العدد الثاني والاربعون - حزيران

تاريخ الكنيسة: دين أم دنيا ؟

الدكتور ميشال سبع
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

في 28 تشرين الأول من العام 312 م، انتصر قسطنطين على مكسانس في معركة جسر ملفيوس بالقرب من روما. وأعلن في منشور ميلانو الشهير عام 313 م حرية الاعتقاد للمسيحيين، ومن ثم راح يتدخل في شؤون الكنيسة وقد وصف ذلك (جاك زايلر) : ما ان تحررت الكنيسة من الضغط والاضطهادات حتى واجهت خضوعها لمحنة أشد وطأة عليها من العداء، محنة حماية الدولة لها وهي غالباً ما تكون ثقيلة.

 فعلى الرغم من ان الامبراطور أعلن عام 321م يوم الأحد عطلة رسمية وأمر ببناء كنيسة لاتران وكنيسة الفاتيكان التي أودع فيها رفات بطرس، الا أنه دعا الأساقفة إلى مجمع نيقية عام 325 م وتدخل في اللاهوت وحارب آريوس، ومن ثم أشرف على اقرار قانون الايمان النيقاوي بعدما وقعه 250 مندوباً. وراح التدخل يزداد حينما عين الامبراطور كونسطانس فيلكس بابا، فرفضه البابا الآخر ليباريوس ثم تقوت الباباوية فحرم سيرتيبوس عام 390 م تيودوسيوس الذي طلب الغفران منه. وقام لاون الأول عام 451 م بمحاربة أثيلا. لكن الأمور سرعان ما تغيرت لصالح الامبراطور، وقد انتظر البابا بونيفاقيوس الثالث عام 607 م سبعة اشهر ليحصل على تثبيت الامبراطور ليمارس صلاحياته كبابا. وكذلك فعل البابا سفريتس عام 640 م الذي انتظر عشرين شهراً لحصول التثبيت. وفي تأثير واضح لظهور الاسلام، قام الامبراطور لاون الثالث بحملة تحطيم الايقونات واصطدم مع البابا غريغوريوس الثاني عام 730 م الذي طلب من شارل مارتل القتال ضده.

 وقد قوي الحضور العلماني ففرض بابا علمانياً هو قسطنطين الثاني عام 767 م. وهناك حكاية تقول ان امرأة تسلمت الحبرية باسم (البابا حنة) عام 855 م. كذلك فإن البابا ادريانس الثاني الذي تسلم الحبرية عام 867 م كان متزوجاً وله ابنة، وقد استطاعت نساء داهيات مثل تيودورا وماروسيا وتيودورا الصغرى ان تلعبن دوراً كبيراً في تعيين وقتل عدة باباوات في القرن العاشر تجاوز عددهم الثماني باباوات. لكن الباباوية سرعان ما انتفضت وأعلن البابا غريغوريوس السابع عام 1075م ان البابا يمثل على الأرض السلطان الأسمى وله ان يعيّن الأباطرة ويثبتهم، كما حرم على العلمانيين تولي المناصب الاكليريكية مما سبب صراعاً مريراً مع هنري الرابع ملك المانيا آنذاك. ومن أجل اعلان سيطرة الباباوية قام البابا اربانس الثاني عام 1085 م باعلان الحملة الصليبية الأولى ضد المسلمين، كما أسس البابا كالاتس الثاني عام 1122 م "ميليشيا مقدسة" من الفرسان لمساعدته في تدبير شؤون الناس . لكن دخول صلاح الدين القدس عام 1187 م اضعف الباباوية وأسقط كل الحملات الصليبية الأخرى. لذا عادت الباباوية في عهد انوقنطيوس الثالث عام 1200 م إلى الاهتمام بشؤون اوروبا من خلال تأسيس الرهبانيات، فأسس رهبنة الفرنسيسكان عام 1210 م والدومنيكان عام 1215 م. وعادت الباباوية لتفرض على الملوك الانصياع لارادتها، فأمر البابا غريغوريوس التاسع عام 1228 م الامبراطور فريدريك الانطلاق بحملة صليبية جديدة ولما حاول الامبراطور الهروب بحجة المرض، حرمه البابا مما سبب بصراعات كثيرة أهمها اقامة محاكم التفتيش من قبل البابا وحرق رهبان البابا من قبل الامبراطور.

