العدد الواحد والاربعون - نيسان

عيد النوروز الأصل التاريخي والأسطورة

سونيا سليمان
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

في كتاب "عيد النوروز: الأصل التاريخي والأسطورة"، يقدم الكاتب عبد الكريم شاهين عرضا لرؤية تاريخية في أصل عيد النوروز الذي كثرت الأقاويل والتساؤلات حوله، وتعددت فيه التكهنات التاريخية.

في هذا الكتاب، تتبين الصورة وتتضح لمن لم ير العيد إلا وفق منظور ضيق. إذ يتبين للقارئ معانيه التاريخية ومروره في مراحل تاريخية متعددة منذ القدم وحتى يومنا الراهن. نوروز أو نيروز ، كلمة مركبة من (نو :بمعنى جديد ، وروز بمعنى يوم ) . وعن أصل الكلمة، يذكر الشاعر والفيلسوف المعرّي أثناء حديثه عن عبث الخليفة الوليد، بأن النيروز كلمة معربة ولم تستعمل إلا في دولة بني العباس. أما الدكتور محمد التونجي أستاذ اللغة الفارسية في جامعة حلب، فيقول ما يلي : "النيروز عيد الربيع وأول السنة الشمسية لدى الفرس، يبدأ عادة في 21 آذار ونطقه الأصلي بالواو (نوروز) ولكن العرب عربوا اللفظ (نيروز)، والفعل نورز والجمع نواريز. ويقابل معنى كلمة نوروز، معنى كلمة نيسان العربية والتي لها في الإيرانية القديمة أي اللغة البهلوية (إحدى اللغات الإيرانية القديمة) مقابل هو (ني ) أو (نوي) أي الجديد، و(أسان) التي تعني اليوم، فيصبح المعنى "اليوم الجديد" ، لأن شهر نيسان كان رأس السنة لدى الشعوب السامية القديمة. ويقابل كلمة "النوروز" في اللغات الهندوأوروبية كلمة (NEUSYARES) كما في الألمانية والإنكليزية NEW واللاتينية والإغريقيةnews ، ونو بالكردية. أما في اللغة السومرية القديمة فهي (itu-barag-yag)، وهي تعني شهر المزار المقدس وشهر البدء بالسنة الجديدة وهو يوم الاعتدال الربيعي" .

أسطورة النوروز كانت وما زالت ترددها الجدات على مسامع الأبناء بأشكال متعددة. وما بين أيدينا في هذا الكتاب يدحض البعض منها ويؤيد البعض الآخر. اذ يعرض منها الكاتب ما مر خلال سنوات طويلة في التاريخ، فمنها ما هو محض خيال والآخر نزوح إليه. يبدأ الكاتب من إيران وحكايا الجن والملوك وحقبة المتصوفين وعلاقة النوروز بالدين وقداسته لدى بعض الشعوب، واعتباره عيدا له علاقة بالطبيعة والربيع والفرح لدى شعوب أخرى. فمثلاً الإيرانيون القدماء يعتقدون بأن الله خلق النور في هذا اليوم، وفيه ظهرت الشمس. والهنود الآريون يعتقدون أن الكواكب خلقت جميعها في أول برج الحمل. وبالكردية يقال (روج - ROJ) لليوم أو النهار، أما الشمس فيقال لها روك - ROK وتعني كلمة "نوروز" الشمس الجديدة أو الحقيقة الساطعة. وقد أشار إلى هذا المعنى الشاعر العربي إمرؤ القيس . وتقول الحقائق التاريخية بوجود سمات مشتركة في العقائد، والأساطير بين الشعوب السامية وغير السامية . ونضطلع مع الكاتب على مراسيم نوروز وطقوسه عند شعوب المنطقة، فملوك الفرس والعجم والساسانيين وملوك الشرق، يحتفلون بتلك المراسيم منذ العهد الأسطوري القديم. فكان موكب الملك جمشيد يحمل على عربة منذ ساعات الفجر الأولى ويتقدم على الموكب ألف فارس يرتدون مآزر بيضاء وخوذات من ذهب ويركبون أحصنة بيضاء ومن خلفهم تسير عربة حاملة عرش النار المقدسة. وكان الكهنة أيضاً يرتدون الثياب البيضاء ويرافقهم (365) فتى بعدد أيام السنة. ويعرض لنا الكاتب طقوس النوروز في الأدب الفارسي والعربي وفي العهد الأموي والعباسي و في الأدب العربي الحديث. فقد تغنى الشعراء الفرس، والأتراك، والأكراد، والعرب بفصل الربيع ونظموا قصائد سموها بقصائد" بهارية"، نسبة إلى كلمة "بهار" وتعني الربيع بالفارسية والكردية. وبدأ ذلك في العهد الإسلامي (الدولة السامانية) حين بدؤوا بتهنئة الأمراء السامانيين وغيرهم بعيد نوروز. وقد هنأ الشاعر الشريف الرضي بهاء الدولة بالنوروز في قوله :

وأنعم بذا النيروز زوراً نازلاً ومنتظره

آل بويهٍ أنتم الأمطار والناس الخضره 

وقد تغنى الشعراء الفرس بعيد النوروز في أواخر القرن السادس الهجري، لدرجة أن ملك شاه السلجوقي أراد أن يصلح التقويم الإيراني، فطلب من عمر الخيام القيام بذلك، ما دفع بهذا الأخير إلى تأليف كتاب سماه (نوروز نامه) ، يتناول موضوعه عيد نوروز ومراسيمه . كما كتب عن نوروز الشاعر الفارسي الكبير سعدي الشيرازي في روضة الورد )كلستان)، وكان لحافظ الشيرازي كتابات في المناسبة .

أما شعر النوروز في الأدب العربي، فجاء بعد قيام الدولة العباسية التي قامت على أكتاف الأعاجم، حيث كان الخلفاء والأمراء يتلقون الهدايا ويتبادلونها في العهدين الأموي والعباسي . ويعتبر الحجاج بن يوسف الثقفي أول من قدم هدايا النوروز في الإسلام، واستمر ذلك إلى عهد أحمد بن يوسف الكاتب وقد أهدى للمأمون سفط من الذهب، وبلغت قيمة الهدايا التي حملت إلى معاوية بالشام عشرة ملايين درهم . وقد تغنى شعراء كثيرون في العهد العباسي بعيد النوروز أمثال البحتري، الشريف الرضي، المتنبي، ابن الرومي، أبو تمام ، ابن المعتز وغيرهم. وفي الأدب العربي الحديث استخدم بعض الشعراء مناسبة نوروز، رمزاً كفاحياً وتحررياً للشعوب ضد الاستعمار وأعوانه. ومن هؤلاء الشاعر بدر شاكر السياب في قصيدته "وحي النيروز"، داعيا ًإلى تكاتف الشعبين الكردي والعربي ضد مخططات الاستعمار في المنطقة . ونذكر منها :

 طيف تحدى به البارود والنار ما حاك طاغ وما استنباه جبار

ذكرى من الثورة الحمراء وشحها بالنور والقانئ المسفوك، آذار

في هذا الكتاب "عيد النوروز- الأصل التاريخي والأسطورة"، الصادر عن دار الزمان للنشر بدمشق، يعرض الكاتب مجموعة من القصص والأساطير النوروزية التي مرت على الأجيال، كاشفاً من خلالها المعاني التاريخية لهذا العيد ولطقوسه.

 

سونيا سليمان