العدد الواحد والاربعون - نيسان

بعد أن أهدى ديوانه "يعرفك مايكل أنجلو" الى الراحل الكبير محمود درويش

زاهي وهبي ل"تحولات": شعري نوع من البوح الذاتي والورقة البيضاء كرسي إعتراف
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

 

أسماء وهبة

 

تبدو تجربة الشاعر والإعلامي زاهي وهبي أكثر نضجا وعمقا مع إصداره الأخير "يعرفك مايكل أنجلو". فهو يحرص في نصوص كتابه على الإفادة من مخزون ذاكرته الكائن في الريف اللبناني القادر أكثر من غيره على التعبير عن زاهي الإنسان، على الرغم من حضور مدينته الحبيبة بيروت وربما روما وفلورنسا وفيينا وسالزبورج بكل فتنتها في نصوصه. كما أنه لا يخفي سنوات عمره بل يحتفى بها ويجعلها أساس عمله، ومن خلالها ينجح بامتياز في استعادة طفولته دون تكلف، جامعا بين الحب والرثاء، وبين الريف والمدينة. لذلك، يمكن القول أن البساطة والعذوبة هما أهم سمات ديوان "يعرفك مايكل أنجلو" الصادر عن الدار العربية للعلوم ومنشورات الإختلاف. ويؤكد زاهي من خلاله عشقه للحياة واحتفائه بالناس والأصدقاء، وسعادته بتجربة الأبوة التي اختبرها مؤخرا.

"تحولات" التقت الاعلامي والشاعر زاهي وهبي الذي تحدث بإسهاب عن ديوان "يعرفك مايكل أنجلو" ليأخذها في رحلة سحرية إلى أرض شعرية سهلية لا تعرف النتوءات.

 

هل انطلقت في ديوان "يعرفك مايكل أنجلو" من تجربتك الخاصة إلى الفضاء العام؟

يتشكل الشعر في المنجم الذاتي للشاعر الذي ينصهر فيه ثم يخرج إلى العلن حاملا معه ملامح التجربة الذاتية. وبقدر ما يكون الشاعر صادقا في توصيف نفسه، بقدر ما ينجح في التواصل مع الآخر. لذلك من الطبيعي أن يمتزج الشعر خصوصا والإبداع عموما بالفردية والذاتية اللتين تشكلان جوهر العملية الإبداعية.

 

ماذا عن الصور الإنسانية التي تملأ الديوان حتى يغدو كأنه عبارة عن قصيدة واحدة؟

من الصعب على الشاعر أن يطرح تجربته بحياد وموضوعية. وربما أوافق على ما تقولينه، وقد أحسست به عندما قرأت الكتاب مثل أي قارىء آخر. ولكني أعتبر أن الإنحياز للقضايا الإنسانية من صلب العملية الإبداعية. كما أن الإبداع لا يمكن أن يستحق صفته إذّا لم ينحز للإنسان في مواجهة الضغوط الحياتية التي يتعرض لها. كما أن هذه الصور يرسمها أقرب الناس للشاعر، وهم أهله وأصدقائه وأمكنته، فما بالك بمكاني الأول الذي هو الجنوب بكل ما أورثني من سمات وصفات وشحنات وجدانية ونفسية ومعنوية.

 

تؤكد دائما أن الشعر الحقيقي مازال موجودا، في حين أن تأثيره محدود وينحصر في النخبة. برأيك كيف يحافظ الشعر على حيويته؟

منذ البداية اختلفت تجربتي عن ما يسمى بجيل التسعينات الذي أنتمي إليه، لأنني كتبت قصيدة لا تشبه إلا نفسها وصاحبها. وعلى الرغم من أني أكتب قصيدة النثر التي تعد جزءاً من الموروث الشعري العربي، إلا أن مناخها وبنائها ومخزونها الإنساني أقرب إلى قصيدة التفعيلة أو ما يسمى بقصيدة شعراء الجنوب، أو شعراء فلسطين، وخصوصا محمود درويش الذي أهديته كتاب "يعرفك مايكل أنجلو"، لأنه صاحب الأثر الكبير على تجربتي الشعرية.

