العدد الواحد والاربعون - نيسان

"بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009": كتاب في مدينة

د. ليلى بركات: نريد أن تصبح الثقافة قطاعا اقتصاديا منتجا
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

أسماء وهبة

تصوير: أكرم عبد الخالق

 

انطلاقا من كون لبنان صلة وصل حقيقية بين الشرق والغرب، عرف "هذا البلد الصغير الفائق الأهمية" على حد تعبير متيرنيخ، سبع عشرة حضارة. أما العاصمة بيروت فاعتبرت إلى جانب مدينة بيبلوس "جبيل" من أقدم المدن الساحل اللبناني حيث عرفت الأبجدية الأولى واكتشفت حروفها الإثنين والعشرين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ومنها انتشرت إلى سردينيا وقرطاجة. وفي القرن الثالث الميلادي تحولت بيروت الى منارة حقوقية مع مدرسة بيروت للحقوق. إلا أن صعود هذه المدينة الفعلي لم يتحقق إلا في القرن التاسع عشر، حين تأسست فيها المدارس والجامعة وولدت فيها حركة صحافية "حرة" ناشطة لتصبح مطبعة العالم العربي. من هنا لعبت بيروت دورا متفوقا في انتشار الكتاب في الشرق، وهي تضم اليوم 400 ناشر ينشرون باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية. لذلك لم يكن غريبا أن تختار منظمة اليونيسكو بيروت مدينة عالمية للكتاب عام 2009 بعد ثماني مدن هي: مدريد، الأسكندرية، نيودلهي، أنتورب، مونتريال، تورينو، يوغوتا، وأمستردام.

 

وكان نجاح "يوم الكتاب العالمي" الذي أطلق عام 1996 سببا في تشجيع منظمة اليونسكو على تطوير فكرة عاصمة عالمية للكتاب. وبعد اختيار مدريد عام 2001 أول عاصمة عالمية للكتاب، قررت منظمة اليونسكو في مؤتمرها العام أن تحول تسمية مدينة عاصمة عالمية للكتاب إلى حدث سنوي دائم.

 

تعريف باللقب

 

ماذا يعني لقب "عاصمة عالمية للكتاب"؟

تجيب المنسقة العامة لمشروع بيروت عاصمة عالمية للكتاب د. ليلى بركات: "هو لقب تمنحه منظمة اليونسكو لمدينة ما، إعترافا لها بنوعية برامجها الرامية إلى تعزيز صناعة الكتب والقراءة، وتقديرا لتفاني جميع الناشطين فيها في مجال القراءة والكتب".

وفي 3 تموز 2007 منحت لجنة الإختيار التابعة لليونسكو بيروت رسميا لقب "عاصمة عالمية للكتاب" لعام 2009. وقد ضمت هذه اللجنة حسب د. بركات، أعضاء من الإتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات ومكتبات ومندوبا عن اليونسكو. وقد قررت وزارة الثقافة وبلدية بيروت الشريك الأساسي لها في هذا المشروع، تنسيق جهودهما لإنجاح هذا الحدث كما تقول د. بركات. وتتابع: "ترتكز مقاربتنا لهذه المناسبة على رؤية تجديدية، أهمها دعم وزارة الثقافة للثقافة حتى تتحول إلى هيئة تنظيمية للأنشطة الثقافية. كما تهدف إلى تحفيز جميع المنظمات الثقافية على العمل، أي خلق دينامية ثقافية على الصعيد الوطني".

 

استراتيجية ثقافية

وخلافا للتقاليد في اختيار المشاريع ستوافق وزارة الثقافة بصورة إستثنائية على جميع المشاريع المتعلقة بسنة بيروت عاصمة عالمية للكتاب. وستتنبنى نهج الشراكة ساعية إلى جذب أكبر عدد ممكن من الشركاء مثل الوزارات والسفارات وغيرها. وستضمن أوسع مشاركة ممكنة من قبل الجمعيات الثقافية والمنظمات غير الحكومية والمثقفين، في سنة بيروت عاصمة عالمية للكتاب لإحداث تغيير كبير في المجلات الثقافية والتربوية كي لا يقتصر هذا الحدث على الترويج والتسويق. وتهدف هذه الإستراتيجية حسب د. بركات "لأن تكون إطارات للأنشطة الثقافية والإعلامية والإعلانية المتعلقة بحدث بيروت عاصمة عالمية للكتاب".

