العدد الواحد والاربعون - نيسان

شجرة الحياة في التراث البابلي والتوراتي

الاب سهيل قاشا
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

في العام 587 قبل الميلاد سبى نبوخذ نصر أكثر من أربعين الف نسمة من يهود أورشليم الى عاصمته بابل ومكثوا هناك الى العام 539 ق.م. وكان بينهم الأمراء والكهنة والكتبة والمثقفين، فبهرتهم عظمة بابل بقصورها ومعابدها وحدائقها، والأكثر، تراثها الفكري والروحي. فاستفادوا من طروحاتها الثقافية والأخبار المتداولة في حضارة بلاد الرافدين: فاطلعوا على قصيدة الخلق الأولى (اينوما ايليش) وملحمة كلكامش، ونشيد الزواج المقدس وشريعة حمورابي وغيرها من الكتابات السومرية الأكادية، ثم البابلية والآشورية.

نعم، عرفوا ملحمة كلكامش وما تحمل بين طياتها من كلام عن مصير الانسان، ومن بين سطورها عرفوا الطوفان الذي كاد يفني الخليقة بسبب الخطيئة. وقرأوا عن البطل اتراحسيس (الذكي جداً) الذي روى ان الآلهة خلقوا البشر لكي يخففوا عن الآلهة الصغار عناء العمل لإطعام الآلهة الكبار.

كما أنهم تمعنوا في القصيدة البابلية التي تدور أحداثها حول الخلقة ونقصد بها (الاينوما ايليش) التي يبدأ مطلعها (لما في العلاء لم يكن سماء) إنطلقت من الفوضى الأولى "توه وبوه" فعظّمت الاله مردوخ، إله بابل الأعلى الذي دحر تيامات، إلهة البحر، ثم نظم الخلق والخليقة كل في مكانه.

من مثل هذا الخبر انطلق سفر التكوين في فصله الأول، فأرانا الرب بفضل النور عن الظلمة، والماء عن اليابسة، وزيّن السماء بسرج ومنارات هي الشمس والقمر والكواكب. ولكن كل هذا بدأ بفعل إيمان رائع: "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (تكوين 1:1).

رموز عديدة وصور أخذت من الأدب الرافديني. وهناك الحية ودورها في خسارة نبتة الحياة التي كان بإمكانها أن تمنح كلكامش الخلود. وجبلة الانسان من تراب الأرض، وصورة نوح الذي لم يصر خالداً مثل اوتونابشتيم بطل الطوفان البابلي. والشجرة، شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، من أين ينطلق رمزها وكيف وصلت هذه الصورة الى سفر التكوين في فصله الثاني؟

 

 

كلكامش ونبتة الخلود

 

إختبر البشر منذ مقتل هابيل بيد أخيه قائين أنهم مائتون، ومع ذلك بحثوا عن الخلود. في عدد من الأخبار القديمة، اعتبر "البطل" أن الموت أمر لا بد منه، هو في طبيعة الأشياء، فلا يبقى له سوى الخضوع. في هذا المجال، قالت صاحبة المقهى (الحانة) لكلكامش الباحث عن الخلود:

حين الآلهة خلقوا،

جعلوا الموت للانسان.

والحياة احتفظوا بها في أيديهم.

وفي هذا المجال عينه، تحدّثت إحدى قصائد أوغاريت، دانيل وأقهات، عن هذا الانصياع الأساسي لدى الانسان أمام الموت. عرضت الالهة عناة على أقهات الخلود، شرط أن يعطيها قوسه السحرية، أما هو فما وقع في شباكها، بل دلّ على حكمته فقال:

لا تخدعي البطل بترهاتك

فأية آخرة ينالها الانسان؟

وأي مصير في المستقبل؟

يصبّون على رأسي شيئاً أبيض،

يصبّون الرماد على جمجمتي

بما أن الجميع يموتون، فأنا أموت.

أنا مائت، إذاً أنا أيضاً أموت.

 

وحده كلكامش رفض الانصياع لفكرة الموت. منذ البداية بحث عن الخلود. هذا الملك العظيم بنى أسوار اوروك. وطغى وتجبّر. فمن يوقفه؟ لا أحد بين البشر. فأمه هي الإلهة ننسون، وهو ملك ابن ملك. إشتكى البشر الى الآلهة، فخلقوا له انكيدو، هذا العائش وسط الوحوش في القيافي. وكان صراع بين الاثنين أملاً في أن يقتل انكيدو كلكامش، ولكن البطلان تصالحا وصارا صديقين حميمين.

وصعد كلكامش مع صديقه الى جبل الآلهة، الى غابة الأرز، بحثاً عن الخلود فانتظرهما الموت هناك عبر وحش "خمبايا" ولكنهما قتلا الوحش وعادا.

أحبّت عشتار كلكامش، العائد منتصراً الى أوروك، فرفض حبّها المتقلّب. أرسلت عليه وحشاً جامحاً فدمّر أوروك، ولكن البطل قهره. وساعة ظن كلكامش أن الموت لا يطاله، رأى صديقه انكيدو يموت موتاً بطيئاً في مرض سري. وكان البطل حاضراً في نزاعه، ضعيفاً لا يقدر أن يفعل شيئاً. حينئذ وعى أنه مائت. مع أن ثلثيه من الآلهة وثلثه من البشر.

وبدأ التحول لدى كلكامش: الموت أمامه. فبحث عن وسيلة ليفلت منه، وانطلق يطالب الانسانين الوحيدين اللذين لم يموتا في الطوفان: أوتونابشتيم وزوجته. أوتونابشتيم هو "حياة الأيام الطويلة".

في بداية الرحلة، بكى كلكامش صديقه ورفيق دربه انكيدو بمرارة وتاه في البراري، كما تقول القصيدة:

"انصتوا إليّ يا شيوخ أوروك. اسمعوني.

