العدد الثاني والاربعون - حزيران

"التمييز" و "العنصرية" وأشياء أخرى

زهير فياض
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

فضح المؤتمر العالمي ضد العنصرية "دوربان 2"  الذي عقد منذ أيام في جنيف، ازدواجية المعايير الفاقعة التي تتعامل وفقها دول لطالما ادعت وزعمت أنها تنتمي الى ما يسمى "العالم الحر" أو "العالم الديمقراطي". هي ازدواجية فاضحة ومخجلة، وهي تؤكد في آن واحد، زيف الشعارات والادعاءات التي يسوقها "الاعلام العالمي" حول مسائل وقضايا تتصل اتصالاً مباشراً بالأمن والسلام العالميين.

في هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير في بيان صحفي قبيل انعقاد المؤتمر أن "فرنسا لن تقبل ان يتعرض احد لاسرائيل، كما أشار المقرر الأممي الخاص بمناهضة العنصرية دودو ديان، إلى وجود رغبة لدى الدول الاوروبية في انتهاج سياسة مشتركة لمقاطعة المؤتمر وذلك قبل انعقاده في جنيف من 20 الى 24 نيسان/أبريل 2009 .

وكان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فييون قال لممثلي الجماعة اليهودية الفرنسية في عشاء سنوي عقد في باريس اوائل الشهر الجاري، ان بلاده لن تقبل بتوجيه الاتهامات لاسرائيل بارتكابها المجازر اثناء العدوان على غزة.

وكذلك الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي كان قد ذكر العام الماضي لدى استقباله لرئيس الكيان الاسرائيلي شمعون بيريز، بأن "احدا لم ينس التجاوزات التي وقعت في عام 2001 والتي حولت مؤتمر دوربان الى منصة خطابة غير مقبولة لمهاجمة اسرائيل"، ومؤكدا "سوف لن أقبل تكرار ذلك في عام  2009".

هذه عينة من تصريحات لمسؤولين غربيين وأوروبيين يقودون ما يسمى "المجتمع الدولي".

فهل نركن بعد ذلك الى هذا "المجتمع الدولي" ؟ هذا المجتمع الذي يخشى فضح ممارسات اسرائيل العدوانية في فلسطين، ويغطي الجرائم والمذابح التي لا تحتاج الى توثيق، و"الموثقة" بالصوت والصورة، والتي نقلتها نقلا مباشراً كل القنوات الفضائية وكل الاعلام "الحر" فعلاً.

ازدواجية المعايير هذه أساءت الى مصداقية "الأمم المتحدة" والى شرعية هذا "المجتمع الدولي" الذي تقوده مصالح دولية، وتؤثر على أعلى مراكز القرار فيه مجموعات ضغط تساند اسرائيل وتدعم سياساتها في العالم.

هذا المؤتمر المذكور يعد من أهم التجمعات المدنية في العالم التي تدعو الى مكافحة "العنصرية"، ولولا أهميته لما قامت إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الغربية بكل هذه الجهود لإفشاله أو إفراغه من مضمونه، بحيث بات يعتمد لغة عامة لا تعيّن أحدا بشكل محدد وبخاصة إسرائيل. إسرائيل نفسها التي تدعي براءتها من تهمة العنصرية، لكنها ليست مستعدة لإثبات هذه البراءة، حتى أنها تتهم كل من يفضح عنصريتها بمعاداة للسامية.

ما حصل في "دوربان 2" يدل على حجم القوى العالمية التي تقف وراء دعم "المشروع الصهيوني" في بلادنا، وهذا يفترض وقفة مع الذات على مستوى الشعوب والدول، لصياغة مشروع عالمي حضاري يناهض العنصرية في كل صورها، ويقاوم "المشروع العنصري الصهيوني" في الاعلام وفي كل المجالات، ولعل مؤتمر "دوربان" هو خطوة على الطريق.

في نهاية المطاف، علينا أن نحسن مخاطبة شعوب العالم وأممه لاظهار الحقائق كما هي، وأن نصل الى ضمائر الناس على مدى العالم، وأن نتمسك بموازاة كل ذلك بالحق الذي لا يموت، وبالنضال المستمر من أجل الدفاع عن هذا الحق، الذي لن يموت ما بقي وراءه مطالب.