 

أهداف الإستراتيجية

تلخص د. بركات أهداف استراتيجية مشروع "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" على الشكل التالي:

 

أولا: دعم قطاع الكتاب في لبنان من تأليف وإنتاج وتوزيع، مع إعطاء الأولوية للإبداع، ورفع مستوى الطباعة والنشر، والتوسع في صناعة الكتاب وتسويقه، وزيادة توزيع الكتب في السوق اللبنانية من خلال شبكة المكتبات العامة، ونشر الكتاب في الخارج من خلال المشاركة في المعارض والمناسبات الثقافية. كما ستحظى كتب الأطفال بإهتمام خاص لما لها من تأثير على رفع نسبة القراءة.

 

ثانيا: تشجيع المطالعة في الأماكن العامة مثل المكتبات العامة والمدارس بهدف الترويج للكتاب ومؤلفيه لدفع القراء لإرتياد المكتبات بإنتظام.

 

ثالثا: تبني مقاربة متنوعة للثقافة من خلال التعريف بالإرث الثقافي اللبناني وإثرائه، ورعاية أحداث ومناسبات أدبية وفكرية تعبر عن إنفتاحنا على الحضارات العالمية ، ما سيعزز موقع بيروت كمركز للتبادل الثقافي والحوار الحضاري.

 

نشاط الإستراتيجية

 

بحسب د. بركات، تنطلق مجموعة الأنشطة التي نظمتها وزارة الثقافة ضمن إحتفالية بيروت عاصمة عالمية للكتاب التي تنطلق في 23 نيسان 2009 وتستمر حتى 23 نيسان 2010 من: "الترويج لسنة بيروت عاصمة عالمية للكتاب، وإعطاء الأولوية للاعلام اللبناني لتغطية أنشطة بيروت عاصمة عالمية للكتاب، وضمان التنمية الثقافية المستدامة من خلال شراكة مستمرة مع الوزارات المعنية. وبالطبع إبراز وجه بيروت الثقافي بعد سنوات طويلة من الحرب ، ودعم الثقافة كقطاع إقتصادي قابل للإستمرار، وهو ما يشكل تحديا إقتصاديا لوزارة الثقافة". وتقول د.بركات: "نحاول فعل ذلك عبر دعم معارض الكتب وأسواقها، والسعي لعقد شراكات مع مانحين دوليين للحصول على مساعدة فنية من خبير ثقافي دولي وآخر محلي في مجال تقديم المعايير المرجعية للسياسات الثقافية المتبعة في مختلف الدول".

من ناحية أخرى تؤكد د. بركات على أهمية تعاون وزارة الثقافة مع سفارات دول العالم كافة في إحتفالية "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"، عبر إقامة "أسبوعا السفارات" لعرض الإنتاجات الأدبية العالمية المختلفة. كما تؤكد على ضرورة تعاون وزارتي الثقافة والتربية والتعليم العالي لتطبيق برنامج التواصل لما بعد سنة "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" لوضع سياسة تحث الطلاب على القراءة.

 

تمويل المشروع

على خط آخر يبرز موضوع تمويل مشروع بيروت عاصمة عالمية للكتاب والذي تحصره د. بركات بأربعة مصادر تمويلية هي: "موزانة الدولة اللبنانية، بلدية بيروت، والقطاع الخاص الذي يتم تشجيعه على مشاركتنا ليس كممول فقط بل كشريك مباشر من خلال إنتاج الكتب بنفسه. ومثال على ذلك تتوجه حملة تحمل اسم (قدموا لبيروت كتابا) نحو المصارف والمؤسسات التجارية الكبرى لتدعوها الى إنتاج كتب عن مدينة بيروت وتوزيعها عالميا. أما المصدر الرابع فهو السفارات الأجنبية بحيث تقوم كل سفارة بتمويل أنشطة ترويج لكتبها ومؤلفيها. والهدف من كل ذلك هو استرجاع بيروت دورها الإقليمي والعالمي في الثقافة، وبخاصة عندما يلعب المثقفون والمنظمات الثقافية دورا أساسيا في هذا المشروع بتحفيز من الدولة.

 

روزنامة الحدث

 

بعد وضع إستراتيجية الحدث وتحديد أنشطتهـ لم تتأخر وزارة الثقافة اللبنانية في إطلاق "الروزنامة الأولية لبيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009" قبل استقبال بيروت الشعلة من أمستردام. وتسعى المنسقية العامة لهذا الحدث لإعادة بيروت مركزا لصناعة الكتاب، وتشجيع المطالعة التي باتت مشكلة إجتماعية عامة في لبنان والعالم العربي، والترويج للكتاب ومؤلفيه، وتحريض القارىء على تذوق متعة القراءة. لذلك كانت "الروزنامة" إيذانا بإطلاق المبادرة، والبدء بالنشاط الذي يرجى منه إثارة الحيوية في المشهد الثقافي اللبناني.

