العدد الثاني والاربعون - حزيران

قراءة في كتاب نصري الصايغ: "القاتل إن حكى"

نجيب نور الدين
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

يحقّ لي كقارئ لكتاب نصري الصايغ "القاتل إن حكى"، أن أبدأ من حيث انتهى إليه الكتاب. وأنا كما هو، لا نؤمن بالنهايات إلا بصفتها محطة بداياتٍ جديدةٍ مشابهةٍ أو ربما مختلفة.

هل حقاً أن هذا الكتاب قد "حمل جثة الحرب اللبنانية الى مثوانا الأخير"؟ وهل حقاً كفّت الحياة في لبنان عن أن تكون "وقفة غدرٍ فقط"، خلافاً لما قصده صاحب القول الشهير الذي ينتمي المؤلف الى جذر فكره "إنّ الحياة وقفة عزٍّ فقط"؟ لعلّ الحقيقة تكمن في نهاية الإهداء، حيث خاطب المؤلف مائتي ألف قتيل بالقول: "قتلتم ولم يحيا لبنان"، وهو تهكّم عن قرب لمن حمل شعار "مات ليحيا لبنان".

بدايةً، أعترف أن سلطة نص نصري الصايغ أملت عليّ أسلوب القراءة وحتى أسلوب الكتابة، فليس جميلاً أو جيداً أن أقرأ نصاً بأقل من لغته، أو أن أتابع مقالاً بأقل من صياغته، أو أن أستنتج حقائق لا تحمل دمغة صاحبها أو أبطال روايته. إنّ أسلوب القراءة العكسية باعتبار أن الحقيقة ربّما تكمن في خلفية الصورة و المشهد، هي كتابةٌ جميلةٌ وأسلوبٌ رائعٌ في السخرية الدرامية من سيرة حياة وطن ومعتقدات آمن بها أبناء هذا الوطن. إنها صورة الأوهام التي تتجلّى لهم على شكل حقائق. إنها، وكما عبّر عنها كارل ماركس، لم تكن سوى وعي مزيّف لحقيقة لم يؤمن بها حتى صانعوها، بل هم ابتدعوها وهم يعلمون أنّ الناس هم كما عهدوهم، قطعانٌ تسير على غير هدى الراعي حتى لو ساقها ملجومةً الى وكر "الذئاب".

يروي الكتاب شهادات للقاتل والقتيل وكأنه يرغب في أن تكون هذه الاعترافات نوعاً من العلاج النفسيّ الجماعيّ السيكودرامي لأبناء هذا الوطن، فالكتاب بهذا المعنى ليس سوى الكرسي الذي يدلي من عليها المريض باعترافاته، وما يكتنزه من مشاعر مكثّفة في طويّته بغية التعافي والخروج من الاحتباس الإثمي الذي يقيّده من داخل نفسه وبيئته، والذي يتحكم بأحلامه والتطلعات.

إنّ الاعتراف هو نوعٌ من أنواع خلع رداءٍ يعوق انطلاق حياةٍ جديدةٍ، وهو في الوقت عينه تعبيرٌ عن ندمٍ على اقترافات بان زيف مبتغاها، ومحاولةٌ للانعتاق من أسرها.

هو أكثر من طلب الاعتذار، هو استعادة للنفس والروح، هو انتعاق من شرنقة الماضي المعيب والرّهيب في آن. هو قطع طريق سهامٍ يريد أن تتكسر نصالها في أقواسها. إنه إظهارٌ لجروح النفس على الملأ، فجرح النفس أبلغ من آثار السهام. إنّه إفهام للآخر الذي يتفرّس في المعترف ويتوثّب للانتقام، إنّ ما أنا فيه أشدّ إيلاماً ممّا سيفعله في غضبك، وتتركه في سهامك. بهذا المعنى، هو استجداء القاتل للضحية، ودعوة الى المواساة، فكلّنا بعد هذا الاعتراف ضحايا، ولن ينجو منا أحد إذا ما استمرينا نتبادل ثقب الأجساد وأرض السفينة، وتحطيم أعمدة الهيكل.

