي صادق ملك القدس وكاهنها، وعن فكر ابراهيم نفسه الذي آمن بالله لا بإله اسرائيل.

فبينما سار الفكر الديني قديماً من الاستغناء عن تعددية الآلهة باتجاه معرفة الإله الواحد، نجد ان اليهودية كانت انتكاسة إلى الوراء بتخصيصهم يهوه لليهود فقط دون سائر الشعوب. وهذا تراجع كبير عما وصل إليه رواد التوحيد الحقيقي في بلادنا مثل ابراهيم وملكي صادق وأترابه.

إن الموحدون جميعاً يعودون إلى صورة ابراهيم كرائد متقدّم في التوحيد، أي الى صورته السليمة كما هي في القرآن الكريم، لا صورته كرأس للديانة اليهودية.

فالواقع هو أن ابراهيم غريب عن كل أوهام الفكر اليهودي اللاحق الذي قام على التقوقع العنصري والتعصب وكره الشعوب الاخرى.

وكلمة "اسرائيل معناها "قاتل إيل" وهذا لقب يعقوب جد اليهود. أما لقب المسيح فهو "عمانوئيل" أي الله معنا. وقد أعلن المسيح ان الله ليس إله حقد وثأر، بل إله المحبة والرحمة، مناديا اياه ساعة احتاجه بلغته الآرامية: "إيلي إيلي لماذا شبقتني؟" أي "لماذا تركتني؟".

ويبدو واضحاً ان عملية كتابة التوراة قد جرت في بابل على يدي الكاتب عزرا في زمن السبي البابلي، حيث ادخل في اليهودية كل التراث الاسطوري الرافدي مع التشويه نتيجة العقد اليهودية المزمنة وفكرة شعب الله المختار.

أما ادعاء اليهود بان التوحيد قد بدأ عندهم فهو ادعاء لا يستند إلى اساس موضوعي، كما أن فكرة انحصار الدين والفضيلة باليهود هي فكرة يهودية وليست فكرة الهية.

واستناداً لما ورد في القرآن الكريم نرى التوافق بين المسيحية والمحمدية قوي جداً. ففي سورة النساء يرد في الآية 162: "إنا اوحينا إليك كما اوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وايوب ويونس وهارون وسليمان وأتينا داوود زبوراً"، ُم يرد في الآية 163: "ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما". كذلك يرد في سورة غافر الآية 77: " ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك".

يبدو من هذه النصوص ان أي قصة عقائدية وردت سابقاً، مشابهة لما ورد لاحقاً في التوراة او الانجيل او القرآن، يكون قائلها رسول من الرسل الذين لم يقصص القرآن الكريم عنهم.

فمن الأسطورة السومرية والبابلية رمز الإيمان لشعوب المنطقة، مروراً بملحمة جلجامش للبحث عن الخلود ترد عدة أمثلة منها ما يلي:

"في تلك الأزمان الأولى لم يكن سوى المياه"

وفي التوراة في اصحاح التكوين يرد ما يلي:

"في البدء خلق الله السماوات وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه القمر ظلمة وروح الله يرف على وجه الماء".

اما في القرآن الكريم في سورة هود، فيرد ما يلي:

"وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء".

ونرى في الوصايا العشر عند موسى تماثلا مع الوصايا الموجودة في مقدمة شريعة حمورابي.

وقد شهد القديس بولس لكهنوت ملكي صادق ويعتبره وحده مثالاً متقدماً لكهنوت المسيح. 

ان أهم ما قدمه التراث المسيحي في معرفة الله هو تراث الكلمة المتجسدة، كما جاء في انجيل يوحنا "في البدء كانت الكلمة". وأهم ما قال المسيح :"كل من يعترف بي أمام الناس أعترف أنا أيضاً به أمام أبي الذي في السماوات، لكن من ينكرني أمام الناس أنكره أنا أيضاً أمام أبي الذي في السماوات" (انجيل متى اصحاح 10 فقرة 31 و 33) .

ذلك يعني أن المسيح قد ألزم نفسه بالاعتراف بالمسلمين وبذكرهم وشفاعتهم امام الله. فهو ملزم بالعهد الذي قطعه على نفسه وهي أمور غابت عن بال بعض المسيحيين نتيجة التنافس العقائدي. وهذه الشفاعة والمحبة التي بادر بها المسيح، قابلته بها آيات القرآن الكريم، حيث يتم ذكره 33 مرة.

أما اليهود، فهم لم يؤمنوا بالمسيح قط، ولا بطهارة وقداسة أمه السيدة العذراء. بل هم يكرهونهما، ويتآمرون على يسوع وكنيسته، فيقولون في بروتوكولات حكماء صهيون:"فلا يمر القليل من الاعوام حتى يتلاشى الدين المسيحي وليس أهون من تلاشي بقية الاديان. غير أنه لم يحن الحال لهذه المسالة، سنحصر الاكليريكية وذويها ضمن دائرة قليلة الاشعاع فتزول حظوتها وتسقط حرمتها".

"ومتى حان ان نمحق قصر الفاتيكان، تهجم عليه جماعات تديرها يد غير منظورة، وعندئذ ٍ نتدخل كأننا نبغي الكف عن إراقة الدماء الكثيرة على أن غايتنا التوغل في قلب ذلك المكان الذي لا نتركه قبل ان تتلاشى سلطته الأدبية. وإذ ذاك يصبح ملك اسرائيل البابا الحقيقي للعالم ورأس الكنيسة الدولية".

ومؤخرا، لم تتورع القناة العاشرة الإسرائيلية عن بث برنامج ساخر ومسيء إلى المسيح ووالدته السيدة العذراء دون أدنى خجل أو احترام لمشاعر المسيحيين.

اذا، بكلمتين، روابط المسيحيين ليست مع اليهود، بل مع المسلمين الذين لا ينكرون المسيح كاليهود، بل يعترفون به ويكرمونه ويصدقون رسالته ويؤمنون بأنه المسيح بن مريم.