العدد الثاني والاربعون - حزيران

أكد أن الثورة الجديدة ستولد من مصر

الشاعر أحمد فؤاد نجم ل"تحولات": أنا شاعر عبقري لن يتكرر
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

 

أسماء وهبة

 

هو الشاعر المتدفق، والسياسي المشاكس، والمعارض الحقيقي والعاشق الكبير للإنسان والحرية والحياة. قصائده مجبولة بعرق الفقراء وآهات المظلومين وشهقات المقهورين. هو سفيرهم وصوتهم الذي لم يخفت يوما. من حلكة السجون وقسوتها كتب كلمات ألهبت النفوس وشحذت الهمم دفاعا عن الكرامة. إنه الشاعر المصري الكبير أحمد فؤاد نجم الذي يعتبر نفسه تلميذا في مدرسة المقاومة منذ أربعين عاما والتي استطاعت اليوم أن تحقق الإنتصار على الدبلوماسية المزعومة. والدليل كما يقول: "انتصار المقاومة اللبنانية في عدوان تموز 2006 تحت عنوان الوعد الصادق".

"تحولات" التقت الشاعر الكبير وكان معه الحوار التالي:

 

منذ نكسة 1967 تعثر الفكر المقاوم كثيرا وقمع الكثير من المثقفين. لماذا لم تصب بما أصيب به هؤلاء؟

لقد سيطر اليأس على هؤلاء. ولكن من حسن الحظ أن الأمة العربية تلد كل يوم مثقفين وشعراء  مناضلين. ولعل أعجوبة الشعب الفلسطيني تكمن في مقاومته للإحتلال وكل مؤامرات العالم ضده طوال 60 عاما، لأن أول كلمة يقولها الطفل الفلسطيني وهو في حضن أمه: فلسطين عربية.

 

ولكن بعض المثقفين العرب ينادي بالسلام والتطبيع ونبذ ثقافة العنف. أليس من حقنا أن نعيش في سلام؟

كيف السلام وفلسطين محتلة! أن انتصار المقاومة في تموز2006 صفعة لكل من ينادي بالسلام مع الكيان الصهيوني وخصوصا الأنطمة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية.

 

زرت الجنوب اللبناني بعد عدوان تموز 2006. ما أكثر ما يميز أهل الجنوب؟

وجدت مفردة سقطت من القاموس المصري خصوصا والعربي عموما بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر اسمها "الكرامة".

 

تعبر اليوم عن آرائك النارية بحق رؤساء مصر وتنتقد النظام من دون أن تسجن كما حدث في عهد الرئيس عبد الناصر. أليس هذا دليل ديموقراطية وعافية؟

لا بل نتيجة نضالي طوال 18 عاما وثباتي على موقفي. فلن أقول للص "حضرتك" ولا للجاسوس  "سيادتك" ولا للقرد "قمر". وهؤلاء لصوص وجواسيس وسيذهبون في غياهب التاريخ ولن يتذكرهم أحد، لأنهم أبشع جزء في التاريخ. والدليل أن الفلاح المصري يزرع الأرض منذ عشرة آلاف عام وهو يغني المواويل، وقد مر عليه مئات الألوف من الحكام والدول!

 

لقد سجنت في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات. ماذا تعلمت من السجن؟

تعلمت أن الإنسان كلمة يجب أن لا نبيعها بل أن نتمسك بها وأن ندافع عنها حتى لو كان الثمن حياتنا.

 

ولكن هناك كلمات يخسر بسببها صاحبها جاها ومالا وسلطة واستقرارا وقد تودي به إلى السجن فيضطر الى التخلي عنها!

عن أي خسارة تتحدثين؟ هل تقصدين أنني فقدت بسبب مواقفي منصبا وزاريا؟ لا أهتم بذلك لأنني  أهم من أي وزير!

