العدد الثاني والاربعون - حزيران

برلمان الطوائف

منصور عازار
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

استبشر اللبنانيون خيرا بانقسام القوى السياسية بين 8 آّذار و 14 آذار على قاعدة سياسية واختلاف في المشروع والبرنامج السياسي، لا على قاعدة طائفية ومذهبية. ففي كل طرف، من جهة 8 آذار و 14 آّذار، هناك قوى طائفية مختلفة ومتنوعة، يوحدها المشروع السياسي. ومع مرور الأيام واشتداد الأزمة السياسية وتشعبها، عادت التعابير الطائفية والتقسيمات الطائفية والمذهبية لتغزو الفريق الواحد. فبتنا نسمع ب"سنة المعارضة" و "مسيحيي 14 آذار"، ما يؤدي الى نتيجة مفادها أن الانقسام في لبنان سياسي المظهر، لكنه طائفي الجوهر. فالاصطفاف ما يلبث أن يخرج من لباسه السياسي ليلبس الثوب المذهبي والطائفي، وليذكر بأن العصبية الطائفية هي الغالبة والحاكمة للعبة السياسية اللبنانية. واذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا، فان وحش الطائفية يفلت من لجامه عند كل منعطف يواجهه لبنان، وسرعان ما يهب "سنة المعارضة" للدفاع عن صلاحيات موقع رئاسة الحكومة باعتبارها "رزق الطائفة". وكذلك "مسيحيو المعارضة" و"مسيحيو 14 آذار"، يتقاطعون مع بعضهم في الدفاع عن "حقوق ومكتسبات الطائفة"، فيسرعون الى الدفاع عن صلاحيات رئيس الجمهورية والمطالبة بتوسيعها.

ومن الدلائل الواضحة على أن لبنان لم يتخط بعد كارثة الفرز السياسي الطائفي، "اتفاق الدوحة" الذي أرساه الطائفيون باتفاقهم على قانون للانتخابات النيابية هو "قانون القضاء" الذي يعيد الاعتبار للطائفية ويعززها ويجعل منها اللاعب الأول في العملية الانتخابية. وفي هذه الخطوة، تراجع عن المبادئ الاصلاحية التي أرساها اتفاق الطائف والتي تعد من أبرز انجازاته، ومنها "قانون المحافظة". فالقاعدة معروفة وواضحة: كلما كبرت الدائرة واتسعت، ساهم ذلك في الدمج الطائفي وانتاج الخطاب الوطني الجامع بعيدا عن الخطاب المذهبي والطائفي، وكلما صغرت الدائرة (كما في حالة قانون القضاء) تحركت العصبيات الطائفية والعائلية لتتحول الى عامل مصيري في تحديد الفائز والخاسر.

وما يثبت فكرتنا بشكل أقوى، هو خارطة البرلمان القادم والمرسومة سلفا من دون الحاجة الى انتظار 7 حزيران على أساس طائفي: كتلة سنية بقيادة النائب سعد الحريري أي تيار المستقبل، كتلة درزية بقيادة النائب وليد جنبلاط أي الحزب التقدمي الاشتراكي، كتلتان شيعيتان بقيادة كل من حركة أمل وحزب الله، كتلة مسيحية كبيرة بقيادة العماد ميشال عون أي التيار الوطني الحر، وكتلة مسيحية أصغر تضم تحالف القوات اللبنانية وحزب الكتائب ومن بقى من فرسان قرنة شهوان. هل هناك احتمالات آخرى؟ أستبعد الأمر تماما باستثناء بعض النواب الحزبيين والعلمانيين والذي بالنتيجة يضطرون الى الالتحاق بالكتل الطائفية الكبرى .

وهذا البرلمان الطائفي الموعود، قد بدأ التحضير له من الآن باستبعاد العناصر المعتدلة لمصلحة العناصر المتشددة. فها هو فريق 14 آذار يتخلى عن جان عبيد ونسيب لحود وسمير فرنجية لمصلحة الأطراف المسيحية المتشددة والأكثر تطرفا، استعدادا لواقع سياسي أكثر طائفية في مرحلة ما بعد الانتخابات.

هذا الواقع يدفعنا للتساؤل بقلق بالغ: ماذا يتوقع اللبنانيون من برلمان طائفي؟ وما هي النتائج المرجوة من ندوة مفصلة على أحجام الطوائف والمذاهب، يلهج نوابها بخطاب طائفي بحت؟

الاجابات واضحة. سوف لن ينتج عن هذا البرلمان ما يناقض طبيعته أو ما هو مخالف لجوهر مكوناته الطائفية. لذلك، "انجاز" هذا البرلمان الموعود، سيكون تكريس التشريعات الطائفية، والتجديد لقانون انتخاب طائفي، ونسف كل المحاولات التشريعية للقوى العلمانية للخروج بالوطن من كهوف الطائفية ومستنقعاتها.

هذه المعادلة تضع البلاد أمام حلّين لا ثالث لهما، هما في الواقع قلب المشكلة وعينها، وهما: اذا اتفقت هذه القوى الطائفية فيما بينها كرست النظام الطائفي ومبدأ المحاصصة الطائفية و"اقتسام الأرزاق" بين الطوائف على حساب البلاد والعباد. واذا لم تتفق، انقسمت وأثارت الفتنة التي يذهب ضحيتها دائما البلاد والعباد.

