العدد الثاني والاربعون - حزيران

لبنان من الانتداب الفرنسي حتى اليوم:

خارطة سياسية محكومة بألوان طائفية
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

عندما يصل زائر اجنبي الى لبنان لاول مرة تلفت انتباهه ظاهرة التنوع الجغرافي فهنا مدن ساحلية واخرى جبلية وسهلية في البقاع ،حتى ان هذا البلد الصغير يتنوع فيه

المناخ تبعا للجغرافية ويتبدل فيه الطقس أثناء مسير ساعة في السيارة. وعندما يلاحظ الزائر اختلاف الازياء والتنظيم المدني واشكال البيوت والعمارات، يظن للوهلة ان هناك تنوعا ثقافيا الا انه سرعان ما يكتشف ان هذا التنوع طاول قليلا شخصية اللبناني ومزاجيته ورؤيته للعديد من الامور السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها.ان موقع لبنان على تقاطعات جغرافية جعله عرضة لتقاطعات سياسية استعملت هذا التنوع من اجل تحقيق  المصالح السياسية للقوى الكبرى التي تصل خطوطها الى هذا البلد وتتقاطع مع خطوط اخرى لقوى اخرى.  

ويعج التاريخ قديما وحديثا باخبار التقاطعات منذ الفراعنة والحثيين الى الفاطميين والعباسيين الى مصر محمد علي باشا والعثمانيين الى ايامنا هذه. وقد شكل العبور المتكرر الى لبنان لقوى خارجية عاملا مؤثرا على المزاج السياسي العام للمجموعات اللبنانية، ووضعت في لاوعي اللبناني بواعث لسلوك سياسي يصعب تفسيره اذا لم ندرك تأثير الارث التاريخي والثقافي في التعامل مع القوى العابرة للوطن حتى لو استقرت قيه ردحا من الزمن. 

منذ انشاء لبنان بحدوده الحالية بصيغة دولة لبنان الكبير خضع هذا البلد لتأثيرات اجنبية مباشرة وغير مباشرة خلال ثلاث مراحل: 

المرحلة الاولى: الانتداب الفرنسي لنحو ثلاثين عاما، كان فيها الانتداب مصدر السلطة للجماعات السياسية الطائفية اللبنانية. أسهم الفرنسيون في وضع اللبنة الاساسية للدستور والقوانين اللبنانية، وبناء دولة المؤسسات على انقاض المتصرفية وولاية بيروت وحققوا انجازات هامة في فرض مفهوم الدولة على قسم كبير من اللبنانيين. 

المرحلة الثانية هي من الاستقلال حتى بداية الحرب الاهلية. وفيها حاول اللبنانيون حكم انفسهم بانفسهم وحققوا قليلا من النجاح نظرا للتعثر الكبير الذي رافق نشوء الدولة والمؤثرات اخارجية التي تحكمت بالمزاج السياسي للمجموعات اللبنانية. تعرض اول رئيس جمهورية للضغط الشعبي والسياسي من قوى تنتمي الى مختلف الطوائف ولاسباب تتعلق بالفساد وخلفه كميل شمعون الذي دخل في المحاور العربية المتناحرة اوصلت البلاد الى اول فتنة في عهد الاستقلال نتج عنها استقطاب سياسي طائفي حاد. واصبح شمعون زعيما ورمزا للمسيحيين فيما امتطى المسلمون خصومته لتحقيق زعامة او الوصول الى السلطة. لم يستطع فؤاد شهاب ان يحل مكان شمعون في زعامة المسيحيين رغم سلطة المكتب الثاني والتحالفات السياسية الاسلامية والمسيحية التي عقدها. بقي شمعون رمزا قويا للمسيحيين. حاول فؤاد شهاب تقوية الكتائب على حساب نفوذ شمعون، قويت الكتائب لكنها استحوذت على النهج السياسي الشمعوني واعتمدته بطريقة منظمة وبراغماتية خلافا للزعامة الشمعونية الشعبوية. سيطرت السياسة الشمعونية الكتائبية على المزاج السياسي المسيحي ما خلا بعض المناطق التي غلب عليها الانتماء العائلي مثل زغرتا وبشري.  