 

ما الفرق بين المجتمع داخل السجن وخارجه؟

ليس هناك فرق. فمثلا عندما أعيش في منزلي وسط مجتمع بوليسي يمكن للشرطة أن تقبض علي في  أي لحظة من دون مبرر قانوني فهذا سجن كبير. أما في السجن المتعارف عليه، فلا يمكن أن يحدث هذا حيث كانت تفتح زنزاتي وتغلق بأمر من النائب العام. وفي السجن أيضا نلتقي بأناس على الرغم من جرائمهم، هم متمردون على الواقع ويرفضونه. لذلك نجد في بعضهم فروسية وصدقا غير موجودين في الخارج!

 

كان السجن منجما لإبداعك الشعري وقد كتبت ديوانك الأول خلف القضبان بتشجيع من مدير السجن. كيف يمكن أن يكون مكانا تحتجز فيه الحرية، فضاءا للإبداع؟

السجون المصرية من أقدم السجون في العالم. وتمتلك تراثا قديما قائما على الإحتكاك بين السجين والسجان. لذلك من الطبيعي أن يكون السجن فضاءا للإبداع.

 

أليس غريبا أن تحب الرئيس عبد الناصر على الرغم من أنك سجنت في عهده؟

كان لهذا الرجل مشروع وطني كبير. لذلك أحترمه وأحبه كثيرا رغم أنه سجنني ورفض إخلاء سبيلي قبل موته قائلا: "لن يخرج أحمد فؤاد نجم من السجن طوال حياتي". هذا الرجل هو من أذن في الأمة العربية قائلا: حي على العروبة وارفع رأسك يا أخي لقد ولى عهد الإستعباد. وفي عهده لم يعد الفلاح المصري يضرب على ظهره بالسياط، فلماذا أكرهه! وعندما أردت انتقاده قمت بذلك في حياته وليس بعد وفاته. وعندما كتبت قصيدة "زيارة لضريح عبد الناصر" وفيته حقه وأخذت حقي منه.

 

ولكنك شتمت الرئيس أنور السادات!

أنا أشتم السادات طوال الوقت لأنه أطاح بالمشروع العربي.

 

هل تعتبر أن المقاومة الإسلامية في لبنان هي صحوة ثانية للعروبة؟

بكل تأكيد. خصوصا أن الأنظمة العربية اليوم مناوئة للمقاومة الإسلامية وتهاجم السيد حسن نصر الله ما يجعل الشعوب العربية تدافع عن المقاومة خصوصا أنها لا تثق في رؤسائها.

 

شكلت والشيخ أمام ثنائيا ضد فاشية الأنظمة والظلم والقهر وأثرتما في الوجدان العربي. ماذا تخبرنا عن هذه التجربة؟

هذه تجربة استثنائية في الأغنية السياسية لأنها ارتبطت بالواقع السياسي العربي. وبالمناسبة عندما ننظر إلى السطح العربي اليوم سنصاب بالإكتئاب. ولكن عندما نغوص في العمق سنجد الكثير من الإيجابيات لأن الأنظمة العربية تلعب في الوقت البدل عن ضائع.

 

كلنا نتذكر أغنية "شرفت يا نيكسون بابا" رغم أنها ارتبطت بحدث سياسي. كيف تجعل أغنيتك السياسية قابلة للحياة؟

هذا يرجع الى موهبة الشاعر، وأنا شاعر عبقري لن يتكرر، لأن الشعر يخرج من أعماقي، وأستوحيه من أحداثنا اليومية. فمثلا كتبت قصيدة "بقرة حاحا" بعد هزيمة 1967 وقرار الرئيس عبد الناصر التنحي. أما قصيدة "عبد الودود" فاستوحيتها من الحرب الفيتنامية التي هزمت فيها الولايات المتحدة الأميركية. ولقد استطاعت هذه القصائد البقاء لأن مفرداتها نابعة من ثقافة المقاومة.

