العدد الثاني والاربعون - حزيران

مستقبل العلاقات السورية - اللبنانية والوعي الذاتي

الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

عقد في دمشق ما بين 14 و 18 نيسان الماضي مؤتمر العلاقات السورية اللبنانية شارك فيه مجموعة من الباحثين والمفكرين والاعلامين اللبنانين والسوريين ، عالج المؤتمرون وحدة بلاد الشام ورواد النهضة والنضال المشترك ضد الانتداب والصهيونية وحللوا النظامين السياسي والاقتصادي للبلدين ودرسوا تحديات الاصلاح والعولمة وفي ضمن محور " الرؤى المستقبلية للعلاقات السورية واللبنانية " قدم الباحث الدكتور احمد برقاوي الدراسة التالية.

 

من النادر أن يشهد التاريخ حالة تتحد فيها التراجيديا مع الكوميديا كحالة تاريخ بلاد الشام والعراق المعاصر.

كان التقسيم خاضعاً لاعتبارات استعمارية صرفة، بلدان حقوق الانسان لم تجرِ أي استفتاء لسكان المنطقة على تقسيم كهذا، أو لم تجر استفتاء لخيارات الانتماءات الى المقسم.

لم يكن ليخطر ببال أهل حوران أن يكونوا مع أهل حلب في دولة واحدة فيما شطرهم الثاني في دولة أخرى شرق الأردن، ولو استفتيت المحافظات الشمالية الشرقية السورية لما اختارت الانفصال عن المحافظات الشمالية الغربية للعراق، وما كان لأهل حمص وطرابلس والبقاع أن يقروا انفصالهم عن بعضهم البعض، وما كان للموحدين، سوية ولبنان وفلسطين، أن يختاروا حدوداً تفصل بينهم، ناهيك عن الدمل المليء بالقيح - إسرائيل.

ولما كان من شيمة التاريخ الحق البطء الشديد في لفظ أنفاسه الأخيرة والذي قد يستمر لمئات السنين وقد لا يلفظ، فإن ما فيه من كوميديا وتراجيديا، قد يَطول الى مدى لا يمكن توقع نهايته.

فمن ظن مرّة أن تاريخ ألمانيا قد انتهى الى ألمانيتين، لم ينتبه الى نبض قلب ألمانيا الخفي ما قبل التقسيم.

لم يخطر على أدهى عقول السياسة والتاريخ والفلسفة، أن تعود قوميات الاتحاد السوفيتي الى تاريخها الخاص لتشكل دولها بعد قرن من غياب الاستقلال الوطني.

كما انفرط عقد يوغوسلافيا بمخاضٍ دموي مرعب. حتى صار الاعتقاد بالقول: إن التاريخ ينتقم لنفسه عاجلاً أم آجلاً انتقاماً حازماً.

 

ولا تظهر الكوميديا بأعلى صورها إلا حين يكون اللاعبون في التاريخ بلا وعي تاريخي، حين يظن من هم دمىً في مسرح العرائس أنهم فاعلون على مسرح التاريخ.

والحق إن آلام التاريخ الخفية قد تظهر في لحظة مناسبة مكنسة بلا قلبٍ لتزيل - وبشكلٍ قاسٍ - لاعبين لا لهم، هم بسبب كل هذه الآلام، ولأنهم لم يكونوا أكثر من لاعبين كوميديين على مسرح التاريخ التراجيدي.

لقد انفرد تاريخ العلاقة بين سورية ولبنان بسمة خاصة جداً، ألا وهي أن المستعمر نفسه الذي رسم الحدود بين كيانين أحدهما أطلق عليه الدولة السورية والآخر دولة لبنان لم يصل به الخيال الى تصور قيام حدود جمركية، وعلاقات دبلوماسية بين الكيانين. إذ أن الواقع كان أقوى من خياله.