 

ماذا عن الموسيقى الموجودة في قصائدك؟

لا أعرف ما هو سبب هذه الموسيقى، لكن ربما هي محاولة لكسر الشجن الذي أعتبره مثمرا. ووظيفة الشاعر أحيانا اصطياده وتحميله لنصه. لذلك أوافق على فكرة وجود إيقاع ما في قصائدي، حتى أني أعمد إلى كسر بعض الجمل والصياغات الشعرية الموزونة بإضافة كلمة أو مفردة لتغيير تركيب الجملة كي تبقى القصيدة نثرية بامتياز. إلا أن هذا الإيقاع هو جزء من انتماء هذه القصيدة إلى شجرة الشعر العربي. ومن المفارقة أن كثيرين من شعراء قصيدة النثر تأثروا بقصيدة النثر الأجنبية الإنجليزية أو الفرنسية. كما تأثروا أحيانا بقصائد النثر المترجمة إلى اللغة العربية، وبالتالي أصبح مرجع قصائدهم في مكان آخر خارج الشعر العربي.

 

تصنف على أنك من شعراء الجنوب، وقد كتبت قصائد عديدة عن أرض الجنوب. كيف تستطيع أن تقدم صورا مختلفة للمكان ذاته؟

في كل مرة أكتب عن الجنوب، أتمنى أن أقدمه بصورة مختلفة ومغايرة عن المرات السابقة. فأنا أراه من عدة زوايا بحكم تقدم التجربة والعمر واتساع المسافة الزمنية. ومن ناحية أخرى، هو مكان الذاكرة الأولى والوعي الأول. ولكن كلما اتسعت المسافة الزمنية بين الماضي والحاضر، تغيرت نظرتي إلى الجنوب فبت أراه بتجرد أكبر وفهم أوسع. اذ أن الزمن يعطينا فرصا أكثر للتأمل في معنى المكان وأهميته وسماته حتى لا يعود حاضرا بصيغته الجغرافية. لذلك لا يحضر الجنوب في قصيدتي كمنطقة ريفية أو مخزون طفولي، بل كموضوع ومعنى يتجاوز الجغرافيا.

 

تتميز قصيدتك بتلاحق الصور الشعرية. ألا تخاف من ضياع القارئ وسطها؟

تتميز قصيدتي بتدافع الصور الشعرية، وهذا أحد مرتكزات نصي الشعري. ولكنها صورة غير مفتعلة أو مجانية أو متكلفة، بل تأتي في السياق الطبيعي العام للقصيدة. وأحيانا قد تتعب هذه الصور الشعرية بعض القراء، ولكن الشعرعادة يحتاج إلى عدة قراءات حتى يفهم. كما يحتاج أيضا إلى نوع من التواطىء بين المرسل أي الشاعر والقارىء. لذلك يجب أن يقبل عليها المتلقي مع استعداد نفسي ومعنوي مسبق لبذل جهد حتى يدخل إلى ثنايا اللعبة الشعرية. وبالطبع عند كل قراءة يكتشف معان جديدة .

 

انطلاقا مما قلت، هل يمكن تصنيف الشعر إلى نخبوي وآخر شعبي؟

ليس مهما إذا كانت صفة الشعر نخبوية أو شعبية. فهناك شعر إنساني يعبر عن مضامين إنسانية  تقترب من الذات وتعبر عن عن النفس بشفافية وحساسية عالية. وأنا أنحاز لهذا الطابع من الشعر الذي يلامس شريحة واسعة من القراء، من دون أن يشكل الأمر هاجسا لي. يجب على الشاعر أن يتحرر من كل سلطة بما فيها سلطة القارىء عند كتابة نصه، وأن يكون عاريا في مواجهة الورقة البيضاء، وأن لا يدع أي نوع من الرقابة تتدخل بينه وبين نصه الشعري. أما علاقة الشاعر بالقارىء فتأتي لاحقا عندما تصبح القصيدة جزءا من كتاب.