 

ماذا فعلت بك هزيمة 1967 ؟

أصابتني بالجنون خصوصا بعد قرار الرئيس عبد الناصر بالتنحي. فنزلت من بيتي حافيا إلى الشارع وأنا أصرخ: مستحيل.. مش ممكن! وفجأة بدأت أسمع صدى صوتي من الشوارع الأخرى. نظرت فوجدت جموع الناس تردد ما أقوله، ثم ذهبت والشيخ إمام مساءا إلى القاهرة القديمة، ووقفنا عند باب زويلة الشهير الذي شنق عنده الحاكم المصري الوطني طومان باي. وهناك كتبت ولحنت قصيدة "بقرة حاحا" التي انتشرت بشدة، حتى أنني عندما اتهمت بالإتجار بالمخدرات مع العدو الصهيوني، طلب مني القاضي أن أسمعه اياها، فقلتها بوجد حتى بكى!

 

ما الفرق بين أن تنشد قصيدتك، وأن تسمعها مغناة؟

القصيدة عندما تقرأ شيء وعندما تغنى شيء آخر. وعندما أقولها أنا تصل للمتلقي بطريقة مختلفة لأنني أضيف إليها الكثير من خلال صوتي. وهذا هو الفرق بين الشعر الفصيح والشعر العامي.

 

من هم الشعراء الذين تحبهم؟

بيرم التونسي وصلاح جاهين لأنهم كتبوا وجع النلاس. وأحب المتنبي وبدر شاكر السياب.

 

كيف ترى الشعر اليوم؟

هناك شعراء شباب متميزون يكتبون نصوصا جيدة مثل عمر طاهر. ولكنهم يعيشون مرحلة عدم توزان تسبق الإزدهار الذي ننتظره جميعا.

 

تقول لن أموت قبل أن تتحرر فلسطين. كيف ذلك؟
لقد أخطأ الشيخ إمام بالموت قبل تحرير فلسطين وهو الذي كان يحلم بهذا اليوم، لذلك لن أكرر خطأه! والموت بالنسبة لي هو إرادة فإذا أردت أن أموت، سيحدث ذلك.

 

 

 

 

أين المنطق في هذا الكلام بعد 60 عاما من الإحتلال الإسرائيلي والإستيطان فيما العرب لا يقولون إلا شعارات؟

أنت تتحدثين عن الأنظمة. أما توسع المستوطنات فيدل على إحتضار إسرائيل التي بدأ العد التنازلي لإنهيارها منذ عام 2002. كما أنها لم تعد الصوت الذي يخيف الدول في المنطقة بعد تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 ثم انتصار تموز عام 2006.

 

هل تراهن على ولادة ثورة ما؟

بالطبع، وستكون من مصر!

 

ولكن لا يوجد أية إشارات على ذلك!

هذا هو الشعب المصري الذي سيصحح المسار العربي فجأة. ولعل معاناة المصريين الإقتصادية والإجتماعية ستدفعهم للثورة، خصوصا أنهم وصلوا اليوم إلى مرحلة يتقاتلون فيها أمام محلات الخبز. كما أن النظام المصري يرتكب حماقات تستفز المصريين ويضع قوانين تقيد الحريات. أما أعضاء مجلسي الشعب والشورى فهم من العصابات وقطاع طرق. وهذه إشارات تدل على اقتراب اندلاع الثورة.

 

ولكن كيف ذلك في حين أن المقاومة العسكرية هي في لبنان وفلسطين؟

لأن هذان البلدان على تماس مع إسرائيل.

 

ولكن كيف تتنبأ أنت وغيرك بزوال إسرائيل في ظل سياسات السلام والإنقسام الفلسطيني؟

الإنقسام الفلسطيني هو على مستوى الطبقة السياسية، أما الشعب فتوحده مبادئ الحرية وعروبة فلسطين والمقاومة وضرورة استعادة الأرض المحتلة.

 

أين تكمن عبقرية مصر؟

في الحمل والولادة لأنها تنجب العباقرة.

 

ماذا تعني لك المرأة؟

هي الواحة والراحة والإستراحة، ومن دونها لا أستطيع أن أنجز أي شيء.