غير أن اسماً للدولة هنا وإسماً للدولة هناك، قد صار في سوق تداول الوعي، وصار لكل واحدة من هاتين الدولتين:

نشيد وطني، وعلم، وسلطة. لقد صار يطلق على فردٍ هنا لبناني وفرد هناك سوري.

وسار تشكل الوعي الذاتي في كلا البلدين على نحو مختلف، بل وراح الوعي يتشكّل ويتطور في كل طرف بالآخر على نحو معقد جداً، دون أن يكون هناك انفصال بين الوعي الذاتي والوعي بالآخر الذي لم يحمل كل ملامح الآخر.

فما زال الوعي الوطني في كل بلد يعيش مخاضاً عسيراً في تبلوره، ولسنا ندري على أية صورة سيكون في المستقبل على نحو دقيق.

لبنانياً: حال النظام الطائفي دون انتصار الهوية اللبنانية، فالنظام الطائفي عبر عن نفسه بحكم أرستقراطية الطوائف من العائلات ذات الإرث الإقطاعي والتجاري.

صحيح أن الأحزاب الوطنية ما فوق الطائفية قد اخترقت الوعي الهوياتي اللبناني: كالحزب السوري القومي الاجتماعي ، والحزب الشيوعي ، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحركة الناصرية، غير أن هذه الأحزاب لم تستطع أن تأتي على الوعي الطائفي بوصفه الوعي الرئيس في مجتمع لبنان الكبير. والذي كانت تمده الزعامات التقليدية للطوائف، والحروب الطائفية الدورية، والارتباطات المصلحية مع قوى خارجية غير عربية، دون أن يعني ذلك أن كل أشكال الوعي الطائفي كانت على درجة واحدة من الشدة والامتداد.

فلم تعرف الطائفة السنية حزباً على غرار الكتائب، أو حركة فاشية على غرار القوات اللبنانية. كما أن الطائفة الشيعية أمدت كل الحركات ما فوق الطائفية بالأعضاء، ولم يتبلور وعيها الطائفي إلا عبر حركة أمل، وحزب الله، وهما حزبان جديدان بالمقارنة مع الأحزاب الطائفية الأصلية القديمة. ورغم اندراج الطائفة الدرزية في الحركة الوطنية غير أنها حافظت على وعيها الذاتي الطائفي.

ولقد تسببت قوة سلطة زعامات الطوائف في بلد صغير السكان، صغير المساحة، باقتصاد كومبرادوري، بضعف شديد للسلطة المركزية، فكان من السهل أن تكون الطوائف المنظمة قوة مسلحة قادرة على تجاوز السلطة المركزية الهشة.

ولقد تحقق تعايش هش بين أشكال الوعي الطائفي المتعددة، كان من السهل تحطيمه عبر الحروب الأهلية، التي في الغالب لم تكن تزيد أو تنقص من قوى الوعي الطائفي.

باستثناء تحول الوعي الشيعي الى وعي ذاتي يتكئ على قوة طائفة انتقلت من الغياب النسبي في الحياة الى حضور فاعل.

لقد انعكس هذا الوعي الذاتي اللبناني بأشكاله المتعددة على الوعي بسورية سلطة وسكاناً.

فمن جهة لم يشهد تاريخ لبنان منذ أن أعلن (غورو) قيام دولة لبنان الكبير موقفاً موحداً من سورية، ففي الوقت الذي مانت فيه طائفة ما تعلن العداء لسورية كانت أخرى تعلن التحالف أو حتى الولاء. و

في الوقت الذي كانت تنظر فيه طائفة بعين الريبة الى الدور السوري، كانت أخرى تستدعيه. كان الوعي بسورية متقلباً ومؤسساً على وعي مصالح طائفية من جهة ووعي تاريخي من جهة ثانية. ففيما كان الوعي ما فوق الطائفي يرى استرتيجية العلاقة مع سورية - أقصد وعي الأحزاب ذات الاتجاه القومي السوري أو العروبي - كان الوعي الطائفي يرى في سورية دوراً ما في لبنان قد يكون سلبياً أحياناً وقد يكون ايجابياً تبعاً لمصالح الطائفة ذاتها.