انني أبكي صديقي انكيدو،

أبكي بحرقة النساء الندابات،

...

من أجل أنكيدو، صديقه،

بكى كلكامش بكاءً مريراً هائماً في البراري:

ألن يدركني إذا مت، مصير أنكيدو؟

سكن الأسى فؤادي،

انتابني هلع الموت حتى همت في البراري

والى اوتونا بشتيم ابن أوبارا
-  توتو

إتخذت طريقي أخذت السير سريعاً".

 وتابع كلكامش المسيرة، فوصل الى سيدوري صاحبة المقهى، والمقهى في العالم الرافديني يقع على حدود المدينة، وفي نقطة الانطلاقة الى الخارج. وهناك يلتقي عالمان مختلفان.

وهكذا ترك كلكامش عالم البشر، بعد أن عبر جبل الشمس، وجاء يتدرّج لدى صاحبة الحانة، على أسرار العالم الجديد الذي يستعدّ لولوجه:

وصل كلكامش جبل ماشو

 الذي يحرس الشمس في قدومها وإيابها كل يوم

 وتناطح ذراه حدود السماء

وتمتد قواعده عميقاً نحو العالم الأسفل

يحرس بوابته البشر العقرب...

فدعا الرجل العقرب زوجه:

إن القادم إلينا من طينة الآلهة

فأجابت زوجة الرجل العقرب

ثلثاه اله وثلثه بشر

...

 

كانت سيدوري سيدة الحانة قد أغلقت الباب في وجهه خوفاً من أن يقتلها. فهدد بخلع الباب وتحطيم المصاريع وقال:

"أنا كلكامش، أمسكت بثور السماء وقتلته.

صرعت حارس الغابة

قضيت على خمبابا، ساكن غابة الأرز

 ذبحت الأسود في مسالك الجبال".

 فقالت له فتاة الحانة:

"إذا كنت كلكامش الذي قتل حارس الغابة إذا كنت من صرع خمبابا، ساكن غابة الأرز

وذبح الأسود في مسالك الجبال

وأمسك بثور السماء وقتله،

فلماذا أضمرت وجنتاك، واكتأب وجهك؟

لماذا توجع منك القلب وتبدلت الملامح؟

لماذا استقر الكرب في فؤادك؟"

وكان الجواب:

"أهيم في البراري كل حدب وصوب

فما لي من راحة، وما لي من سكون

وأنا، أفلا أرقد مثله

ولا أفيق".

ثم أردف كلكامش قائلاً لفتاة الحان.

والآن، أين الطريق الى اوتونابشتيم يا فتاة الحان؟

كيف المسير إليه؟

لأقطعن البحر ان استطعت

وإلا سأبقى هائماً في البراري (دهري)

ووصل كلكامش الى جزيرة الخلود حيث يقيم أوتونابشتيم، وقصّ له كيف وصل الخلود بعد الطوفان العظيم وقال له:

"أنظر اليك يا أوتونابشتيم

شكلك عادي، وأراك مثلي

فقل لي، كيف صرت مع الآلهة ونلت الحياة؟

فقال له أوتونابشتيم:

"كلكامش، سأكشف لك أمراً خبيئاً

وأطلعك على سرّ من أسرار الآلهة

وراح يقصّ على مسامعه خبر الطوفان بالكامل وما جرى له مع الآلهة التي أحبته ورفعته الى مصافها مع زوجته.

وهنا قالت له زوجته:

قالت لأوتونابشتيم القاصي.

لقد أتعب كلكامش نفسه وأضناها في الوصول إلينا،

فما عساك تعطيه (يحمله) عائداً إلى بلاده؟

فقال له أوتونابشتيم:

"قد أتعبت نفسك في الوصول إلينا ، وأضنيتها.

سأبوح، لك بأمر خبئ،

وأطلعك على سرّ من أسرار الآلهة.

هناك نبتة تشبه الشوك

تخزّ يدك أشواكها كما الورد

فإذا جنت يدك تلك النبتة، وجدت حياة جديدة. فلما سمع كلكامش هذا فخ (القناة) ربط الى قدميه حجراً ثقيلاً، جذبه غائصاً الى الأعماق، هناك رأى النبتة.

أجتثها، وخزت يداه.

حلّ عن قدميه الحجر الثقيل

فرماه البحر على الشاطئ

حينئذ قال لأورشنابي:

"إنها لنبتة عجائبية يا أورشنابي

بها يستعيد الانسان قواه السابقة.

سأحملها معي الى أوروك المنيعة، وأعطيها للشيوخ يقتسمونها.

وأسميها رجوع الشيخ الى صباه

ولسوف آكل منها (ايضاً) فأعود الى شبابي وقفل كلكامش راجعاً الى أوروك...

وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة، حلّ الليل، ورأى كلكامش بركة، ماء بارد. نزل فيها واستحم بمائها. فتشممت أفعى رائحة النبتة. وتسللت خارجة من الماء وخطفتها. وفيما هي عائدة، تجدد جلدها.

وهنا جلس كلكامش وبكى فاضت دموعه على خديه، وبعد كل هذا التعب الذي تعبه، والدماء التي سالت منه. فما بقي أمام كلكامش سوى الموت الذي ينتظره... وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا لقضاء الليل، وعندما وصلا اوروك المنيعة... فقال كلكامش لأورشنابي الملاح:

"أي اورشنابي. أعل سور أوروك، امش عليه، إلمس قاعدته، تفحّص صنعة آجره"...

وهنا تنتهي ملحمة كلكامش التي كشفت لنا عن نبتة (شجرة) الحياة التي انتقلت الى سفر التكوين في التوراة وصارت النبتة شجرة.