العدد الثاني والاربعون - حزيران

"السينما الوثائقية" صناعة بلا جمهور

أسماء وهبة
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

جان شمعون: التربية العربية تحبذ الأفلام الرومانسية والأكشن وليس مشاهدة الواقع

محمود مساد: "إعادة خلق" فيلم وثائقي بصيغة روائية وجد له جمهورا

هالة العبد الله: السينما الوثائيقة قليلة ومحتقرة في عالمنا العربي

 

مازال الجدل مفتوحا حول السينما الوثائقية وموقعها على الخارطة السينمائية العربية ومن هو جمهورها، وكيف يمكن تطوير لغتها السينمائية لتصبح أقل نخبوية وأكثر جماهيرية. لكن المشكلة الرئيسية في العالم العربي هي الفهم الخاطىء لمفهوم السينما الوثائقية وربطها بما يسمى السينما "التسجيلية". فما حال هذه السينما؟ وما هي الصعوبات التي تواجهها؟

"تحولات" التقت بعض صناع السينما الوثائقية في العالم العربي الذين تحدثوا عن تجاربهم.

 

يعرّف الفيلم الوثائقي بأنه المعالجة الخلاقة للواقع. فالدراما في الفيلم الوثائقي هي عملية اكتشاف وتبني، بينما تكون الدراما في الفيلم الروائي معدة مسبقا من قبل الكاتب، ثم تصل إلى الذروة وصولا إلى الحل بحسب تعريف جون جريرسون. لذلك نلاحظ غالبا أن الفيلم الوثائقي هو رصد للأحداث التي تجري دونما تخطيط أو تهيئة من قبل المخرج السينمائي.

إلا أن فكرة التوثيق لم تكن سينمائية أصلا. فمنذ العصور الأولى، كان لدى الانسان الميل والرغبة الداخلية في أن يعبر عن ما يحيطه من مظاهر. لذا أراد أن يوثق كل ما يراه من أشكال الطبيعة ربما خوفا أو تقربا أو إنجذابا، عبر رسومه وخطوطه على جدران الكهوف التي كان يعيش في داخلها.

إلا أن الخطوة الأساسية نحو التوثيق الصوري كان مع بداية التصوير الفوتوغرافي الذي يعتمد على إظهار الحقيقة والحفاظ على الشكل الإنساني المميز. أما الفيلم السينمائي المتحرك الصامت فلم يكن إلا مرحلة متطورة من التوثيق الفوتوغرافي. وهو عبارة عن توثيق من خلال الصور المتتالية لتسجيل الواقع الذي يعتمد كوثيقة مسجلة بالصورة، والتي أصبحت عاملا مهما لتسجيل ما نراه يوميا من أحداث وشخوص في الحياة.

ومع تطور صناعة السينما في العالم، وبعد كانت الكاميرا توثق المناظر الطبيعية والأشخاص الحقيقيين وما يقومون به من أفعال يومية، أصبح التوثيق يستخدم الفيلم ليحكي قصة حقيقية لما تم أو ما سوف يتم مستقبلا.

وقد سجلت الأفلام الوثائقية الأولى في أميركا مثلا، حياة رعاة البقر ورحلة المنقبين عن الذهب والبترول، ومغامرات الهنود الحمر خلال حربهم مع الدخلاء الجدد.

وسرعان ما توضح اتجاه في السينما قائم على توثيق الأفعال البشرية من خلال واقع الحياة اليومية بأسلوب فني، خصوصا أن السينما هي وسيلة مهمة للوصول إلى الجاهير باعتبارها تستعين بجميع الفنون لإبراز مفهوم الحدث الجماهيري مع ما يحيطه في الطبيعة. فمثلا كان المخرج الأميركي روبرت فلاهرتي يذهب إلى المكان الحقيقي للأحداث، ويعيش مع فريق عمله أشهرا وأياما طويلة مع الناس الأصليين حتى يجسد أحداث القصة بواقعها وإيقاعها اليومي العفوي.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم الوثائقي بناء متماسك يعتمد الموضوعية، والربط ما بين الحاضر وتجلياته وأبعاد الماضي واستشراق المستقبل، مع منح اللحظة الآتية سينمائيا البعد الدرامي بإعتماد البناء ضمن منحى شعري حتى يكون فيلما متميزا. كما أن أساس الفليم الوثائقي هو تحليل الواقع المرئي من أجل معرفة ما سيحدث من دون إهمال الصورة الفنية والغرق في التقريرية الإخبارية.