فالحرب المهزلة التي عاشها لبنان بين (1975 م) حتى الطائف، تظهر لنا تحولات الوعي بسورية، وأحياناً الوعي المؤقت.

ففي الوقت الذي كان فيه ما يسمى تحالف القوى الوطنية اللبنانية والداعمة للمقاومة الفلسطينية تخوض حرباً ضروساً مع ما يسمى القوى الانعزالية يستند الى دعم مطلق من سورية انطلاقاً من الوعي الاستراتيجي بأهمية سورية للبنان، كانت القوى الانعزالية تنظر الى الدور السوري كمخلص لها من مأزقها العسكري. وحين أمن دخول القوات السورية الى لبنان لهذه القوى البقاء قلبت ظهر المجن، أما القوى الوطنية - والتي وقفت موقفاً سلبياً من هذا الدخول - لم تؤسس عليه عداءً، بل وعادت مرة أخرى الى حال الحليف. كان الوعي اللبناني بسورية يتنقل من حدٍ الى آخر تبعاً لسؤال اللبناني: ماذا أريد من سورية؟ ولم يطرح على نفسه السؤال: ماذا تريد سورية من لبنان؟ لينظر واقعياً لمصالحها.

كان الوعي اللبناني الطائفي بسورية - ومازال - خاضعاً لمصالح الطوائف. وهذا أحد أهم المثالب في علاقة الوعي الطائفي بسورية، ذلك أن وعياً كهذا متحول ومتقلب لأنه رهن بمصالح الطائفة وليس بمصالح لبنان.

لقد أثمر الوعي الطائفي القطيعي تعقداً بالعلاقة مع سورية، ذلك أن الوعي الطائفي القطيعي يسير حيث يرى تجاه قرني الكبش، فيتأسس وعيه انطلاقاً من موقف الكبش نفسه، ولا تكتمل صورة الوعي الطائفي اللبناني بسورية، إلا بالاشارة الى لونين بميزان هذه الصورة الآنفة الذكر.

 

أولاً: تحصن الوعي اللبناني الطائفي بسورية بنرجسية تعريضاً عن الضعف في القوة والقلة. والنرجسية الأقلوية غالباً ما تتحول الى نمط من الشوفينية كوعي لا أخلاقي بالآخر، ولكن بسبب ضعف حامله الطائفي تكون آثاره ضيقة. ولقد عزز هذا الوعي النرجسي وضع الفئات العمالية الفقيرة السورية، التي تؤدي مجموعة من الأعمال الخدمية في لبنان، كان اللبناني في الغالب يحتاج إليها ويأنف القيام بها. واتحاد الوعي الطائفي بالوعي النرجسي، يخلق وهماً من جهة، وتشرنقاً من جهة ثانية، أي رغبة في الانعزال عن من يشكل خطراً على هذه النرجسية.

 

ثانياً: لقد تأسس الوعي الطائفي الأقلوي النرجسي في لبنان على وجود حليف خارجي، أي قوى خارجية تهب عند الضرورة لمساعدة الطائفة، أو تستقوي الطائفة بها. سواء كان هذا الاستقواء ضد خطر داخلي، أو ضد توهم خطر خارجي، والخطر الخارجي بالوعي هذا هو سورية بالذات وليس غيرها.

ولما كان العنصر الخارجي العربي أضعف من أن يسعف، فإن التعويل على العنصر الأوروبي - الأمريكي متجذرُ بالوعي الطائفي الأقلوي النرجسي. وهذا ما أكدته الحرب الأهلية عام (1958 م)، وما أكدته أحداث ما بعد اغتيال الرئيس الراحل الحريري.