ويتساءل نصري الصايغ: أمّا وإنّه لم يعترف القادة وأمراء الحرب والمنظّرون وبائعو الأسلحة والذخائر وناصبو الكمائن والسيارات المفخخة والخاطفون والقتلة ومتقنو القصف العشوائي والقنص.

أمّا وإنّه لم يعترف أو يعتذر كلّ هؤلاء، فكيف نطمئن الى خروج لبنان من الحرب الى نصف سلامٍ؟ وهل يبقى من عنوان الكتاب "القاتل إن حكى" أيّ معنى سوى أنه دعوة الى الاعتراف والاعتذار مشفوعاً باعترافات واعتذارات يتيمة، يمنّي الكاتب نفسه أنّها قد تغري القتلة المنسيين بأن يدلوا بشهاداتهم أمام الوطن والتاريخ؟

أما وأن كل المحاولات لاستدراج هؤلاء للجلوس على كرسي الاعتراف لم تجد نفعاُ، فهذا يعني أنهم لم يخرجوا الى اليوم من حروبهم، وأنّهم أكثر من ذلك، ربما يستعدّون لدخول حروبٍ جديدة، يعدون الوطن والمواطن بأنّها هذه المرة ستكون أكثر صدقاً في زيفها وحقائقها.

يحاول نصري الصايغ أن يقرأ المسكوت عنه في خطابات زعماء الحرب وأمرائها، ليستنتج أن التبريرات والتعزيرات ليست سوى تعبير عمّا يسكنهم من نرجسية القاتل المفاخر المستعدّ دوماً لأداء "الواجب المقدس".

لقد كان الجزّارون أصدق تعبيراً عن واقع الحال ومأساويته، وعبّروا بألسنتهم عمّا اعتمر قلوب قادتهم، "لقد قتلنا الكثيرات، أحرقنا قلوب أمهات وآباء، صوّبنا وحشيتنا الجنسية على الأجساد، كان الثأر جنسنا الهمجي، والحقد، في أوج "الليبيدو"، ولم نمنع ذئابنا من الافتراس، قتلنا، بشهوة القتل. ماذا ينفع الاعتراف؟ ماذا يفيدنا الاعتذار؟ لن تعود إنسانيتنا الى من كان مثلنا، من فصيلة الذئاب...".

يترك نصري الصايغ الى أسباب الحروب العبثية، ومن البادئ بإطلاق شرارتها الأولى، فليس هذا ما يهمّه، أو قل ليس المطلوب استعادة استنفار الغرائز على قاعدة من كان الى جانب الحق ومن جانب الحق في حرب كان الحق فيها باطلاً، والرابح خاسراً، وكلّ من اشترك في تسعير نارها مهزوماً. فهو يسخر من كلّ دوافعها وأسبابها، بل هو لا يصدّق أحداً من المتشدقين الذين حاولوا ذلك، لكنّه يبدو متعاطفاً مع الضحايا الى أبعد الحدود، ومنحازاً إليهم الى حد التماهي، أليس هو واحداً من ضحايا هذه الحروب، كما كل اللبنانيين الآخرين؟ أليس التوتر الذي يسود لبنان اليوم، ويرمينا أرقاماً احتمالية لجثث الحرب القادمة المفترضة، ينذر بعودتنا ضحايا من جديد ومشاريع ذبائح لجزّارين قدامى وجدد؟

يضعك نصري الصايغ أمام مشهدية الحروب والمجازر بكلّ حقائقها وفظائعها، يروي الفتنة بتفاصيلها، ويعيد صياغة كلام الجزّارين والقتلة بلغة ربّما لو تركوا وجدانهم لسحرها، لأحبوها وهم لها كارهون، وهو يلملم وقائع مبعثرات مجازرهم كمن يريد أن يشهد بالأدلة على جرائمهم على قاعدة "من فمك أدينك".

