العدد الواحد والاربعون - نيسان

الشاعر منذر المصري ل"تحولات": خيانة الوصايا هي الواجب الأول للمبدع

حوار: سلام الزبيدي
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

كانت لدي قناعه تامة، قبل الإعداد لهذا الحوار، بأنه سيأتي بصورة غير نمطية، واعتقدت أن ذلك يتحقق بطرح أسئلة! فهل نجحت؟ منذر المصري شاعر يفكر باللغة ولا يزال. هو شاعر سردي إلى درجة مبالغ فيها، وهو ليس الشاعر السعيد كما يقول عباس بيضون، وهو الشاعر والرسام المتمرد الذي لا ينتمي إلى أي من اتحادات الكتاب أو نقابة الفنون الجميلة. "تحولات" التقت الشاعر منذر المصري في اللاذقية وتحديداً في مرسمه الكائن في شارع الأمريكان، وكان معه هذا الحوار .

-  انظر كيف تغيرت. كان الجميع متفقاً على أني لا أولي اللغة أي اعتبار. وكنت أنا نفسي أجاريهم في هذا، مؤكداً أن شعري شعر معنى، شعر أفكار، وليس شعر لغة. شعر كلمات منتقاة وتراكيب وتنميقات. وكأنني كنت مضطراً أن أقول إن اعتنائي باللغة يأتي من كونها وسيلة، فببساطة لا أحد يستطيع أن يصنع شيئاً دون وسيلة. وبقدر ما تتحسن الوسائل والأدوات بقدر ما يتحسن الأداء وتتحسن النتائج. وهذا يصح في حقل الكتابة مثله مثل أي حقل إنساني آخر.. قلت تغيرت، لا ريب، ولكن أيضاً تغيرت نظرة الآخرين لشعري، وتغيرت أحكامهم عليه! كأن عملي الخفي على لغتي منذ البداية تكشف لهم ، منذ (آمال شاقة) وذلك التقديم الذي يتصدره (اشد ما أكرهه في اليأس، سهولته) وقصائد مثل: (في الصيف لا ترتدون الملابس الخفيفة) و(أديم الأرض)، وكذلك القصائد باكرة من (بشر وتواريخ وأمكنة) مثل:(إذا رأوك وأنت تنتعل شاروخاً) أو(صرفت سهرة عيد الميلاد) كلها قصائد ذات بنية لغوية واضحة. ولكن عن أي لغة نتكلم؟ بأي مفهوم وأي طبيعة؟ كنت وما زلت أرى أن للشعر واللغة طبيعتين مختلفتين، وإرادتين مختلفين، يتصارعان ويتضافران، يجتمعان ويفترقان، فقد خبرت كيف أن اللغة تلوي عنق الذات، وتحجب التجربة الحياتية. وهذا ما لم أدع شعري ينزلق إليه، رغم ذلك التغيير الجلي الذي طرأ عليه في (الشاي ليس بطيئاً) وبدا أشد ظهوراً في (من الصعب أن أبتكر صيفاً).

كنت أفكر في اللغة وما أزال، ولكن التفكير باللغة، عن اللغة، وفي اللغة، أمر، وأن أكرس شعري وحياتي لخدمة اللغة أمر آخر. لأنه في النهاية، علي أن أجيب على هذا السؤال، ولو بشكل افتعالي، مثل كل صياغة لغوية أخرى: هل أنا كشاعر أعمل خادماً للشعر أم اللغة؟ 

-  جملة كهذه لا تريد أن تؤدي لشيء، حتى للسؤال! أريد أن أعترف لك أني لطالما اعتبرتها، وإن بدت أكثر طرافة من أن تكون كذلك، أحد محاور حياتي الرئيسية. في الحياة كما في الشعر كما في الحب: (الاكتشاف هو لذتها/ في العتمة حين تتعرى/ كأنه الفجر الأول) إنها تصور خطاً حلزونيا يدور حول نفسه، ليس للأعلى كما كان الياس مرقص يرسم بأصبعه مسار التاريخ، إنما للأسفل، للقاع، الذي لا يبدو أن له نهاية! ولكني إرضاء لك سأجيب عن سؤالك بصورة عمومية، بأني لم أعرف يوماً ما أكرس له حياتي وبالتالي لم أجده، أو ربما وجدته مرات عديدة، ولكني في كل مرة كنت أدوس عليه غير مبال، أو ربما التقطه وأتأمله برهة ثم أطوح به بعيداً. ثم هل توحي الجملة بأني حقاً أبحث عنه لأني أريد أن أجده؟

-  من زاوية ما، في تجارب عديدة (بولونيزات) مثلاً و(المطولات غير الشعرية)، أنا شاعر سردي إلى درجة مبالغ فيها. في أغلب قصائدي، حتى القصيرة، هناك روي، وهناك إكثار من الوصف، وكذلك من الحوار، وهي الأدوات المعروفة في النثر! وذلك لأني أعتبر أن النثر أفضل طريقة لكتابة الشعر، أكتب شعراً نثرياً، وبالتالي أنا شاعر نثري. غير أن كل هذا اعتبارات ونظريات، إن لم أقل إدعاءات!؟ فعندما أكتب لا يهمني سوى أن أكتب، وأن أكون راضياً إلى حد كاف عن كتابتي، ولا شيء آخر.

-   ما عدت رساماً. رسمي أصيب بضربتين قاصمتين، الأولى منذ نهاية السبعينات، عندما بدأ الشعر يزاحمه جديا ويستولي على حياتي. والثانية عندما ابتعت قبواً وجعلت منه مرسماً، وعجزت عن الرسم فيه بالجدية المطلوبة. ولكن ربما في السابق كان للرسم دور في إكثاري من الوصف والتفاصيل. كنت أحفظ قولاً لا أذكر لمن، بأن الشعراء يحسدون الرسامين حين يكتبون. ولكن بعد ذلك عرفت رسامين كثرا يكتبون على نحو رديء، وبخاصة عندما يخطر على بالهم أن يكتبوا شعراً.