في الجانب الاخر مارس المسلمون السياسة غالبا بصيغة ردة الفعل على الشمعونية الكتائبية وتذرعوا بهيمنة المسيحيين على السلطة ومؤسسات الدولة من اجل الاستقواء بقوى عربية (مصر،سوريا،الفلسطينيون) وتحقيق مصالحهم. فكان انتشار الناصرية بين المسلمين واسعا رغم محاولات القيادات الاسلامية لجم هذا الجمهور عن طريق ممارسة ضغوط بما تيسر لهم من نفوذ في مؤسسات الدولة. 

في تلك المرحلة كان المزاج السياسي المسيحي العام مناوئا للعروبة المتمثلة بالناصرية والبعثية والقومية العربية ومؤيدا للطروحات الاقليمية والانعزالية وكان رد فعل المسلمين حادا تجاه المسيحيين والدولة. 

بعد حرب 1967 دخل العامل الفلسطيني ليؤجج الخلاف الحاد بين المجموعتين الاسلامية والمسيحية وتطور الى حرب مدمرة. شعر المسيحيون بالخوف من اقتلاعهم من ارضهم وخاضوا حربهم بحجة الدفاع عن مناطقهم وعبئوا جمهورهم بهذه الذريعة ما ادى الى سيطرة المتطرفين على قرارهم السياسي. في المقابل تحول الاستقواء الاسلامي بالفلسطينيين الى حالة تحالف دائمة بين المسلمين اللبنانيين والفلسطينيين.

في هذه المرحلة الحساسة دخلت سوريا على خط الاحداث وواجهت التهديد بتقسيم البلاد لما يشكله التقسيم من خطر يطاول المنطقة العربية باكملها بما فيها سوريا. دخل الجيش السوري الى لبنان، وواجه الفريقين الاسلامي والمسيحي ومنع احدهما من السيطرة على الاخر. ومع غياب الحلول للازمة اللبنانية تحول السوريون الى فريق يضر بمصالح الزعامات المسيحية المتطرفة والزعامات الاسلامية المستقوية بالفلسطينيين والمتحالفة معهم. لاسباب عديدة لم يتمكن السوريون من القضاء على كلا الفريقين واعادة بناء الدولة اللبنانية واكتفوا بالمحافظة على التوازن العام في البلاد.

  المرحلة الثالثة استمرت من بداية الاحداث عام 1975 حتى التوصل الى اتفاق الطائف  ودخلت فيها اسرائيل على الخط مباشرة واجتاحت لبنان واحتلت العاصمة بيروت الامر الذي احدث هلعا لدى المسلمين وزهوا لدى المسيحيين وطردت اسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. لكن اسرائيل لا تعرف غير مصالحها. فسرعان ما سحبت قواها من لبنان وعلى مراحل وكانت تتسبب في كل مرحلة بالدمار والخراب والتهجير للمسيحيين. ورغم احساس المسيحيين بالخداع الاسرائيلي وان اسرائيل استخدمتهم من اجل مصالحها ولم تأبه بما حل بهم من خسائر، لم تظهر حالات العداء المسيحي لاسرائيل الا بعد فترة من هيمنة القوى المتطرفة المتحالفة مع اسرائيل على القرار المسيحي.

اما  المسلمون الذين فقدوا منظمة التحرير الفلسطينية فتحكم بهم الواقع الجغرافي ، سكان الجنوب انخرطوا بالمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي وساندتهم جميع القوى الوطنية واليسارية وذلك لغاية التوصل الى اتفاق الطائف، ثم ما لبثت عندها المقاومة ان ارتدت ثوبا شيعيا كون الشيعة يشكلون غالبية سكان الجنوب وخصوصا المناطق المحتلة. 

في المرحلة الرابعة اي بعد اتفاق الطائف عاش لبنان فترة السلم السوري القصير التي دامت لغاية 14 شباط 2005 وجرت خلال هذه الفترة اعادة بناء المؤسسات وفي طليعتها الجيش وتوحيد مؤسسات الدولة واعادة الحياة لها كما انطلقت الانتخابات النيابية عام 1992 وسط مقاطعة مسيحية ما لبثت ان تلاشت ودخل بعدها المسيحيون ولو بنسبة غير كبيرة الحياة السياسية اللبنانية. 