إذا كان هذا هو حال الوعي اللبناني الطائفي الذاتي، وبسورية، فإن الوعي السوري الذاتي، وبلبنان مختلف جداً.

عاملان أساسيان حددا الوعي السوري بذاته وبجواره.

لقد تأسس الوعي السوري بذاته على فكرة العروبة أولاً. وهذا حال دون انتصار الوعي القطري بحدود الدولة التي حددها الاستعمار الفرنسي. ذلك أن الوعي العروبي يقع بالضرورة في تناقض مع الوعي الأضيق - القطري - وما قبل القطري، الوعي المناطقي والطائفي. والحق أن آثار هذا الوعي أكبر من أن تتصورها، بل إنه قد قام باختراق عربي قلّمثيله.

لكن هذا الوعي العربي لم يحل دون ظهور وعي آخر، وعي تراجيدي بالوجود الذاتي السوري. فالسوريون على اختلاف مشاربهم مازالوا ينظرون الى بلاد الشام من زاوية الأجناد تقع سورية منها في المركز. وإن لبنان والأردن وفلسطين أجزاء من الوطن قد اقتطعت منها. وهكذا تولد شعورُ بالغبن التاريخي، الذي يجب أن يزول عبر زوال تلك الأخطاء التاريخية الفاجعة، بسلخ لبنان والأردن وفلسطين عن الوطن الأم.

أجل: لقد حدد الوعي بالمركزية السورية العلاقة الملتبسة مع الأطراف. فلبنان ليس أكثر من خطأ تاريخي تحقق عنوة بفعل قوة الاستعمار، وما شرق الأردن إلا سلخ قسري عن الجنوب، وما إسرائيل إلا كيان عنصري استيطاني يجب أن يزول لتعود فلسطين الى أهلها، وتصبح فلسطين وسط سورية، كما قال الرئيس حافظ الأسد مرة.

من هنا نفسر: لماذا نظر السوري بعد احتلال فلسطين الى اللاجئ الفلسطيني على أن له حقوق السوري. وهذا لم يكن وقفاً على الحكومة وقراراتها بل على الوعي الشعبي أيضاً، الذي لا يريد أن يخلق لدى الفلسطيني أي إحساس بالتفاوت أو بالغربة.

وكم هي صعبة آثار هذا الوعي على سورية، لكنه وعي من الصعب إن لم يكن من المستحيل تغيره في المستقبل المتوسط أو حتى البعيد.

واتحاد هذين النمطين من الوعي تحول دون أن تقتنع سورية بدور صغير داخل حدودها، أو أن تسلم ضمناً للأطراف بمصيرها الدائم، ومما يعزز وعياً كهذا أم لم يأت زمن تاريخي منذ سايكس - بيكو حتى الآن، لم يكن فيها قوى هامة ومؤثرة في الأطراف تعتبر نفسها امتداداً لسورية.

بل إن صراعات كثيرة وكبيرة شهدتها الأطراف أساسها: من مع سورية ومن ضدها. وهذا ما حال دون أن يظهر أي وعي حاقد على الأطراف مهما كان موقفها من سورية العربي والشعب في سورية.

وإذ قلنا أن علاقة سورية بأطرافها ملتبسة فلأنها لا تستطيع أن تتجاهل الوقائع الصلبة على الأرض من جهة، ومن جهة أخرى لا تستطيع أن تنسى أنها وقائع - أخطاء بحق سورية، الوطن الأكبر الذي سلبت منه أطراف محددة.

انطلاقاً من هذا الوعي وطبيعته تتحدد علاقة سورية بلبنان. فليس لبنان بالوعي السوري إلا خطأ تاريخياً، يشاركه بهذا الوعي جزء من اللبنانيين، يكبر ويصغر بحسب الظروف والأحوال.

وإلى حين يتحقق تصحيح هذا الخطأ، فإن ترابطاً خاصاً يجب أن يقوم بين سورية ولبنان. فلبنان بهذا المعنى وجود مستقل وغير مستقل عن سورية. أو هكذا يجب أن يكون. وعي كهذا ليس مرتبطاً بسلطة ما، أو بجزء من السكان، هذا وعي شبه كلي.