-  كما تقول: الحرية هامش البشرية منذ ..: ( أولَئكَ الَّذين على غَفلَةٍ مِنهُ/ أَحكَموا قَبَضاتِهِم على أَعناقِ عِبادِهِ منَ البَشَر والبَهائِمِ ) هامش وليس متن، نعم. ولكن البشر تواقون للحرية، تواقون بأن يكونوا أحراراً، تواقون لأن يفعلوا وهم أحرار ما يشاؤون، حتى ربما أن يرتموا في حضن العبودية. الكتابة بجوهرها إحدى وجوه هذا التوق، الفن هو هذه القفزة اليائسة إلى هذا الهامش، وكنت أكاد أقول الحب، لكني لم أعرف الحب سوى قفصاً! في مجتمعات الأقفاص يصير كل شيء قفصاً، الحب، والعائلة، والعمل، وقد تصير الكتابة أيضاً قفصاً، بطواعية من الكاتب أم غصباً عنه. في البلاد العربية، القفص يأخذ اسمه الحقيقي، السجن.

-  لا إبداع دون حرية، دون حرية يخرس الشعراء ويخبئ الكتاب قصصهم ورواياتهم ومسرحياتهم في الأدراج . لكن لا شيء قادر على أن يطفئ شعلة الحرية في قلب البشر، شعلة الإبداع، مهما كان الخطر محدقاُ، ومهما كان في الأمر مجازفة. الاستبداد ينفي الإبداع، يجعله منفياً في الخارج (سترافنسكي- شاغال- باسكت- سولجنتسين). الاستبداد يقتل الإبداع، يجعله ينتحر(مايكوفسكي - ياسنين- )..

-  لا علاقة للإخلاص بشيء كهذا. فأنا تقريباً لست مخلصاً لشيء. حدث أن هناك أصدقاء كتبت عنهم، وأوقعت بحبيباتهم! ، ففي قصيدة (ثعلب بداخل مشمشة) أقول:

-  (صِدقُ غَرائزي/ هُوَ كُلُّ ما أَعِدُ بِهِ)

-  وهكذا أنا أميل لمبدأ الخيانة مني لمبدأ الوفاء. خيانة الوصايا - كما يقول كونديرا - هو الواجب الأول للمبدع إذا صدق أني كذلك. ومن خياناتي أنه من شعاراتي المفضلة: (إني أرى في الخيانة حياة). 

-  تعني كل شيء. الموسيقى هي الوله الحقيقي في حياتي. أعطتني كل شيء مقابل لا شيء. لم أدرس الموسيقى ولا أجيد العزف على أية آلة موسيقية. لكن الموسيقى لا تشترط عليك أي شيء من هذا. تعطيك نفسها في كل مكان وفي كل وقت، الموسيقى روح الهواء.

-  في مناسبات كثيرة لم أجد ما يعزيني سواها، عندما وصلني خبر وفاة أمي وأنا في وارسو عام 1978 استطعت أن أختبئ في الموسيقى. وقتها كنت مدمناً على الجاز. كل عازفي الجاز البولنديين كانوا أصدقائي .

-  عباس بيضون هو الشاعر السعيد وليس أنا. أنظر إليه تراه ضاحكاً طوال الوقت، لا مشكلة عند عباس مهما كانت المشكلة. لديه من البراءة ما يجنب روحه أي عكر. في مؤتمر قصيدة النثر في الجامعة الأمريكية في بيروت، راعه ما كنت عليه من كدر وغم.

-  لكني ربما أجاريه بروحي الخفيفة، بكوني كثير الغفلة، وكثير النسيان، مثله. يكفي لانتشالي من كدري أن ألمح، مثلاً:

-  (سحابةٌ بيضاءُ صغيرة/ تعبر سماءً زرقاءَ قاحلة/ ذكرتني بي .)

-  أو مثلاً:

-  (لأفتحَ عينَيَّ طوالَ الوقت/ لأشعُرَ بأنّي على ما يُرام/ ولو بدونِ امرأة/ تكفيني شجَرة .)

-  أنا لا أعادي النقابات والاتحادات ولا حتى الأحزاب إلا بما هي عليه من حال وما تقوم به من ممارسات. ذلك لأني أصدق أن الإنسان كائن اجتماعي، وسياسي. كما أصدق، رغم إنكار بو علي ياسين علي ذلك، بالصراع الطبقي، بتبدياته الثقافية والسياسية. وإن كنت على عداء مع شيء، فهو العنف والعمليات الانتحارية، والثورات المسلحة. وأحسب النقابات والاتحادات والأحزاب من أهم مكونات المجتمع المدني الحديث، المناط بها ضبط الصراعات والتناحرات التي يقوم عليها المجتمع ويتطور بفضلها.

-   

-  أخيراً ماذا تقول ؟

-  وهكذا (لست عضواً في اتحاد الكتاب ولا في نقابة الفنون الجميلة) هو آخر سطر من الصفحة التي تعرف بي وتعدد الانجازات الأدبية والشخصية القليلة التي قمت بها في حياتي، ومنها أني أب لطفلين، صارا الآن شابين، وأني لا أغادر مدينتي اللاذقية إلاّ مضطراً، خشية أن أموت خارجها، أو ربما خشية أن يخطفها أحد في غيابي.. وهذا وذاك لا أكثر من معلومة، قد يهم البعض معرفتها وقد لا يهم البعض الآخر، دون أي إدعاء آخر.

 

حوار : سلام الزبيدي