 

تصنيفات الأفلام الوثائقية

تعددت تقسيمات الفيلم الوثائقي. فقد قسمه جون جريرسون إلى مستويين: المستوى الأعلى الذي يكون فيه صانع الفيلم قادرا على التحليل والخلق، المستوى الأدنى الذي فيه كل الصحف والتقارير. في حين يقسم سوتيزوود الفيلم الوثائقي إلى أفلام الطليعة والمعايشة والرسوم المتحركة والأفلام النقاشية والتحريرية والتعليمية. أما إيفالينا نورجليسكا فيقسم الأفلام الوثائقية إلى التقرير والجرائد والمجلات السينمائية وفيلم المقالة والتحريض.

 

عزوف عربي

عربيا، من الملاحظ أن الكثير من المخرجين العرب الشباب يعزفون عن خوض تجربة الفيلم الوثائقي كون البعض يراه ناقصا. وبالتالي ساهمت هذه النظرة السلبية للفيلم الوثائقي في ضعف الإنتاج. وهناك من يعتقد أن الفيلم الوثائقي سهل ولا يحتاج أن يكتب له سيناريو، فيركز المخرج على الإعداد وجمع المعلومات وإجراء المقابلات، والإستعانة بالتعليق صوتي على الصورة وشرح تفاصيل حول الموضوع أو المكان، فتكون النتيجة أن يصبح الفيلم أشبه بالتقرير التلفزيوني!

 

غياب مغربي

كشفت الحصيلة السينمائية في المغرب لسنة 2008 عن غياب شبه عام للفيلم الوثائقي في المشهد السينمائي المغربي. وقد اتضح ذلك جليا خلال الدورة الأخيرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة حيث توج فيلم وثائقي وحيد بجائزة خمسينية للسينما المغربية كتشجيع لهذا النوع من الأفلام، وهو "أماكننا المنوعة" لليلى الكيلاني، الذي يتطرق إلى ضحايا الإنتهاكات الحقوقية بالمغرب. كما أن دور العرض السينمائية المغربية خصوصا والعربية عموما لا تقدم للمشاهد أشرطة وثائقية من باب الترويج والتشجيع والتثقيف! وهذا ينعكس سلبا على سلوكيات المتلقي الذي تكرست لديه فكرة تقول بأن الوثائقي ممل ويتطلب مستوى ثقافي عال لإستيعاب رسالته.

 

سينما الحرب

ومن المغرب إلى لبنان، حيث من يربط بين السينما الوثائقية وتطورها في لبنان بالحرب الأهلية، ربما لأن انطلاقتها واكبت اشتعال فتيل الحرب اللبنانية. إلا أن المخرج جان شمعون يرفض هذا التعميم. "فالسينما الوثائقية اللبنانية تناولت موضوعات إجتماعية وسياسية وإنسانية في وقت ركز الكثير من المخرجين على تقديم عدد من الأفلام عن الحرب الأهلية. إلا أن هذا لا يعني حصر السينما الوثائقية اللبنانية بالحرب. على الرغم من إنني صورت عشرة أفلام عنها تناولت فيها مواضيع تهم المواطن اللبناني وتعكس معاناته وألمه، وعبرها، طرحت تساؤلات عن مصير الوطن والمواطن بشكل مباشر. لذلك قد تعتبر السينما الوثائقية جزءا من تاريخ الوطن".

وقد قدم شمعون فيلم (طيف المدينة) الذي يشي برغبته بأن يكون كلمة الفصل في سينما الحرب. كما لم يتردد في التصوير تحت الأنقاض في ظروف ارتجالية لتوثيق فصول الحرب اللبنانية مهما بلغت بشاعة الصور التي التقطها.

وفيما بعد، ركز شمعون على الأفلام الوثائقية ذات البعد الإجتماعي، وخصوصا تلك التي تتناول قضايا المرأة ومعاناتها ونضالها. ويقول شمعون: "لقد قدمت فيلم (أرض النساء) عام 2004 الذي يصنف ضمن الأفلام الدرامية الوثائقية، قدمت فيه سيرة حياة الأسيرة كفاح عفيفة التي سجنت في معتقل الخيام 6 سنوات، لاقت خلالها العذاب أشكالا وألوانا حتى بلغت حد الموت بعد أن انخرطت في المقاومة. وهنا يأتي دور السينما الوثائقية في توثيق هذه التجربة ولكن بحسها الإنساني".

