العدد الواحد والاربعون - نيسان

بعد أكثر من نصف قرن من الشعر

أمسية شعرية للشاعر السوري الكبير فايز خضور
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

د. قاسم المقداد

 

تثير تجربة الشاعر فايز خضور الشعرية أكثر من إشكالية على صعيد الشعر العربي ومفهوم الحداثة بشكل عام. فهو صاحب رؤيا استطاعت هتك السائد بإصرار عجيب وشعرية نادرة تركت أثرها وخصوصيتها في شكل القصيدة ومضمونها ما دفع النقاد للقول بمدرسة متكاملة استطاع أن يبنيها دون أن يشبه أحداً من أسلافه أو الذين عاصروه، وفي الوقت نفسه سيكون من الصعب التشبّه بتلك التجربة ومجاراتها دون الامتلاك الحقيقي لمقوماتها في وقتٍ ساد فيه الاستسهال والتكرار.

يدرك فايز خضور جيداً نهج الجهات، تبعاً لعلاقته الشديدة مع الفكر. فهو شاعر الحلم السوري بامتياز، وقد استطاع أن يقوم بعملية اختزال وإعادة صياغة للمقولات الفلسفية والاجتماعية والتاريخية فيما يشبه عملية إحياء للذاكرة الجمعية انطلاقاً من إيمانه بدور الشعر في المجتمع وعلاقته بالقضايا الكبرى.

شعرية خضور نادرة، فهو ينهل من خزان لغوي ومعرفي كبير، مدعم بحساسية خاصة ووجدانية عالية جعلته يمتلك القدرة على إحداث رجّات حقيقية على مستوى الوزن والجملة الشعرية واستخدام الألفاظ والعبارات وانطلاقاً من ذلك فهو صاحب إنجاز هام على صعيد الحداثة العربية بشكل عام.

صدر له حديثا ملحمته الشعرية في البدء كان الوطن التي تضاف إلى رصيد كبير من الأعمال قدمها خلال مسيرته الطويلة التي تمتد أكثر من نصف قرن من الشعر.

ولد خضور عام 1942 في سوريا. درس اللغة العربية في الجامعة واتصل بالتراث الشعري العربي اتصال العارف المتذوق وعرف التاريخ الثقافي والسياسي للغة العربية والتفكير العربي، ويؤكد ذلك إصراره على القافية واعتماده على منطق الاستعارة العربية واختياره القصدي للمفردة الطازجة ذات الجرس الملفت للإنتباه وإصراره على الايقاع الموسيقي ورفضه الدائم لقصيدة النثر، وتأكيده على أن الموسيقى خاصة لازمة للشعر. كان في الجامعة مثالاً للتمرد وابتكار الغرابة في السلوك والقول ومولعاً بتخريش وقار العادات والموروث والسائد وصدامياً إلى أقصى حد مع كل ما هو كلاسيكي، فنجده يبحث عن الغرابة والجدة بحثاً قصدياً وقد كان شديد الاعتزاز بفردانيته وتفوقه، فكان غابة مسيجة بنفسها.

انشغاله بالموت والحياة قاده إلى العبثية التي كانت نتيجة مراراته وخيباته المتلاحقة في تحقيق طموحاته. فهو يرى أن كل شيء فانٍ، وبهذا كان يلتقي مع التراث الديني وتراث الحضارات القديمة. وعبثه كان من ناحيتين: عبثاً وجودياً منبثقاً من ثنائية الموت والحياة، وعبثاً قصدياً كان يمارسه على ضوء العقل. فعلى الرغم من استهتاره الظاهري، إلا أن القصيدة عنده مصوغة بأناة وأناقة وانسجام ضمن مناخ من انفجار الأعصاب وتدفق الانفعالات الحادة، بالإضافة إلى أن القصيدة عنده شبكية ذات أبعاد ومستويات متعددة وليست ذات بعد واحد كالقصيدة الكلاسيكية.

وقد عبرت المرارة عند خضور عن نفسها بقسوة وحرارة في ديوانه (ويبدأ طقس المقابر)، لكن الجديد في هذا الديوان أمران الأول انحياز الشاعر لصف الوطن والثورة، والثاني كسرويته تجاه المرأة، بعد أن كان في ديوانه (أمطار في حريق المدينة) مزهواً ومتعالياً بذكورته التي تحيي يباس المرأة.

بين الواقع المادي الجاف المعطى والواقع الحلمي المشتهى المتصور يلعب، الخيال عنده دور المحرض والمعوض معاً. فهو يتكئ على الإحساس المباشر من جهة، والإدراك والوعي من جهة أخرى. وبين هذا وذاك يصبح لديه نوعاً من البديل الذي يعوض عن جفاف الواقع ويباسه، ويبشر بواقع افتراضي مطلوب. وهذه الوظيفة المزدوجة للخيال تكسبه قيمة استثنائية قلما نجدها بهذه القوة.

تأخذ المرأة مكانة خاصة و كبيرة في نتاجه. فالمرأة عنده هي الوجه الآخر المشتهى للأرض، الأرض التي تخصب وتعطي الحياة وشرط الحياة هو البحر. الأمر الذي يشير إلى حاجته الدائمة للخصب و الحياة كبديل عن الجفاف و اليباس الذي يعانيه في حياته. واهتمامه الكبير بالرمز والأسطورة مرده إلى إيمانه بعظمة الحضارات، فقد كان انتقائياً في استخدامه الأسطورة التي كانت تخدم عنده فكرة محورية هي الخصب والجدب.

الصورة لديه حركية وليدة خيال خصب وحساسية عالية، وترتد إلى منطق التقابل والتضاد الذي يزيد من توتر وحرارة الحالة ويعطيها مزيداًً من الإيحاء والإمتاع.

يقف من الوطن موقف المشاهد والمكتوي والمتنبئ معاً، فهو يقرر حالة الوطن حيناً ويتمرد حيناً آخر ويبشر بالثورة المحتدمة في النهاية.

 

 

 

 

فاتحة الأسفار الأولى

لعنتني أمي من صغري

من غيري يهفو للعنة..؟!

ألأني كنت ألصّ البيض،

والقمح لأبتاع الحلوى؟!

أم أني من أعصاب البلوى

كوُِّنتُ لأرفض حتى الرفض!!

********************

 

غرقت شروش الشمس، وانسحبت على الأمواج أشرعة المسا.

والمتعبون يكفنون مصيرهم بالشوق والأمل الضرير...

والريح تزرع راحة الأعصاب خيبة،

وتنوس تسقيها أسى..!!

******

ترى تنسى؟

سألت بلهفة المحروم يا بردى، سألت الليل أخبارك.

شروش الضوء، والصدَفاتُ كيف تفضُّ أستارك؟!

ترى يا حارس الأتعاب تنسى أننا للأرض أغنيّة؟

رمينا شوقنا المخنوقُ، أحرقنا بيادرنا ـ

وروينا ظماء الدرب من دمنا، لتبقى الأرض أغنيّة.

نجوع العمرَ حتى نطعم الفئران لقمتنا، أتنكرُ أننا أولى؟

ونكرم ضرة الأعصاب، نُتخِمها، أتنكر أننا أولى؟!

يموت الصوت يا بردى، ولا تدري.

ويغفو الصيفُ مقهوراً ولا تدري؟!

بأنّا رغم حاجتنا، نرصّ أضالعَ الحطبات نوقدها،

فيقهر وهجها الشمسا.

ترى تنسى؟!

ترى تنسى؟!