اختلف اللبنانيون حول الادارة السياسية للبلاد فمنهم من اعتبر ان سوريا واجهزتها تدير الوضع ومنهم من اعتبر ان القوى السياسية اللبنانية هي المسؤولة عن ادارة البلاد وذهب اخرون الى ان ادارة البلاد تتم وفق توافق دولي واقليمي اي بمعنى اخر سوري سعودي اميركي وان الوجود العسكري السوري في لبنان هو لتظهير هذا التوافق. كان لهذا الخلاف في وجهات النظر دور كبير في بناء المزاج السياسي للمجموعات اللبنانية.  

خلال هذا السلم ،نشأت طبقة امنية سياسية من مختلف الطوائف وتسلمت السلطة وهيمنت على مقدرات البلاد. وحقق المنتمون لهذه الطبقة نفوذا سياسيا ومصالح اقتصادية وظهرت اسماء وزعامات وحيتان مالية تقدمت الى واجهة طوائفها ولم تكن من قبل تنتمي الى احزاب اساسية ولا الى عائلات سياسية.كانت هذه الطبقة تتصرف بثقة زائدة وتحرص على افضل العلاقات مع سوريا اضافة الى علاقات مع السعودية وعلى الارجح مع الولايات المتحدة وفرنسا ايضا اللتان لم تبتعدا عن الوضع اللبناني وكانتا منغمستين داخله وتحرصان على بقاء التوازنات الدقيقة وهذا ما يفسر مثلا اقصاء حزب الله عن المشاركة في الحكومات والوظائف العامة . 

تحت هذه الطبقة كانت تجري امور كثيرة وخطيرة ويتكون مزاج شعبي دون اكتراث من هذه الطبقة. على الصعيد المسيحي كانت تجري حملة تحريض مستمرة ضد سوريا وكل ما له علاقة بها فتشكل مزاج مسيحي متنافر مع كل ما له علاقةبسوريا وفشلت الطبقة الامنية السياسية من احداث ثغرة هامة في الجدار المسيحي، وكل الشخصيات المسيحية التي جرى تركيبها لم تستطع التأثير في المزاج المسيحي العام.

على الصعيد المسلم كانت الامور تتجه نحو خطورة بالغة تعمدت الطبقة السياسية الامنية تجاهلها وانكار وجودها وهي بداية الشرخ السني الشيعي. وكان واضحا ان بعض الدول لم تجد اسهل وافضل من المذهبية للدخول الى البنية التحتية للطوائف وخصوصا الطائفة السنية التي لها تاريخ عريق وتراث في الانتماء القومي والعربي والمقاوم لاسرائيل والمناوىء للغرب والمشاريع الاستعمارية(ربما كان بعض من هذا رد فعل على سياسات المسيحيين اللبنانيين). اما بعدما رحلت منظمة التحرير الفلسطينية واقتصرت اعمال المقاومة ضد اسرائيل على الشيعة، فقد خلق هذا الواقع فراغا كبيرا لدى الطائفة السنية لم تستطع الطبقة الامنية السياسية المهيمنة ملأه لانها لم تقر بوجوده اصلا. وقد وجد العديد من الشباب في الحركات الاصولية والسلفية ملاذا لهم فيما التجأ اخرون الى الحريرية السياسية وتراجع بشكل ملحوظ اهتمامها بالنزاع العربي الاسرائيلي، ولم تعد مهتمة بمتابعة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب ومقاومته واكتفت بتاييد نظري كونها غير معنية مباشرة بالمواجهة، وان هناك من يتولى وحيدا المقاومة وانها تؤيده وتتمنى له التوفيق. ادى هذا الفراغ وملؤه الى نشوء سنية سياسية لم تكن موجودة من قبل، يقابلها مسيحية رافضة للوجود السوري بكل اشكاله، وشيعية سياسية تحتكر المقاومة ضد اسرائيل وتشارك في الحكم بشكل متميز وافضل مما كانت عليه قبل الطائف. شهدت هذه المرحلة انحلال العديد من الاحزاب اليسارية ونزوح العديد من اعضائها الى طوائفها والى الحريرية السياسية التي استقطبت الكثيرين بفضل امكاناتها ووسائل اعلامها التي استوعبت الكثيرين من النخب اليسارية، نظرا لاتقانها لعبة الاعلام والجدل السياسي واستخدمت الديالكتيك الماركسي للدفاع عن الطوائف والمصالح الفئوية بذريعة مواجهة الفكر الديني المظلم ولو كان ذلك بالتحالف مع فكر اشد ظلاما وانغلاقا. 