وعلى الرغم من أهمية الأفلام الوثائقية وما تقدمه من حالات إنسانية وما تنقله من واقع إجتماعي صادق كون أبطالها هم الناس الحقيقيون، إلا إنها تفتقر إلى قاعدة جماهيرية واسعة مقارنة بالافلام الروائية، الأمر الذي يرجعه شمعون إلى "طبيعة التربية العربية وثقافتها التي تحب مشاهدة الأفلام الرومانسية والأكشن ولا تحبذ مشاهدة واقعها مجسدا بأشخاصه الحقيقيين على الشاشة. كما أن الجمهور العربي لم يعتد الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم وثائقي مثلما يحدث في الغرب". هذه الأسباب تضاف الى عدم وجود قنوات وثائقية متخصصة ودُور عرض توافق على عرض هذه الأفلام، وهذه إحدى الصعوبات الأساسية التي تواجه الفيلم الوثائقي. كما أن جرأة المخرج في اختيار موضوعاته واصطدامه بالرقابة العربية إحدى المعوقات أمام تطور السينما الوثائقية العربية التي تشكل حساسية كما يقول شمعون للهيئات الرقابية "لأن الناس يعبرون بصدق عن آلامهم وشجنونهم من خلالها دون إدعاء!

 

تجربة جماهيرية

فيلم "إعادة خلق" هو تجربة هامة للمخرج الأردني المقيم في هولندا محمود المساد الذي يتمحور حول فكرة الإرهاب . ويشرح المساد قائلا: "أعود في الفيلم إلى بلدتي الأردنية الزرقا التي أنجبت أبو مصعب الزرقاوي قائد تنظيم القاعدة في العراق دون أن أروي سيرته بقدر ما حاولت التوغل في تشعبات الحالة الإجتماعية والإنسانية والثقافية لشخصية أبو عمار المجاهد السابق في أفغانستان والأب لثمانية أولاد بحثا عن مفردات العيش اليومي، وقصص الزرقاوي التي رواها بعض معارفه".

ويكافح أبو عمار يوميا من أجل لقمة العيش حيث يعمل في بيع علب الكرتون لأحد مصانع إعادة التدوير، ويغرق في تأملاته الدينية، ويتعرض لمضايقات السلطة. كما يعيش في بيئة صالحة لخلق أصوليين قد يتحولون إلى إرهابيين باسم الدين الإسلامي.

ويعتبر فيلم "إعادة خلق" إنجازا في حقل السينما الوثائقية باعتباره شهادة بصرية عن حالة إنسانية. ويرى المساد "أن هناك أمرا جميلا في عملية تنفيذ فيلم ما حيث تفكر بقصة لترويها فتتصورها وتصورها. أي أن تعيد خلق الحياة وتخترع عالما قائما بذاته!"

وبالنسبة له، لم يكن تصوير الفيلم سهلا خلال 20 يوما ويتابع: "كنت أذهب في جولات يومية مع أبو عمار في سيارته حتى لا أتعرض لمضايقات عائلة الزرقاوي". لذلك يعتبر الفليم بالنسبة له ردا للغرب على نظرتهم السلبية حيال العرب والإسلام. "فيجب أن يعرف الأوربيون كيف يفكر الأصولي. وما هي الظروف التي يعيش فيها. لذلك حاولت أن أشرح خلال الفيلم أن التطرف ليس مصدره الدين بل هو أسلوب حياة يمارسه بعض المتطرفون".

 

النجاح عبر التجريب

أما المخرجة السورية هالة العبد الله، فآخر نتاجها السينمائي الوثائقي فيلم "هيه! لا تنسى الكمون.." وفيه تواصل تعقبها لمصائر المنفيين، ما يجعل الفيلم حاملا شعريا لأثمان الحرية الباهظة.

وتقول هالة: "يحكي الفيلم عن الغربة الجغرافية والوجدانية التي يعيشها الإنسان، ومنها أتطرق إلى موضوعي مقاومة الموت والجنون. لذلك أهديت الفيلم إلى (أولئك الذين لم يموتوا) عبر استخدام لغة سينمائية تنحو بإتجاه التجريب المقترن بحرية المخرج في صياغة صورته كما يريد".

وتأسف هالة لعدم حضور السينما الوثائقية في سوريا وكل الدول العربية، وتتابع: "هذه السينما مجهولة جماهيريا في بلادنا. ويخاف المتلقي منها لأنها تتحدث عن أشياء لا يحب سماعها، وتفتح ملفات لا يريد مشاهدتها! كما لا توجد تظاهرة سينمائية تستقطب فعلا الأفلام الوثائقية. ولا يوجد تقدير لأهمية وضرورة هذه السينما للمجتمع. وإذا وجدت في بعض البلاد العربية فهي قليلة ومحتقرة، وتكون لحظة قبل الفيلم الروائي. وبالتالي الفيلم الوثائقي غير موجود، باستثناء بعض المحاولات التي تمر مرور الكرام أو تعرض في الخارج".