العدد الواحد والاربعون - نيسان

الفنان التشكيلي السوري عمر حمدي " مالفا "

الفن بوصفه مسؤولية ومصير وإدانة وإنتماء
الاحد 26 نيسان (أبريل) 2009.
 

قدم الفنان التشكيلي السوري المغترب عمر حمدي " مالفا "، في غاليري آرت هاوس بدمشق ،عددا كبير من الأعمال الفنية، التي تعكس مراحل تجربته الطويلة والخاصة، والتي بدأت مع الطفولة، فقيراً، ومع المسؤولية والحزن باكراً.

" مالفا "، الذي ولد في قرية كردية صغيرة، مكونة من بيوت ترابية، في مدينة الحسكة، لم ينقطع حلمه بالهروب، وكان هروبه الأول نحو الرسم. تناول أقمشة أكياس السكر البيضاء للرسم عليها، وحمّل لوحاته على ظهر شاحنة، برفقة الأغنام وأقفاص الدجاج، لتكون دمشق محطته، التي أقام فيها معرضه الأول. وبعد انتهاء المعرض، حمل لوحاته على ظهر عربة بثلاث عجلات، وتوجه إلى حواف مدينة دمشق. رماها على شكل كومة ما، ثم أشعل فيها النار، وهو يتأمل محرقة نفسه، حتى تحولت إلى فحم. ولا زال هذا الفحم يظهر في أعماله حتى الآن.

وفي لحظة تشبه الحرق، سلّم نفسه إلى حافلة متجهة إلى بيروت، النافذة الأولى للهروب، وبجواز سفر مزوّر، وعلى ظهر سفينة لصيادي السمك، دخل البحر للمرة الأولى، وهو يحمل خوفاً أكبر من البحر. تحمّل عذابات الوصول إلى الساحة الفنية المخيفة في الغرب، فكانت " فيينا " المحطة المنتظرة لملامح لا تملك اسماً أو لغة. احتاج إلى سنوات ليتمكن من أن يكون اسماً، لم تعد فيينا تشكل له حلقة مغلقة، بقدر ما باتت محطة عمل هادئة لها استقرارها ومتعتها.

أعمال " مالفا " ، تقدِّم حالة عاطفية مرتبطة بالذاكرة، وبالانتماء، وبترتيب أوراق يومية. وهكذا يبدو الفن عنده أكثر من صناعة لوحة، وأكثر من ترجمة لون. انه مسؤولية ومصير وإدانة وانتماء، والمساحة التي يقدم فيها كل ما في داخله. لذلك نجد مالفا، وكأنه يستعيد محرقة ذاته. نتلمس صخب وغضب والده الذي كان يرفض ما يقوم به ولده (الرسم ). ونعيش الهروب، كحالة إنسانية، مرتبطة بالخوف والقلق الدائمين لديه، وإصراره في العودة إلى ملامحه واسمه وانتمائه، بعد أن قام بتأجيلها أكثر من عشرين عاماً "في محفظة تشبه أكياس أمي التي كانت تضع فيها، في طفولتي، قطعة خبز وبندورتين ساخنتين، حين كنت أعمل في ركاش القطن في الحقول الممتدة على ضفاف الخابور"، كما يقول "مالفا".

العمل الفني لدى الفنان عمر حمدي " مالفا "، عبارة عن مشهد مكّون من كل التناقضات الموجودة في كيانه، وهو حين يرسم، يحضر بكليته في لحظات الرسم. وتشكل انفعالاته في تلك اللحظات، أحياناً كثيرة، خروجاً عن القوانين الأكاديمية للوحة الفنية. فنلاحظ، مثلاً، وجوها بملامح واقعية، ضمن مساحات تجريدية كبيرة. عمر حمدي "مالفا "، هذا المفترس للون، تجده رقيقاً، وديعاً، يسافر في الداخل مثل عاشق شرقي يودع أحلامه على جسد امرأة، أو ناسك يتأمل البحر، ويفاجئك بالرؤيا والكلمة، ثم يقودك إلى الحلم، إلى الذكرى، لا شيء يحمل ملامحه مثل اللون، طقس لوني خاص، معقد، موزع بلا حدود، بلا هندسية، وبلا حسابات فكرية أو نظرية، عوالم من الداخل غير قابلة للترجمة.

حول ما إذا كان اسم " مالفا " هو مجرد توقيع يرادف اسم عمر حمدي على أعماله الفنية، يقول الفنان حمدي ل " تحولات ": " مالفا هو اسم لوردة الختمية، وكنت أطلقته على مجموعة لوحات لي في أوائل ستينيات القرن الماضي، تلك المجموعة التي رميتها في بئر كانت تتوسط حوش منزلنا، وذلك خوفاً من غضب الوالد. ثم تحوّل مالفا إلى اسم لامرأة ، أو لطفلة، كان ناياً ورغيف خبز، لكن الغرب يفكر بطريقة أخرى، ومن أجل أن لا نساوم على الأشياء الصغيرة. كان مطلوباً مني تأجيل اسم عمر حمدي فيّ إلى فترة ما، فكان " مالفا " البديل ".

عمر حمدي، اليوم، تمثل أعماله غاليري فندلي في نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس وبالم بيج في باريس، وغاليري فرانكلين شتاين في برلين، وغاليري آرت فوروم للفن المعاصر في فيينا، وصالات عرض أخرى متفرقة. وهو عضو الاتحاد العام للفنانين النمساويين الذي يضم أسماء مثل: كوكوشا، هندرفاسو، راينر، نيتش، فوكس، فورنر، وغيرهم.

 

سونيا سليمان