العدد الثاني والاربعون - حزيران

ندوة حول "لكم جبرانكم ولي جبراني" لجان دايه

سليمان بختي
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

أقام "مكتب الدراسات العلمية" ندوة في بيت الشعار حول كتاب "لكم جبرانكم ولي جبراني" للكاتب جان دايه. وشارك في الندوة مجموعة من المثقفين والمهتمين. "تحولات" تنشر في هذا العدد مداخلة الأستاذ سليمان بختي في الندوة .

 

ذات مساء من شتاء عام 1981، كنت أتجوّل برفقة الشاعر خليل حاوي في محيط الجامعة الأميركية في رأس بيروت. ولما وصلنا الى مكتبة خياط في شارع بلس، تناول من أحد رفوفها كتابه عن جبران في ترجمته العربية وأثنى على الترجمة التي كبدته عناء المشاركة والمراجعة. سألته: لماذا اخترت جبران موضوعاً لأطروحتك في الدكتوراه؟ فأجاب على طريقته "لأنه هين إذا ما خلص من أساطيره". ولا أعرف الى أي حد أسعفت الوثائق الشاعر حاوي لتخليص جبران من أساطيره. ولكن بعد 27 عاماً، يأتي الباحث جان دايه ليخلص جبران من أساطيره التي يكبلها التزوير والتي تحجب عنا رؤية جبران كما هو لا كما يريدون أن يكون، ومثلما فعل لا مثلما أَريد له أن يفعل، ومثلما قال لا مثلما قوّلوه.

وإذا كان جان دايه نجح في اماطة اللثام عن أكبر عملية تزوير في أوراق رسمية - تراثية في التاريخ، وحسم الجدل في مواضيع ملتبسة كثيرة، فلأنه بكل بساطة عاد الى الأصول والمراجع والمصادر على أساس منهجي علمي وبأمانة العالِم الباحث الموضوعي الذي لا بد أن يقنعنا بوجهة نظره بقدر ما يريد أن يعلن الحقيقة ويشهد لها.

إن كتاب "لكم جبرانكم ولي جبراني" يطرح سؤالين. مسألة السؤال الأول عن حقيقة ومستوى ومستقبل البحث العلمي والفكري والأدبي في بلادنا، وعن حجم التزوير والانتهاك الذي طال ويطال رموزا كبيرة في حياتنا. وعلى يد من؟ على يد الأكاديميين المؤتمنين على أغلى ما يمكن أن يقدموه لأولادنا. فلا عجب إذن، أن مؤسساتنا العلمية والتربوية لم تعد قادرة على أن تخرج روادا وعمالقة من وزن أنطون غطاس كرم وخليل حاوي وهشام شرابي وغيرهم.

أما السؤال الثاني فهو: ما هو مصير التراث؟ ومن يحميه من التزوير؟ وإذا كان جبران الأرفع مكانة وحضوراً في الأدب العربي قد تعرض لما تعرض، فكيف بغيره؟ ومن المسؤول عن حفظ الوثائق وحمايتها من تعرض خبيث أو ماكر أو مغرض أو مأجور لها؟

كل ذلك يدفعنا، بعد السؤالين الى طرح المسألة وهي قضية الأخلاق في هذا البلد. قضية الغلط والفساد المتفشي، وقد باتت حياتنا فيها من الغلط أكثر بكثير مما فيها من الصح. لقد فلتنا على رؤوسنا في كل شيء بحسب فؤاد سلمان. ولا عجب أن تنهار أحوالنا وتتقهقر وتتردى على كل المستويات. ما العمل؟ هذا الأمر لا يمكن أن يستمر ويحتاج الى تغيير لأنه في الواقع مأساة، مأساة فعل الحرية للمبدع الذي نريد قمعه بسيوف التحريم والمعايير الصغيرة والسياسة البائسة. الأمر يحتاج الى تغيير، والتغيير هو مبدأ علمي كما يقول برتراند راسل، أما التقدم فهو أمر أخلاقي. وأعتقد أن جان دايه بمنهجه العلمي حقق التغيير، وبالتزامه الفكري والأخلاقي حقق تقدماً وسار خطوات في الاتجاه الصحيح.

 

أيها الأحباء،

هذا هو الكتاب الثاني الذي هزني بعد كتاب توفيق صايغ، "أضواء جديدة على جبران"، ورأينا فيه جبران في مطبخه ومختبره ومرسمه كيف يحيا ويتنفس مع فنه، وكيف يخربش ويباشر فكرته. أما في كتاب جان دايه فرأينا جبران في علاقاته وقناعاته ومصطلحاته واضحاً وعميقاً، ولمسناه قائداً نهضوياً في انخراطه وتأسيسه للحركات الثقافية في عصره مع رموز عصره. فتح جان دايه الباب لإعادة تصويب السيرة على أساس منهج علمي وبعيداً عن التفكير الرغبوي المصلحي. فقد اكتشفنا في الكتاب تاريخا جديدا موثقا لظروف تأسيس الرابطة القلمية ومشاركة أمين الريحاني في تأسيسها. واكتشفنا جبران الساخر وجبران الخطيب، وجبران الحر. ألم يكتب جبران في "رمل وزبد" أنشودته كأنها الآن: "أنت حر أمام شمس النهار وانت حر أمام قمر الليل وكواكبه، وأنت حر حيث لا قمر ولا كواكب/ بل أنت حر عندما تغمض عينك عن الكيان بكليته". أرادنا جبران أحراراً عقلانيين في هذا العالم، وأردناه في قفص القطرية ومرطبان الطائفية وقن المناطقية وطابور الاستزلام. وكأن ثورة جبران وتمرده ووضوحه لا يكون الرد عليها الا بالتزوير والاستهتار والاستلشاء. نحن قوم مرض بحق، وبحاجة الى علاج من الانفصام الحضاري والفساد الذي لا حدود له.

العالم في الغرب يعيش - وخصوصاً في مجال السيرة - لرموز الأدب الراحلين على ورقة وجدت صدفة وغيرت معلومة أو نصاً مهجوراً أو مخطوطة منسية في أحد أدراج الناشرين. أما عندنا، فلكم جبرانكم ولي جبراني.

 ماذا نريد؟ أنريد أن نخترع للأديب الكبير هوية جديدة؟ أنسينا أن الأديب الكبير لا تشبعه الهوية الذاتية الفردية إذا لم تتواصل مع هوية أعمق، هي الهوية القومية الحضارية المتصلة بالذات الانسانية وما بينهما من خلق وإبداع؟

وبعد ذلك، جبران لا يتغير كثيراً، وهو لا يتغير في الجوهر. وذات مرة كتب الفيلسوف الألماني "ايمانويل كنط" أن هناك أمران يثيران وحشتي في العالم، السماء المرصعة بالنجوم والضمير الأخلاقي الانساني الوازع. ولا شك أن ضمير الأحرار سيظل يرفع الحقيقة في وجه صاحب كل سلطة، وسيبني الهيكل الذي أعمدته من حق وسقفه من حرية، والذي يصنع الانسان الجديد والحياة الجديدة.

 

سليمان بختي