العدد الثاني والاربعون - حزيران

ناصيف نصّار: الفيلسوف المعمار

اميل العكرا
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

 يتذكر الفيلسوف اليوناني سقراط أن اكتشافه على الشاطىء لشيء أبيض نقي، صفدة أو عظمة أو آلة، جذب تفكيره. ذلك أنّ تناسق هذا الشيء و تناغمه نادياه و استثارا فيه رغبة في التقليد؛ و شعر أنّ جماله يستدعي المحاكاة ويقتضي تسجيله من خلال فعلٍ خلاّق يؤمّن حفظه و ديمومته. و رأى أنّ هنالك سبيلان للوصول إلى هذه الغاية: بالإمكان أولاً رفع نِسَب الأحجام فيه إلى المستوى المطلوب، و اعتماد التماثل و التناسق و التناسب لتقديم الشكل الرهيف الجميل الناتج عن تلك المحاكاة حيِّزاً صالحاً للسكن، فيستطيع هذا الحيِّز بدوره، ومن خلال كمال الإطار المقترَح، إلهام السكّان بالعديد من رؤى الحكمة والحقيقة. و بالإمكان ثانياً، ومن خلال الكلام والخطاب، تشييد ذلك النُصب من التفكير و المعرفة، والوصول من خلاله إلى تلك الحقيقة التي لا يشكل جمال الشيء المذكور سوى نذيرها أو صنوها.

وكان الاختيار بين هذين السبيلين صعبٌ، و لكنه ضروري. ففضّل سقراط اختيار المعرفة، و لكنّه ظلّ يحمل في أعماقه ذلك المعمار الذي قرّر أن لا يكونه، و بقي يسكنه و يلهم أفكاره. وتطفو، في سياق تذكره، تلك المفاضلة الأليمة التي كان عليه حسمها: فالعمارة تتكلم، لا بل تغني تناسق الكون و تناغمه، لكنّ الكلام الجميل الحق هو بنَّاء: "لقد وضعت الصدفة بين يديّ الشيء الأكثر غموضاً في الكون؛ و كان بإمكان التفكّر العميق اللامتناهي، الذي أثاره فيَّ، جذبي إلى الفيلسوف الذي كنته كما وللفنّان الذي لم أكنْه... لقد كان في أعماقي معماراً لم تكمل الظروف تكوينه". و في السياق، يأتي تقييم التجربة على لسان فيدر Phèdre بما معناه: "أنّني أفقه الآن كم كان تردّدك مفهوماً بين أن تبني وبين أن تَعْرِف..."

ويطول الكلام عن هيغل Hegel ومطوَّلاته في البحث في الأستيتيك ودور العمارة المركزي فيه، وفي الفلسفة. وإذ نكتفي خلال هذه الومضة من الدلالات، بالإشارة إلى أهمّية الموضوع لديه، نذكّر بأنّ المكتشفات المعمارية التي تمّت بعده في الهلال الخصيب، هي من الخصب والعمق في المضمون بمكان يستدعي إعادة النظر بما استنتجه ممّا كان مكتَشَفاً حتى أيّامه.

فيلسوف آخر، وبعد سقراط بحوالي الألفي سنة، يتفلسف مستعملاً العمارة والمعمار طريقاً لشرح تفكيره؛ يقول ديكارت: "لقد ذكرت، في أمكنة عديدة من كتاباتي، أنّي حاولت دائماً تقليد المعماريين، الذين، ولإشادة أبنية كبيرة حيث الحصى والرمل والردم تغطّي الأرض الصلبة، كانوا يحفرون عميقاً ويرمون جانباً، ليس فقط ذلك الردم المزغول بالحصى والرمل إنّما كلّ ما يستند إليه و يرتكز عليه، و يؤسِّسون بعدها أبنيتهم على الصخر أو على أرض صلبة. و بنفس الطريقة، رميت أوّلاً كالرمل و الحصى كلّ ما وجدته مشكوك بأمره وغير مؤكّد، واعتبرت بعدها أنّه لا يمكن الشك بأنّ العنصر، الذي يشكّ هكذا بكلّ شيء أو يفقهه، موجود لحظة شكّه، فاستعملت ذلك ارضاً صلبة أسّست عليها فلسفتي".