ولعل من أبرز فعاليات بيروت عاصمة عالمية للكتاب افتتاح "حوار التصاميم" الذي تنظمه السفارة الأسبانية في لبنان، وهو معرض يضم أكثر من 450 كتابا تم نشرها في أسبانيا لإبراز أفضل الكتب الأسبانية التي تتمتع بتصاميم إبداعية. وهناك نشاط "شعريات" الذي سيدعى إليه الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف وعدد من الشعراء الفرنسيين للمساهمة في "لقاء بيروت" وإقامة تظاهرات حول الشعر، وهو من تنظيم السفارة الفرنسية. كما ينعقد مؤتمر دولي بعنوان "قصتنا قصة: حول أدب أطفال اليوم"، ويطلق إصدار "بيروت رواية بيروت" وكذلك تطلق مجموعة قصصية للشباب بعنوان "معرفة التراث الللبناني". وتستضيف بيروت شعراء من العالم العربي يشاركون في مهرجان الأرز الشعري. كما أن هناك مشروع لتحويل المكتبات الخاصة إلى عامة ووضعها في تصرف الجمهور، ودعوة كبار الكتاب الفرنكفونيين إلى بيروت لمناقشة عمل أدبي كبير لكاتب فرنكفوني عريق لم يتم تحديده بعد. وتتضمن الرونامة مشروع "إرث ينبعث من جديد: إعادة طباعة 130 كتابا قيما أتلفها عدوان تموز 2006"، وإطلاق ترجمة كتاب لاتيني مطبوع في العام 1662، وإصدار كتاب عن الهوية اللبنانية، وإقامة معرض "أسرار الكتاب: من ولادة المشروع إلى تصنيع الكتاب" وإطلاق المهرجان اللبناني للكتاب.

تلك هي بعض من النشاطات التي وضعتها وزارة الثقافة في روزنامة "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" والتي تعد روزنامة طموحة تهدف إلى دفع عجلة الحركة الثقافية في لبنان. فهل تستطيع بيروت أن تتفوق على مدريد العاصمة العالمية الأولى للكتاب؟

 

آراء ثقافية

سؤال لا بد من طرحه: كيف يرى المثقفون حدث "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"؟

ترى الناشرة ومديرة "دار الآداب" للنشر، السيدة رنا إدريس أن اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب هو حدث فريد، يؤكد على ريادة بيروت في مجال النشر وصناعة الكتاب. وتقول: "تتميز صناعة الكتاب في لبنان بتقنية عالية من ناحية الحبر والورق وغيرها من المواد التقنية. إلا أن الجانب الأهم والذي كان سببا في اختيار بيروت المدينة العربية كعاصمة عالمية للكتاب، هو هامش الحرية الكبير الذي تتمتع به على صعيد النشر مقارنة بباقي الدول العربية، حيث لا يتدخل الرقيب الرسمي في إصداراتنا، ولا يبادر إلى منعها أو حذف أجزاء منها. وهذا هو صمام أمان الإبداع الأدبي".

لكن ادريس ترى أن على وزارة الثقافة استغلال هذه المناسبة لزيادة دعم الكتاب، "لأن في الفترة الماضية كانت الوزارة تدعم النشاطات المواكبة لإصدار الكتب وليس الكتاب نفسه. على كل حال، نحن في حاجة إلى دعم اعلاني من وزارة الثقافة التي من خلالها نستطيع أيضا بيع كتبنا للقراء بأسعار أقل".

 

رأي خارج عن السياق، هو رأي الكاتبة رحاب ضاهر التي لا تؤمن بأي من هذه النشاطات التي نسمع عنها أكثر مما نشاهد نتائجها، لتبقى نوعا من "البرستيج" الذي يقدس الأسماء الأدبية الكبيرة أو التي كبرت بفعل أقلام ليس لها جمهور. وتتابع ضاهر: "من هنا لا أعتقد ان ما يقال عن انشطة وندوات ستقدم أي جديد أو دعم للكتاب الشباب، لذلك لا أهتم بكل ما يحكى عن عالمية الفن والثقافة العربية الذي يبقى ضمن "الضحك على الذقون"، لأننا لا زلنا في اخر الطريق حتى نكون جزءا من منظومة ثقافية عالمية". وتختم ضاهر "قبل التفكير في العالمية يجب أن نفكر في التواصل مع القارىء المحلي"!