المزاج السياسي المسيحي الذي كان يناهض السوريين ،كان يناهض ايضا السنية السياسية والشيعية السياسية معا باعتبارهما متعاونتين مع سوريا من اجل سلب المسيحيين السلطة  والاستحواذ على القرار السياسي في البلاد.ولعل مبادرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتقديم مشروع قانون لالغاء الوكالات الحصرية بهدف انتزاع سلطة اقتصادية من المسيحيين، تمت مواجهتها من قبل المسيحيين وتجميدها من قبل رئيس الجمهورية اميل لحود. 

ما ان صدر القرار 2559 حتى استشعر الساسة اللبنانيون وخصوصا الانتهازيون منهم بتغيير الرياح الدولية باتجاه اخر، فسارعوا وتسرعوا بركوب الامواج الجديدة قبل ان تتشكل وقبل ان يتوضح حجم التغيير ومداه. في البدء كانت الحملة على التمديد للرئيس لحود خلافا لما جرى اثناء التمديد للرئبس الاسبق الياس الهراوي والذي مر بسلاسة واضحة، وسرعان ما اتجه الرأي العام السني الى التعاطف مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بشكل صارخ والابتعاد عن سوريا. لم تلاحظ الطبقة الامنية السياسية هذا التغيير ولم تكترث له وكانت تكتفي بالسماع للاطراء والمديح من بعض الانتهازيين. 

جاء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 لينهي اخر رابط بين السنية السياسية وقاعدتها المذهبية، وفوجئت الطبقة الامنية السياسية بالارتفاع الحاد للمزاج السني وتجاوزه المزاج المسيحي في اظهار العداء لسوريا فيما وقف المزاج الشيعي مشدوها بالصدمة يحاول التوفيق والحفاظ ما امكنه على الوضع السائد وتفادي الخسارة السياسية وزج المقاومة بنزاعات داخلية.كانت ذروة حدة المزاج السني والمسيحي في 14 اذار 2005 ذلك الحشد الذي ظن الاميركيون والاوروبيون انه يشبه ما حصل في اوكرانيا وجورجيا، وراهنوا على تغييرات دراماتيكية لكن التركيبة اللبنانية لا تحتمل مثل هذه الثورات وتعود حتما الى التوافق.

وفي تطور سريع، برز نفور بين القيادة المسيحية وقيادة 14 اذار الحريرية وشعر المسيحيون انه لن يتغير شيء، وانهم سوف يتحولون الى تابعين للحريرية وفق ارادة خارجية فرفضوا ذلك وتحلقوا حول العماد ميشال عون واسهم الحلف الرباعي بين امل حزب الله والمستقبل والاشتراكي في اكتساح عون للمقاعد النيابية في المناطق المسيحية تعبيرا عن رفض المسيحيين للتبعية الجديدة المحضرة لهم. جهدت القوى الدولية (الولايات المتحدة الاميركيةوفرنسا) والكنيسة المارونية ومعسكر الاعتدال العربي بجميع امكاناته من اجل القضاء على حركة الاحتجاج المسيحي واعادة المسيحيين الى الصف الحريري السياسي واستخدمت لهذه الغاية امكانات ضخمة لكن ظاهرة الاحتجاج صمدت وتجذرت وجرى اختبار لها في انتخابات المتن الفرعية المفاجئة والتي اسفرت على فوز عون ولو باغلبية ضئيلة. لكن القضاء على الاحتجاج المسيحي ما زال هدفا لتلك القوى مجتمعة ولم تترك سلاحا سياسيا واعلاميا وثقافيا ودينيا الا واطلقت النار منه وبغزارة على الاحتجاج المسيحي المتمثل بالتيار العوني.

لم يقف التيار العوني جانبا ووجد في طروحات حزب الله وصدقية قيادته التي اجمع عليها اصدقاؤه واخصامه مجالا لاقامة تحالف سياسي معه. توصل التيار العوني وحزب الله بعد محادثات مسهبة وصريحة الى تفاهم فريد من نوعه بين القوى السياسية اللبنانية التي اعتادت على عقد اتفاقات سرعان ما تنهار وغالبا لا تنفذ ويغلب عليها طابع تضييع الوقت والتكاذب المتبادل، لكن تفاهم عون حزب الله كان جريئا وصريحا وتطرق الى مواضيع كان البعض يعتبرها من المحرمات فاذا بها توضع على الطاولة ويتوصل الفريقان الى اتفاق بشأنها (اللبنانيون اللاجئون الى اسرائيل ،المعتقلون في سوريا ،ترسيم الحدود...)