وهذا النظام نتيجته واحدة لا يمكن أن تتغير: لبنان يدور في حلقة طائفية مفرغة وينتج حروبا أهلية مستمرة، ويتجه الى تكريس فدرالية طائفية بين كتل برلمانية طائفية مغلقة. وما يساهم في استفحال هذه الفوضى الطائفية - وهو تعبير أجدى من "نظام طائفي"
-  غياب الأحزاب والكتل العلمانية عن البرلمان، أو تغييبها المقصود، أو تحولها الى ملحقات بالأحزاب والكتل الطائفية.

هذه الحالة الطائفية المستمرة بالتوالد والتكاثر، تضع النظام اللبناني ككل في مأزق كبير وتدفع به نحو الهاوية. فهذا النظام غير قادر على الحياة، وعاجز عن ادارة البلاد وقيادة دفة الشأن العام بطريقة سليمة وصحيحة لمصلحة الوطن والمواطن. ولذلك، عند كل أزمة أو خلاف صغيرا كان أم كبيرا، يصبح مصير الوطن والمواطن والنظام في خطر حقيقي يهدد العيش المشترك والوطن بوجوده وهويته واستقراره وحياة أبنائه، ويجعل من الاصلاح والتغيير عائقا شبه مستحيل.

نسأل عن الخلل الحقيقي؟ هو أن الفاسد يسرع للاختباء في عباءة طائفته، والقاضي المدان يركض للاختباء تحت عباءة رجل الدين.

اذا، ماذا يكون الحل؟ للمرة الألف بعد الألف، الحل هو بنظام علماني يلغي كل ما تسبب به سلفه الطائفي. نظام يتضمن الغاء الطائفية بالجملة ومن النفوس والنصوص معا انطلاقا من الغاء الطائفية السياسية وطائفية الوظيفة، ويلحظ التمثيل النسبي، ويقر بقانون أحوال شخصية مدني ويسمح بالزواج المدني الذي يثري الاندماج الطائفي والمذهبي. وهنا يأتي دور المثقفين والأحزاب العلمانية العابرة للطوائف، لتنهض من كبوتها وتستفيق من غفوتها وتخرج من تبعيتها للأحزاب الطائفية، وتؤسس مع بعضها جبهة وطنية علمانية تعمل يدا بيد من أجل انقاذ الوطن من براثن الطائفية التي تنهشه يوما بعد يوم حتى تكاد تقضي عليه. كما يأتي دور المواطن الذي يجب أن يرفض السير في القطيع الطائفي، وأن يختار المرشح على أساس برنامجه وسيرته لا على أساس طائفته.

لكن هذه الحلول المطروحة تبقى صعبة المنال طالما أن هناك في لبنان أزمة مفاهيم. فلا مفهوم المواطنية تبلور بشكل سليم لدى المواطن، ولا مفهوم الدولة المدنية تركز لديه، ولا مفهوم العلمانية واضح في نظره. وكما تحدثنا في العدد الماضي عن المفهوم المغلوط للديموقراطية في لبنان، نتحدث عن المفهوم المغلوط لل"وحدة". فالمقصود دائما بالوحدة ليس الوحدة الوطنية انما وحدة الطائفة. فالشيعة والسنة "محسودون" على وحدة الصف داخل كل طائفة منهما، أما المسيحيون فيعيّرون ب"انقسامهم"، ما يدفع بعض "مراجع الطائفة" الى السعي الدؤوب للم الشمل وتوحيد الصف خوفا من "شماتة" الطوائف الأخرى أو من خسارة المكتسبات التي حصدت حتى الآن على أساس المحاصصة الطائفية. وبذلك، تذهب كل المساعي الى "وحدة الطائفة" بدلا من وحدة أبناء الوطن، فتصبح الأولوية لها على حساب الوحدة الوطنية .

حتى أن مفهوم "الوحدة الطائفية" مغلوط. فالمقصود ب"وحدة الطائفة"، احتكار فريق معين لتمثيل أبناء هذه الطائفة وان كان بينهم من هم علمانيون أو يساريون أو قوميون غير راضون على هذا التمثيل المفروض عليهم قسرا والا رموا بتهم "الخروج على الطائفة" و"الخيانة".

فالطائفية ليست موحدة كما يرى البعض لان في داخل كل طائفة من هو مستفيد من امتيازاتها ومن هو محروم وهناك اتجاهات عائلية وسياسية واقتصادية تقسمها عاموديا وافقيا لكن قياداتها الانعزالية تعمل باستمرار تحت شعار وحدتها للتناقض مع وحدة الكائفة الاخرى والغاء الراي الاخر في صفوفها منعا للحوار والاصلاح والنقد والتغير وحتى تبقى الطواءف موحدة تحت قبضة اقطاعييها . 

ان مفهوم الانقسام السياسي هو تعبير ديموقراطي صحي وضروري. أما الانقسام الطائفي بمظهر سياسي منافق، فهو تعبير متخلف عن وطن لم يرق بعد الى مستوى الدولة الحديثة، ولم يخرج أبناؤه بعد من شرانق طوائفهم. ولن يتخطى لبنان أزمته ومأزقه الدائم، إلا عندما يتعلم أبناؤه كيف يختلفون سياسيا، وسياسيا فقط.وعندما يلتزمون بحركات سياسية هدفها التغير وبناء نظام جديد ومجتمع جديد وانسان جديد .

 

منصور عازار