 

يقال أن أفضل الشعر هو ما يكتب عن فعل الحياة اليومي. أي دور للشعر ترى اليوم؟

للشعر دور دائم طالما هناك حياة وفرح وحزن ودمعة وابتسامة، وعاشق ينتظر في مقهى أو عند ناصية الشارع أو تحت شرفة. فدور الشعر أن يعبر عن كل هذه الحالات، وأن يكون صوتا للناس والأمكنة والبشر والشجر والحجر. مرة، سمعت فلاحا جنوبيا يقول أنه لا يبكي بيته الذي هدمته الطائرات الصهيونية في حرب تموز لأنه يستطيع بناء بيت آخر على الرغم من أعوامه السبعين، لكنه كان يبكي شجرة قطعت، زرعها منذ أربعين عاما ويعرف أنه لن يعيش أربعين عاما ليزرع شجرة أخرى رافقها وصادقها طوال حياته. هنا يأتي دور الشعر، ليزرع لهذا الفلاح شجرة في الوجدان والخيال والذاكرة.

 

كيف يقرأ زاهي وهبي قصيدته؟

في ديوان "يعرفك مايكل أنجلو" نص "كعازف يحتضن كمانه"، أشعر أنه يكتبني كما كتبته. ومن الصعب جدا الحديث عن الذات نثرا أو جهرا، ولكني أجيد تماما التعبير عن نفسي شعرا. ولعل الكثير من شعري هو نوع من البوح الذاتي، فتتحول الورقة البيضاء إلى كرسي إعتراف أبثها نفسي كما هي، بلا رتوش أو محسنات.

 

 

نشهد اليوم تداخلا بين الشعر والنثر وجدلا حول قصيدة النثر والتفعيلة، في حين يميل القارىء إلى قصيدة النثر بسبب سهولتها. أين أنت من هذه المسألة؟

أنا بعيد عن التصنيفات، رغم أني بطبيعة الحال أنحاز إلى قصيدة النثر. وأنا سعيد بإشارتك إلى ميل القارىء إلى قصيدة النثر لأنها قادرة دون غيرها على التعبير عنه. أما السؤال البديهي: لماذا يحق لكل أدوات الحياة والتعبير أن تتغير، فيما على الشعر وحده أن يبقى أسير البحور والأوزان التي هي قواعد لاحقة على الشعر وليست سابقة عليه، وولدت من رحم الشعر الذي كتبه القدماء؟ على أي حال، كل جديد متهم ومدان، وقصيدة النثر تبقى متهمة ومدانة لدى البعض رغم مرور أكثر من نصف قرن على ولادتها!

 

يعيش بعض الشعراء هاجس نضوب الموهبة وتوقف ما يسمى ب"الوحي" الشعري. ماذا عنك؟

بطبيعة الحال أنا أعيش الكثير من الهواجس التي يمر فيها الشعراء. لكن هناك بعض التجارب التي تستهويني وأنحاز إليها لأنها تدعو إلى الأمل والتفاؤل مثل تجربة الشاعر الكبير محمود درويش الذي ازدادت قصيدته نضارة وشفافية وعمقا مع تقدمه في السن. أما مسألة نضوب الشعر، فهي تعود إلى الشاعر: هل يريد أن يحاصر نفسه وتجربته في إطار زمني محدد؟ هل يريد أن يكون شعره وليد زمن الفتوة والشباب الأول ومراحل التدفق العاطفي والإنفعالي والوجداني وحماسة الشباب فقط؟ برأيي يجب أن يتصالح الشاعر مع كل المراحل التي يمر فيها كي يطوع قصيدته بدلا من أن يخضع لمنطق الزمن ويجعل قصيدته طوعا له! وأنا من الذين يحاولون قدر الإمكان تطويع المراحل الزمنية والتجارب بكل ما تحمله لمصلحة النص الشعري.

 

 

هل القصيدة كائن سهل التطويع أم هي تحدي يدخله الشاعر؟

أشبه القصيدة بالحصان غير المروض، وعلى الشاعر ترويضها باللغة والمفردات والصور الشعرية الفالتة في هذا العالم، ليقدمها في هذا القالب المسمى قصيدة التي تشكل تحديا دائما للشاعر. كما أن بعض الشعراء يمرون في حالات اكتئاب وإحباط بعد نشر كتبهم وولادة قصائدهم، خوفا من أن تكون الأخيرة.