بين العمارة والفلسفة وشائجُ وقربى وعلاقة جدلية لم تستكشف أبعادها بعد. فالعمارة الحقة تسعى إلى فهم معطيات الوجود المعقدة حتى تبني من خلالها ولها أحيزة مناسبة لا تنفكّ تؤثر وتتأثّر بالمنتِج المستهلِك. والفلسفة تسعى بدورها لفهم معطيات الوجود المعقدة حتى تبني منها ولها نظمَ فهمٍ وتدخّلٍ لا تنفكّ تؤثر وتتأثر بنفس المنتِج المستهلِك.

الفلسفة عمارة والعمارة فلسفة؛ الفلسفة عمارةٌ، لأنها، ومن خلال رؤية شاملة لموضوع معرفيّ معيّن، وعلى ضوء مجهر العقل، تجمع ما يتوافر لها من عناصر وتفاصيل مختلفة وتبني منها صروحاً متكاملة من المعرفة، واضحة ومفهومة، وتضعها في تصرّف هذا العقل ليستفيد منها في الحياة ويطوِّر نفسه معرفياً في سبيل سعادة مرتجاة. والعمارة فلسفة لأنّها تشرِّح أوّلاً ماهية الإنسان ككائن بيولوجي عاقل يعقل عاقليته، وتستنبط من هذا التشريح تفاصيل حاجاته البيولوجية والانتمائية والرمزية، وتستكشف العناصر المادية والمعنوية والنفسية المكوِّنة له، وتبني منها صروحاً مدرحية تحتضن الإنسان وتوفر له من الأمان والثقة والانتماء والخيال ما يجعله ينصرف براحةٍ لاستكمال البحث عن ذاته في أبعادها كافةً، والارتقاء بمعرفته الشاملة في سبيل سعادةٍ مرتجاة.

لقد شكلت العلاقة الجدلية بين المعمِّر والمفكِّر، وبالتالي بين المعمَّر و المفكَّر موضوعاً استهوى الفكر الغربي بشكلٍ عام فطرّز حوله العديد من اللوحات الجميلة والعميقة، ساعدت كثيراً في بلورة أبعاد ماهية المستويين، وخلقت محوراً للاستكشاف تابَعَ استكشافه العديد من الفلاسفة الكبار منذ بدأ الفكر الغربي البحث في أسرار الوجود. لكنّ الأمر نفسه لم يحدث في الفكر المشرقي عامةً وفي الفكر العربي خصوصاً، إذ أنّه لا يوجد، بحسب علمي، كتابةً تُذكر حول هذا الشأن. و إذا راجعنا تراثنا السابق للمرحلة العربية ومنذ بدء الكتابة في وادي الرافدين، نجد النقص نفسه بيِّناً؛ ذلك أنّه، و رغم العمارة الممتازة بالشكل و المضمون التي وُلدت في منطقتنا وتطوّرت ورفدت كل عمارات العالم المتوسّطي القديم، لم يهتمّ فكرنا بالكتابة عنها كموضوع قائم بذاته، جدير بالاستكشاف من باب كونه مُنْتَج معقد مرتبط بتطوّر الحياة بكلّ أبعادها. و لذلك لم أتمكّن من الاستشهاد بفلاسفة من عندنا فكّروا بعلاقة الفيلسوف بالمعمار، وكتبوا عن العمارة في الفلسفة وعن الفلسفة في العمارة. ولهذا النقص الفاضح أسباب لا مجال لذكرها هنا.