تعين هذا الوعي بعلاقة خاصة مختلفة عن جميع علاقات سورية بالبلدان العربية، والطرف الحاسم فيها هو سورية. وقد وصل هذا التعين ذروته منذ دخول القوات السورية الى لبنان.

لقد عكس دخول القوات السورية - بوصفها قوات ردع عربية بموافقة أكثرية عربية ودولية نمطي الوعي: السوري وأشكال الوعي اللبناني. فإذا كان الوعي السوري ذا ملامح عامة بلبنان ومستقر، فإن الوعي اللبناني متعدد الأشكال ومتغير.

فلقد حطم الجيش السوري وأمنه نرجسية كثير من النخب اللبنانية الطائفية بصورة قاسية، بل بأقصى ما تتحمله البنية النفسية النرجسية، وقد ساهمت هذه النخبة بهذا التحطيم وساعدت عليه. هذا من جهة، ووجد السكان أنفسهم في العيش المشترك عبر السفر اليومي والحياة الطبيعية، حتى بدت بيروت ودمشق مدينتان في بلد واحد.

كان جزءً من الوعي الطائفي ينظر الى العلاقة الجديدة على أنها تبعية وسيطرة، وجزء آخر يكبت هذا الوعي ويظهر عكسه، وكان جزء ثالث يرى في هذه العلاقة ضماناً لاستقرار لبنان وأمنه بل وضماناً لقوته.

لم ينشغل السوري كثيراً بأشكال هذا الوعي وآثاره المستقبلية. كان مطمئناً الى أن الحالة اللبنانية - السورية قد أخذت شكلها شبه النهائي. كان الطريق العسكري معبراً بشكل كبير عن وعي السوري بلبنان ويعززه المجلس الأعلى اللبناني - السوري.

وكان المفهوم المشترك الذي عبر عن هذه الحال: العلاقات المميزة.

ولعمري، أن مصطلح العلاقات المميزة هو التعبير الأمثل عن خصوصية العلاقة من جهة وعن نمط من الوعي يبرز فرادة العلاقة السورية - اللبنانية على نحو مختلف عن كل العلاقات العربية - العربية. وهو مصطلح يلقى في كل الأحوال قبولاًً واعترافاً من العرب أنفسهم، ومن العالم الفاعل.

كان الوعي الطائفي العلني المعادي لهذا النمط من العلاقة في وضع شديد الجرح، فلا هو بقادرٍ على أن ينفي خصوصية العلاقة ولا هو بقادرعلى أن يلغي تعينها الواقعي، فيما كان الوعي المناهض خفية، والمؤيد علانية يقترب أكثر فأكثر من الأول ليشكلا في النهاية بعد اغتيال الحريري وما قبله بزمن قصير، وعياً صريحاً في معاداة شكل العلاقة الذي ساد.

وهكذا تحول الوعي الطائفي القطيعي الى وعي حاقد بصورة لم يشهدها لبنان منذ قيامه دولةً. وأظهر الوعي الوطني للأحزاب الافوق طائفية ثباته الاستراتيجي في النظر الى سورية، وحمت المقاومة كبرياء السوري الذي حاول الوعي الحاقد النيل منه.

لقد تحول اغتيال الحريري الى وسيلة، وسيلة انتقام من وعي نرجسي طائفي مجروح. عدته: علم، يخفي الوعي الطائفي، ورمز الأرز، ليظهر المشهد كلياً، وشعارات: استقلال، سيادة، حرية. واستقواء مطلق بالولايات المتحدة وأوروبا ومجلس الأمن. ولكنها المرة الأولى التي يشهد فيها لبنان انقساماً شبه متساوٍ انطلاقاً من الموقف من سورية. لم تنظر الأحقاد بعين واقعية الى دلالة هذه الواقعة وأهميتها ورمزيتها.