كتاب يروي حكايات أحداث وفظائع على ألسنة أصحابها، وكأنك أمام عمل سيكودرامي جماعي ينفث خلاله أبطال المجازر كلّ مكنوناتهم من الحقد والثأر والغضب وحتى الجنون.

لقد صنع نصري الصايغ من قصص الجلادين والجزارين أجزاء وفصول سيناريو الحرب. المسرح للجميع، لجميع القتلة والمقتولين، تبادل الأدوار من أهم مميزات هذه المسرحية، مشاهد تتوالى، تتشابه، تتكرر في الشكل والمضمون، يأخذك السرد الدرامي في تموجاته وتعرجاته، صعوداً ونزولاً، وكأنّه يأخذ بيدك الى أقبية التعذيب، ويتمايل بخوفك مما سيفاجئك به من أشكال التنكيل وأساليب التعذيب الوحشي، ليصل بك منهكاً الى أوكار القتلة، وتشعر للحظة وكأنه يريد أن يتركك بين أيديهم فريسة جاهزة للذبح. وبعد أن تنتبه الى أنك لم تبرح المكان، وأن ما بيدك ليس سوى كتاب، وأنّك قارئ حلم بكوابيس أبطال مسرحية نصري الرهيبة، يدخلك للحظات الى عقولهم، ويكشف لك بفجاجة عن مكمن غرائزهم البهيمية، وهم من هم، ذئاب ضارية، خلعوا إنسانيتهم وعلّقوها على مشجب مذاهبهم، فصاروا في الجريمة سواء، لا طائفة لهم ولا دين، فالكراهية دينهم، والثأر طائفتهم، والقتل مذهبهم، وضحاياهم من كل الأديان والطوائف الموزعة على ضفتي الوطن المشطور. لكلّ منهم سبته الأسود، وكلّهم كانوا ادوات قتل، لصالح سياسيين تعوّدوا أن يحتلوا المنابر، ليتحدّثوا بطلاقة عن الوطن الواحد، والانصهار الوطني، والعيش المشترك، وكل هذا الهراء الذي ألفته ألسنتهم لشدة ما اعتادت على الرغي به. ألم تكن الحروب في لبنان دائماً في سبيل الوطن، ولصالح وحدته وصفائه ونقائه. ألم يقتل من قتل في لبنان ليحيا لبنان؟!

كتاب نصري الصايغ أشبه بقبو تعذيب، ووكر مجرمين، ومطاحن عظام ورؤوس وأجساد أبرياء، ليس لهم ذنب سوى أنّهم ينتمون الى طوائف هذا الوطن، أو هكذا ولدوا، ولم يكن لهم الخيار في أن يتحولوا أرقاماً مجرّدة على فواتير أنانيات القادة، وطعماً لفأس الأتباع.

كتاب نصري الصايغ يرشح دماً وعظاماً مطحونة، وسقوف زينكو، وأجنّة انتزعت من بطون أمّهاتها. نصري الصايغ يكشف عن الوجه الآخر لحضارة يدّعيها اللبناني، ولعبقريته في التفنن بالقتل، ولإبداعه في تبريرها، وجعلها في سبيل الله والوطن والعائلة.

نصري الصايغ يكشف زيف الوجه السمح لهذا اللبناني المسكون بغرائز الحقد والانتقام، وهو يصرّح في نقده لأحد زملائه مخاطباً: "نحن في لبنان يا فوّاز في متحف التخلّف، في عبقرية التفنن، ترى لماذا لم ننتحر بعد؟ بودّي لو أنتحر يوم، بشرط أن أبقى على قيد الحياة، أريد أن أشهد انتحاري، أداوم على تفقّد البراءة. بودّي أن لا أكون".

 نصري الصايغ، لماذا لم تنتحر بعد؟

 

نجيب نور الدين