وإذا تبوأ ناصيف نصّار صدارة مفكّري العالم العربي المعاصر، فهو من دون أدنى شك الفيلسوف المعمار بامتياز. فلقد بدت الإشارة الأولى لذلك منذ الكتاب الأوّل: فقد شرَّح فيه الفكر الاجتماعي الخلدوني، و كأنّه يحفر أساساً لبنيان، ما لبث أن بدأ يتكوَّن من خلال تتالي الأعمال التي بدأت بـ "نحو مجتمع جديد" و نأمل بألاّ تنتهي بـ "الذات و الحضور". لقد كانت أعماله المستكشِفة والشارحة والمحلِّلة والمنتقدة لقضايا المجتمع والأمّة، كما وردت عند مَن سبقَه، المرحلة الأولى من مراحل عمارته. فهنالك مرحلة البحث الجاد والصارم عن الأسس، أي الأساسات، التي يمكن الاستناد إليها و البناء فوقها بثقة؛ و هنالك مرحلة النقد الهادف لأساليب التفكير السابقة والمعايير المعتمَدة بقصد اختيار الأسلوب والمعايير المناسبة للهدف المنشود قبل المباشرة بالتأليف؛ وهنالك أخيراً تأليف البنى الفرعية بالتناغم والتناسق مع البنيان الشامل الذي لا يلبث أن يظهر للوجود بأبهى تجلياته.

  لقد بدت الحرية، من خلال قلمه وأرغب بالقول من خلال إزميله، أمّ الفضائل المهيكِلة للوجود الإنساني؛ لا معنىً لشيء بدونها، ومعها يصبح كلّ شيء ممكناً. وواجب حرية الأفراد هو إنتاج حرية الجماعات، والجماعة الحرّة تبني مجتمعاً حراً، والمجتمع الحرّ يعمل لاستقلاله، والاستقلال الحقيقي الشامل يمرّ باستقلالات متعدِّدة يأتي في طليعتها الاستقلال الفكري، حيث يشكّل الاستقلال الفلسفي عاموده الفقري أو ركيزته الأساسية في لغتنا المعمارية، ذلك أنّه من المستحيل ممارسة الاستقلال المعماري مثلاً دون المرور و الارتكاز على استقلال فلسفي يوضح المنطلقات والأهداف والنهايات. لقد توضّح لنا، من خلال إزميله الناحت في جسم الأفكار، طريق الاستقلال الفلسفي، وبالنسبة لي أصبحت مرتكزات بدايات الاستقلال المعماري أكثر وضوحاً وأثبت أساساً. لكنّ للاستقلال موجبات وضرورات، يستحيل المحافظة عليه وإغناءه بدونها. إذ كيف يمكن للمجتمع ممارسة الاستقلال وتجذيره في ذاته دون منطق للسلطة مبني على فهم عميق لماهيتها وعلى فهم عميق للاجتماع الإنساني في عمومياته وخصوصياته؟ لقد شكل مدخل ناصيف نصّار إلى فلسفة الأمر مدخلاً باسقاً وعميقاً لما يجب أن تكون عليه علاقة المجتمع بسلطته المنبثقة عنه والمديرة لشؤونه، و هو بذلك شكل مدماكاً أساسياً في عمارة المجتمع الجديد المثالي المرتجى. و في عودة إلى البدء، حيث لا نهاية دون بداية، و حيث المدماك الأول الأساس يقرِّر مصير العمارة بأكملها، غاص فيلسوفنا المعمار في غياهب الذات وحضورها ليؤكد في خضمّ المتاهة المعيارية التي يعيشها العالم هذه الأيام شروط الانوجاد بالفعل و معادلة الحضور انطلاقاً من الذات.

  اجتمعت في ناصيف نصّار المزايا- الأقانيم الثلاثة المحدِّدة لشخصية الفيلسوف المعمار، وأعني بها المعرفة والنزاهة والشجاعة، وهو بذلك تموضع في مصافّ كبار قادة الفكر الملتزم بقضايا مجتمعه و الفاعل في سبيل نهضة هذا المجتمع؛ فللعناية ولظروفها شكري لإتاحتها الفرصة لي بأن أكون من معاصريه، ومن الذين انشغفوا بمعرفته عن قرب وأعجبوا بفكره الفذ.