بلد ينقسم بسبب الموقف من بلد آخر. وانقساماً حاداً وقوياً وفيه عملية كسر إرادات. فبدل أن تخلق هذه الواقعة الفاقعة وعياً موضوعياً بالعلاقة مع سورية، أنتجت على العكس وعياً زائفاً مؤسساً على: ثورة الأرز وتحقيق الاستقلال الثاني، وزيادة في الاستقواء. ولقد اختصر هذا الوعي بمصطلح العلاقات الندية التي تستوجب اعترافاً دبلوماسياً وترسيم حدود.

لم يسأل السؤال الأهم: ما قيمة سفارة وترسيم حدود أمام شرخ لبناني كبير بسبب العلاقة مع سورية؟

في الوقت ذاته كان الوعي السوري يستمد من شرخ كهذا اطمئناناً يسمح له بالاعتقاد أنها مرحلة عابرة تلك التي تشهدها العلاقات السورية - اللبنانية، وأن سفارة لبنان في دمشق وسفارة لسورية في بيروت، لن يلغي مصطلح العلاقات المميزة. وفي المقابل لن يخلق وعياً سورياً مختلفاً عن وعيه بالمركز تجاه أطرافه وبخاصة لبنان.

إن تحليلي لطبيعة الوعي الذاتي في كلا البلدين، ووعي كل منهما بالآخر أساس ضروري لبناء مستقبل لعلاقات محمودة سورية - لبنانية تحقق سعادة سكان البلدين.

بل قل لا يمكن أن يكون للعلاقة مستقبل، كالمستقبل الذي ننشده إلا بانتصار وعي جديد وعي ذاتي ووعي متبادل.

فالشرط الرئيس لتحول العلاقة السورية
-  اللبنانية الى علاقة متميزة في الوعي اللبناني هو أن تخبو نار الوعي الطائفي، ويظهر شيئاً فشيئاً وعي وطني حقيقي وليس وعياً أيديولوجياً وطنياً يخفي نزوعات طائفية. فالوعي الوطني اللبناني سيغير بالضرورة من طبيعة السلطة التي تتحول من سلطة تتقاسمها أرستقراطية الطوائف أو قواها الفاعلة الى سلطة تعبر عن مصالح لبنان الوطنية. ووعي مصالح لبنان الوطنية سيقود حتماً الى ترسيخ علاقات المصلحة المتبادلة، لأن المصالح المتبادلة السورية - اللبنانية ليست مجرد رغبة ذاتية بل ذات أساس موضوعي جداً.

فمن ذا الذي يتصور المصالح الاقتصادية اللبنانية، الزراعية والتجارية، خارج السوق السورية، والجغرافية السورية، والعمالة السورية، والقوة الشرائية السورية.

من ذا الذي يستطيع أن يتصور أمن لبنان دون النظر الى الخارطة اللبنانية وموقعها من الخارطة السورية.

من ذا الذي باستطاعته تصور الحياة الثقافية بالمعنى الأنثروبولوجي خارج العلاقات الموضوعية بين سكان البلدين.

لا يمكن للوعي الطائفي المنطلق من مصالح الطائفة أو ارستقراطيتها أن يصدر عن وعي كلي بمصالح لبنان.

بل إن الوعي الطائفي هو وعي مستقوٍ دائماً بما هو خارجي سواء كان الخارج عربياً أم دولياً. غير أن علاقات الداخل اللبناني - السوري، هي التي تحدد مصير علاقات اللبنانيين والسوريين وليس العنصر الخراجي مهما بدا في لحظة ما قوياً. ويخطئ من يظن أن سياسيات الدول الفاعلة عالمياً تصدر عن حمية مضرية وحس أخلاقي سامٍ. فالحمية المضرية والحس الأخلاقي السامي مفهومان لا ينتميان الى السياسة أبداً. يجب أن لا ينسى الوعي الطائفي اللبناني أن سورية دخلت لبنان عسكرياً. بموافقة أمريكية ومعارضة سوفيتية. واعترف (شيراك) بخصوصية العلاقة السورية - اللبناية والمصالح السورية الخاصة بلبنان.