بدلا من ان تتلقف القوى السياسية هذا التفاهم وتستفيد منه كونه وضع تفاهمات حول مواضيع مثار خلاف بين الافرقاء اللبنانيين تعرض هذا التفاهم لهجوم عنيف من تيار المستقبل واسهمت ردود الفعل المتبادلة باطلاق الغرائز في كلا الجانبين وتشكل مزاج مسيحي عند التيار العوني من اشد المعارضين للحريرية السياسية، ويكاد لا يمضي نهار الا وتتناول وسائل اعلام المستقبل التيار العوني بالانتقادات العنيفة. وسط هذه التبدلات تشكل مزاج شيعي حذر لا يستسيغ الحريرية السياسية لكنه يخشى مهاجمتها خوفا من الانفجار المذهبي كما توسع المزاج السياسي المستقبلي ليطلق سهامه باتجاه حزب الله بمناسبة وبغير مناسبة (راجع ارشيف جريدة المستقبل).

في ظل هذه التوترات اصبح حزب الله المقاوم مقبولا من المزاج المسيحي العام في التيار الوطني الحر، فيما ابتعد عنه جمهور تيار المستقبل الذي تشكلت لدى قواعده هواجس ومخاوف من استعمال حزب الله لسلاحه في الداخل اضافة الى المخاوف التي يعبر عنها عرب الاعتدال من ايران وملفها النووي.

وقع لبنان في مأزق طائفي غرائزي ادى الى تبدلات في المزاج السياسي العام للمجموعات الطائفية بحيث اصبح كل حدث يخضع لحكم الغرائز، وغاب العقل عن الاحكام. اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على غزة كان رد الفعل لجمهور المستقبل فاترة ومن قبيل رفع العتب في الاعلام، بينما كانت نصرة غزة غائبة عن الادبيات السياسية للحريرية السياسية .

مؤخرا افرجت المحكمة الدولية في لاهاي عن الضباط الاربعة المحتجزين في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واعتبرتهم غير مشتبه بهم ولا متهمين، وهو ما شكل اعترافا بالظلم الذي لحق بهم. هذا القرار اربك قوى 14 اذار والحريرية السياسية التي بنت على هذا الاتهام عمارات سياسية.لم يطل الامر كي يخرج الحريريون من هذه الورطة فكان مشهد بعض قيادات حزب الله وهم يهنئون الضباط المفرج عنهم كافيا لتشكيل مادة لربطهم بالحزب وتأجيج مشاعر جمهورهم الذي تجاهله من وراء الضباط الاربعة عندما كان في طور التشكل والنمو.

المزاج السياسي العام للمجموعات اللبنانية امام استحقاقات قادمة ومؤثرة على الاوضاع في لبنان. المشروع الاميركي لشرق اوسط جديد الذي اعلنت عنه رايس عام 2006 فشل. مشروع اسقاط النظام في سوريا الذي تحدث عنه بعض قيادات 14 اذار فشل. مشروع القضاء على حزب الله فشل عام 2006. مشروع القضاء على حماس فشل عام 2009. بوش رحل. اوباما جاء بشعار التغيير ، طبعا التغيير لن يكون دراماتيكيا ولا سريعا بل مثل انعطافة الفيل. السعودية تصالحت مع سوريا.

الولايات المتحدة بدأت اتصالاتها الدبلوماسية مع سوريا. ايران بدأت تشعر ببعض الامان من الهجوم الاميركي الذي كان متوقعا ضد المنشات النووية. في اسرائيل وصل الى الحكم اليمين الاسرائيلي المتطرف الذي لا يميز بين فلسطيني واخر او بين عربي واخر مهما كان معتدلا او ممانعا. وقائع جديدة تفرض الانتقال الى اوضاع جديدة.

اين مزاج المجموعات الطائفية اللبنانية من هذه التغيرات؟ الخوف سيد الموقف عند الحكماء، والتسرع يحكم البلهاء.

 

الياس سالم