العدد الثاني والاربعون - حزيران

انقراض الحضارة العربية... الجامعات نموذجاً

زاهر العريضي
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 
New Page 1

نشر موقع "سويس انفو" (www.swissinfo.com) تقريرا بتاريخ 12 ايار 2009، تناول فيه مسألة تراجع مستوى الجامعات العربية. والواقع أن أسباب ذلك متعددة والحلول باتت معلومة .

في التقرير، يؤكد خبراء عرب متخصصون في التعليم الجامعي، أن خروج كل الجامعات والمراكز البحثية العربية من الترتيب العالمي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم، أمر طبيعي ومنطقي في ظل "تدني مخصصات التعليم والبحث العلمي، وربط التعيين والترقية بدرجة الولاء للنظم الحاكمة، بالإضافة إلى استمرار نزيف هجرة العقول العربية للخارج، وسيطرة الأجواء الطاردة للكفاءات والقدرات، مع انخفاض مداخيل الأساتذة، وعدم تقدير صناع القرار للعلم والعلماء".

ويعتبر الخبراء الذين استجوبهم موقع "سويس انفو"، أن العلاج يتلخص في "إطلاق الحريات الأكاديمية، وإبعاد الجامعات عن التسييس، وإدارة ملف الجامعات والمراكز البحثية بشكل أكاديمي وعلمي، مع زيادة الإنفاق على الجامعات والبحث العلمي، والاهتمام بالتعليم ما قبل الجامعي، وربط فلسفة التعليم بالمفهوم الشامل للتنمية، وتهيئة المناخ ليكون جاذبًا، مع المحافظة على الكفاءات والعقول العربية، يضاف إلى ذلك استقلال الجامعات ماديًا وإداريًا، وتقدير الأساتذة، واعتماد ضوابط ومعايير واضحة لترقية الأساتذة، تعتمد الموضوعية والشفافية والقدرة والكفاءة".

النتيجة النهائية للترتيب العالمي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم خلت من أي جامعة عربية، في دليل واضح على الكارثة التي يعيشها قطاع نشر وإنتاج المعرفة عن طريق التعليم والبحث العلمي والتطوير في العالم العربي. وهذا يعني خروج العرب من دائرة التاريخ في المستقبل القريب، لأن الطلاب والباحثين هم صانعو مستقبل بلادهم. وجاء ترتيب قائمة الجامعات في العالم على الشكل التالي:

 

جاءت جامعة هارفارد في المركز الأول.

دخلت الترتيب 6 جامعات ومراكز بحثية إسرائيلية، و3 جامعات من جنوب إفريقيا.

الجامعات الأميركية احتلت 159 مركزًا.

احتلت الجامعات الكندية 21 مركزًا.

احتلت الجامعات الأوروبية 210 مركزًا.

احتلت الجامعات الآسيوية 83 مركزًا (32 في الصين، و7 في تايوان، و 5 في هونغ كونغ، و31 في كوريا الجنوبية).

 

ملاحظة: كانت جامعة القاهرة قد حلت في المركز (403) قبل ثلاث سنوات.
 

 

يأتي هذا التقرير ليؤكد المسألة التي أثارها المفكر والشاعر أدونيس عن انقراض الحضارة العربية وما أثارتها من ردود انقسمت بين من تبنى إطلاق تعبير "جثة الثقافة العربية"، ومن أكد استمرار المقاومة الثقافية.

كيفما جاءت الاوصاف واختلفت المعاني حول حالة الثقافة والحضارة العربية، هذا التقرير (وتقارير أخرى على نسقه) يؤكد عمق الأزمة التي بدأت تفوح منها رائحة العفن العربي. فبعد أن بنى العرب حضارة الأندلس وأناروا العالم علما وفلسفة وترجمة وأبحاثا، ها هم يتخلفون ليدخلوا عصر الظلمات من جديد، متحولين إلى مجتمعات استهلاكية بحتة، عاجزة عن تقديم أي جديد مفيد للبشرية وللحضارة الانسانية.

فهل نقف متفرجين على مسيرة جنازو الحضارة العربية؟ أم نعي أننا أمام مفترق طرق يتطلب جهودا كبيرة لبعث نهضة جديدة تقوم على مفهوم  

جديد للانسان والحضارة والمعرفة، لمواكبة التقدم والخروج من سلطة النظام الابوي ودور المتلقي  الذي عزز لدى أجيالنا مفهوم التبعية والخضوع والخوف والعجز؟

في القرن الواحد والعشرين الذي يشهد فيه العالم تحولا مصيريا على كافة الصعد، هل سنظل نتعامل مع مفهوم وجودنا ودورنا بطرق رومانسية تبكي على الاطلال، ونلبس أنفسنا نعوت الارهاب، ونوسع مساحة السلفيات والاصوليات تحت شعارات التهويل والتخويف والانقسام والتفتت؟

في ظل التحديات الكبيرة وعصر التكتلات الاقتصادية والعولمة، ما زلنا نفتقر حتى إلى المفهوم الموحد لهذه القضايا ولكيفية مواجهتها أو كيفية الانخراط فيها .

ألا تتطلب هذه التحديات مشروعا موحدا واضحا، لبناء قاعدة متينة ذات نهج فكري ثقافي علمي يعزز دور الاختصاص ومراكز البحوث والدراسات التي تشكل النواة الاساسية للتقدم؟

أما آن الأوان لنعطي أنفسنا وشعوبنا فرصة التعبير عن الرأي والخلق والابداع، لتشكيل بيئة مهيأة للنقد وتقبل الافكار، واستيلاد المقدرة على التحليل، التي هي كفيلة في السماح للشعب بالمشاركة في صنع القرار والمساهمة في اثراء الخبرات والبحوث العلمية والانجازات الانسانية على مستوى العالم؟

 

مجموعة تحديات جديدة أثبتها هذا التقرير. هذه المرة، نحن بحاجة إلى وقفة حقيقية وصادقة مع النقد الذاتي البناء. وآخر ما نحن بحاجة اليه هو أبواق "الهيصات" وملاحم الأمجاد ذات النفس الجاهلي، والخطابات الرنانة الطنانة التي لا ترفع من شأن العرب، ولا تطور جامعاتهم ولا تبعث النهضة فيهم ولا تنفخ الروح في أجسادهم النائمة والمخدرة.

نحن بحاجة الى أفعال وحركة وجهد ونضال، والا، لا يلومن أحد أدونيس اذا ما أثار مسألة انقراض الحضارة العربية ، بل وكتب نعوتها. 

 

زاهر العريضي