   وقد تصاعدت حدة الباباوية في السيطرة الدنيوية عندما قام البابا بونيفاقيوس الثامن عام 1300 م بتنظيم يوبيل كبير للمؤمنين وراح ينادي بهم :انا هو القيصر انا هو الامبراطور. وعندما تسلم الرئيس العام للرهبنة الفرنسيكانية الباباوية تحت اسم سكستس الرابع 1471 م، اعطى صلاحيات كبيرة للرهبنة و تحولت الكنيسة في عهده إلى مؤسسة دنيوية يشرف عليها ويحركها الكرادلة من عائلة روفيري وهمهم السيطرة بأنفسهم على مدن ودويلات وتبديد اموال خزائن الفاتيكان، لذا، رفع البابا اسعار الغفرانات والضرائب التي بلغت قمتها مع محارق محاكم التفتيش. وبعد موته استطاع احفاده فرض بابا آخر له ولدان غير شرعيين تحت اسم البابا انوقنطيوس الثامن عام 1484 م، الذي في عهده ازدهرت المحارق للنساء اللواتي اتهمن بالسحر كما منع مؤتمراً دولياً للفلسفة ينادي بحرية الانسان في الايمان أو الالحاد. وكان هذا ان ادى إلى اصوات هادرة تطالب بالاصلاح المضاد كصوت الراهب سافونا رولا الذي أحرق آلات الموسيقى والعطور والكتب واللوحات وهو يصرخ بساحة فلورنسا الكنيسة العاهرة فرشقه البابا بالحرم ومن ثم أحرقه حياً في الساحة.

 ثم أتى البابا يوليوس الثاني عام 1506 م لينشىء الحرس الباباوي ويسيطر عسكرياً على نصف اوروبا. وليهتم بالشرق العربي، أنشأ أول مطبعة باللغة العربية وتبعه لاون العاشر عام 1513 م فأنشأ لجنة اقامة سلام بين الامم. كما اسس لجنة لاعداد مشروع لاصلاح عام للكنيسة، لكن الاصلاح سبقه خصوصاً وان محاكم التفتيش وبيع الغفرانات وتملك السماء بلغت شأنا كبيراً، فانطلق احد رهبان سان اوغسطين واسمه مارتن لوثر، الذي اعتبر الايمان هو وحده طريق الخلاص فتبعه ناس كثيرون. وعندما اضطهده البابا هرب إلى المانيا وأسس الكنيسة الاصلاحية. وقد بلغت الحروب والقلاقل أوجها في ولاية اقليمنضوس السابع الحبرية عام 1523 م. فنهبت روما ودافع الحرس الباباوي السويسري حتى آخر رجل منهم، اضافة إلى الآلاف من الناس، ثم ما لبث ان انفصل هنري الثامن ملك انكلترا عن الكثلكة عام 1532 فتأسست الكنيسة الانكليكانية. ووقعت مذابح طائفية في عهد البابا غريغوريوس الثالث عشر عام 1572 م اهمها مذبحة (برتملي) التي قضى فيها الآلاف من البروتستانت.

 كما قام الكاردينال ريشيليو وخلفه مازاران بإدارة حروب طاحنة في عهد اربانس الثامن عام 1630 م، وحوكم غاليلي بسبب نظريته في نشوء الكون ودوران الارض حول الشمس. وفي عهد اقليمنضوس الثالث عشر عام 1758 م كانت الرهبانية اليسوعية تتحكم في كل البلاط الاوروبي والتجارة والتربية، وتم اتهامها بتدبير محاولة اغتيال ملك البرتغال التي طردت منها كما طردت من دول اوروبية عدة منها فرنسا واسبانيا، حتى اضطر البابا اقلينطوس الرابع عشر إلى حل الرهبنة اليسوعية عام 1773 م. ومن ثم نشأ صراع مرير بين بيوس السابع ونابليون، انتصر في النهاية البابا فيه، فأعاد اليسوعيين ومن ثم قررت الباباوية زوال سلطان الباباوات الزمني، وعقد المجمع الفاتيكاني الاول الذي اعلن عصمة البابا في الامور الايمانية والتعليمية. ومن المقررات، كان اعتبار الفاتيكان كمقاطعة خاصة واعتبار الحبر الأعظم بمقام ملك له حصانته وامتيازاته. وتقرر ان تتعهد الدولة الايطالية بصرف مبلغ سنوي له على أن يكون له الحق بارسال بعثات وسفراء إلى الحكومات الاجنبية. ولم تتثبت "الهدنة" نهائياً الا في معاهدة لاتران عام 1129 م .

 ويسأل مؤلف (تاريخ الباباوات خوان دايتو) كيف استطاعت الكنيسة ان تصمد امام الهجوم العلماني عليها؟ ان فقدانها السلطة الزمنية حرمها امكانية التدخل في الشؤون الاوروبية والدفاع عن حقوقها في ايطاليا. وهجمات الفلاسفة والعلماء والسياسيين كانت تعزلها في عقائدها و طقوسها .

 ان هذه النظرة البانورامية إلى تاريخ احبار الكنيسة تظهر بشكل واضح ان الكنيسة لم تكن يوماً ديناً دون دنيا، وربما يقول المدافعون عن سياستها ان تدخلها كان دوماً لخدمة الإنسان. ولكن اليست هذه المقولة نسبية لدرجة انها تبرر كل النواقص والأخطاء؟

 هذا التاريخ لا ينفي وجود احبار قديسيين انسانيين مخلصين، لكن ايضاً لا ينفي وجود احبار مدنيين بكل معنى الكلمة وبكل ما تحويه من نقاط ضعف بشري. لذا، ألا يحق التساؤل: ما هو حدود الكنيسة في كونها ديناً أو ديناً ودنيا؟