فالغرب واميركا تنظر الى الكيانات التي قامت وأقيمت على أنها أفضل الوقائع الممكنة للشرق العربي، وهي قادرة على الابقاء عليها، والوقوف ضد كل من يحاول تغييرها بالقوة. لكن العلاقات بين الكيانات مسألة أكثر تعقيداً من بقاء الكيانات ذاتها. ويمكن لعلاقات متطورة أن تخلق أساساً لحالات من الاندماج والاتحاد.

بالمقابل فإن الوعي السوري بأطرافه سورية وهو وعي كما قلنا بالمركز، فإنه لا يستطيع أن يكون جاذباً للأطراف انطلاقاً من الوعي المركزي. مهما كانت هناك قوى داخل الأطراف لا تنظر الى كياناتها إلا نظرة الوعي السوري، وتنظر الى سورية بوصفها الأم.

بل لا بد وأن ينتقل الوعي بالمركز الى الوعي بالمركز - النموذج. وحده المركز - النموذج يتحول الى مركز جذب أوسع وأشمل لدى سكان الأطراف، ويخلق التناقض بين سلطة تطرح لبنان أولاً، أو الأردن أولاً، كشعار أيديولوجي هدفه الأساس تحطيم الوعي بالانتماء المشترك، وليس مضمونه إلا السلطة أولاً.

وسلطة الأطراف لكي تعزز من هذه ال "أولاً" تحاول النيل من الدولة - المركز، التي لم تتحول بعد الى أنوذج.

والوعي بالأطراف السورية- باستثناء إسرائيل التي يجب أن تزول بالضرورة - حتى ولو تأسس على فكرة الخطأ التاريخي، فإن تصحيح هذا الخطأ يحتاج الى إستراتيجية طويلة الأمد تعمل على تحقيق تبعية متبادلة بين البلدان السورية، وهنا يبرز دور الدولة المركزية - النموذجية دوراً فاعلاً جداً. فإذا كانت سياسة سلطة الأطراف في لحظة واحدة ما أو فترة ما تسعى للابتعاد عن المركز خوفاً منه، وتعمل على خلق مشكلات حدودية وغير حدودية على المركز، فأن رد فعل الدولة - النموذج يجب أن يكون مزيداً من الاهتمام بسكان الأطراف، وسن سياسة تخلق شعوراً لدى سكان الأطراف بأن لهم حقوق المواطن السوري.

ولعمري، أن هذه الطريقة هي أنجح السياسات مع لبنان كي يتحول الشعار التافه لبنان أولاً، الى لبنان أولاً تعني العلاقة المتميزة مع سورية أولاً. لاسيما وأن الوعي السوري الشعبي مؤهل جداً لمثل هذا النمط من السياسة.

إن وعياً ينطلق من أن وقائع التاريخ مهما كانت تافهة وثمرة إرادات خارجية، لا تتغير إلا باسترتيجية بطيئة وطويلة الأمد، إرادتها مشتركة، مع الأخذ بعين الاعتبار ما ولدته الأخطار من وقائع جديدة. أن وعياً كهذا لا يستعجل تغيير التاريخ عبر القسر، هو الذي يحبه التاريخ نفسه، فالتاريخ يكره التغير الذي يجيء في غير أوانه.

على وعي كهذا يتوقف - كما قلت - مستقبل العلاقة السورية - اللبنانية المنشودة لتعود العقلانية المفقودة الى الوجود بوصفها أساس سعادة بشرٍ وجدوا أنفسهم في حال صراعات لاعقلانية.

 

 

أ.د. أحمد برقاوي