العدد الثاني والاربعون - حزيران

د.عباس مزهر ل"تحولات": التربية تشوه صورة الجسد لدى الإنسان الشرقي

أسماء وهبة
الخميس 4 حزيران (يونيو) 2009.
 

الجسد والنفس معطيان جوهريان في حياة الإنسان. فهما يكونان ذاته ومنهما ينطلق إلى ممارسة حياته. وعلى الرغم من أننا نكبر على احترام الجسد والنفس، إلا أننا بممارساتنا فرضنا الكثير من المحرمات على هذا الجسد، الأمر الذي انعكس سلبا على حالته النفسية.

 

كان الجسد الوسيلة التعبيرية الأولى عند البشر قبل أن يدرك الإنسان اللغة. فمثلا كان الإنسان البدائي يمارس طقوسا إيمائية باستخدام الإشارات للتعبير عن ما يريد. وكان يقوم بحركات جسدية أثناء صلاته وتوسله للآلهة، حتى أن بعض القبائل الأفريقية والهندية ما زالت تقوم بهذه الطقوس لتعبرعن واقعها النفسي.

وهنا يقول المحلل النفسي د. عباس مزهر: "يوجد عند الحيوان جسد بيولوجي أما عند الإنسان فيوجد لديه جسد بيولوجي وآخر إجتماعي. ولقد تعرض هذا الجسد منذ وجد الإنسان على الأرض إلى عملية تدامج إجتماعي تطورت منذ ذلك الوقت حتى اليوم. لذلك عندما يتراجع الخطاب اللفظي يصبح الجسد أكثر تعبيرا عن مكنوناتنا. ولكن عندما تقوى اللغة يستكين الجسد. لهذا لا يمكن الفصل بين النفس والجسد خصوصا أن المظهر الجسدي له منشأ نفسي. فمثلا عندما يشعر الإنسان بالخوف، هذا انفعال نفسي-عاطفي يستجيب له الجسد بزيادة خفقات القلب واحمرار الوجه واتساع حدقة العينين وارتفاع معدل الإدرينالين في الدم. إذن الجسد يستجيب لكل ما هو نفسي".

 

ولمزيد من المعلومات والاجابات حول الموضوع، التقت "تحولات" الدكتور عباس مزهر وكان معه الحديث التالي.

 

متى يبدأ الإنسان باكتشاف جسده؟

لا يدرك الإنسان جسده إلا بعد أشهر من ولادته حيث يتصرف وكأنه جزء من جسد الأم. ولكن إشكالية الجسد تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها جسده وخصوصا في مرحلة المرآة عندما يرى صورته، الأمر الذي يحدد شخصيته المستقبلية.

 

كيف؟

الجسد يلقي بظلاله على النفس. فمثلا يشعر الإنسان المعوق بالقصور النفسي فإما أن يصاب بالعصاب النفسي أو يقوم بعملية تعويضية هائلة ويصبح مبدعا مثل بعض الرسامين والعازفين الذين يبدعون بأعضاء أخرى. وهناك أساطير تؤكد حقيقة الأمر. فمثلا الإله لوكي عند الرومان كان مشلولا. أي أنه في حال كان هناك خلل في صورة الجسد، يجب على النفس أن تعوض الذات.

 

هل نصاب بالدهشة عند الإكتشاف الأول للجسد؟

عند التعاطي مع الجسد نجد مبدأين: اللذة والألم. فمثلا يشعر الجنين في رحم الأم باللذة فقط ولكن بعد الولادة يتلمس أحاسيس جديدة تجمع بين اللذة والألم. وأول اكتشاف للجسد يكون عن طريق الرضاعة ثم أنفاس الأم ولمساتها لجسد طفلها. ومن ثم نصل إلى مرحلة المرآة التي يرى فيها الطفل جسده ويحاول اكتشافه من سن السادسة حتى البلوغ. وهنا يدخل الجسد في مرحلة الكمون وتنتهي لديه كل فكرة جنسية. ولكن عندما يصل الصبي أو الفتاة إلى مرحلة البلوغ يبدأ الإزدهار الجنسي ما يولد لديه نوعا من الصدمة.

 

هناك تصنيفات تتحدث عن الجسد الجنسي واللاجنسي. هل هذه التصنيفات علمية؟

لا، فلا يمكن أن نتحدث عن الجسد خارج إطار الجنس. وكلمة الجسد اللاجنسي تعني الجسد الإجتماعي. ولدينا ثلاثة مستويات للجسد: الأول هو الجسد الإجتماعي الذي يختار اللغة اللفظية التي تتناسب مع المجتمع، حتى أن العملية الجنسية بين الزوجين هي ذات منحى إجتماعي. وهناك الجسد النزوي- الجنسي حيث الغريزة وتفاعلاتها. وأيضا نجد الجسد الظواهري- الوجودي أي التجربة الوجودية للإنسان. وهناك خلط بين الجسد والنزوة - الجنس التي تعني بمعناها العلمي الطاقة الحيوية للجسد وليس التناسلية.

لماذا عندما يكتب عن الجسد نجد أنفسنا منقادين نحو الجنس؟

الربط بين الجسد والجنس بشكل مستمر هو مفهوم إجتماعي خاطىء. وهذا نابع من المنظومة الإجتماعية التي أساءت استخدام الجسد في الفترة الأخيرة، حيث رسخ في أذهان الناس أن الجسد هو الإغراء الذي يحرك الغريزة الجنسية. وعبر مراحل من السنين، ترسخ في الأذهان أن ما هو جسدي يتعلق بالجنس، الأمر الذي له وقع تحريمي لدى بعض المحافظين. لذا يغدو أي حديث عن عضو جسدي أمر مخجل، مما أنتج لدينا صورة خاطئة عن جسدنا.

 

لماذا يخجل البعض من أجسادهم؟

التربية لها دور أساسي في خوف الإنسان من جسده، لأننا نكذب على الطفل في مرحلة البحث الجنسي خصوصا عندما يسأله والديه: من أين جئت؟ وكيف يتزوج الرجل والمرأة؟ وفي مرحلة لاحقة يحدث مشهد خطير عند الطفل اسمها صدمة المشهد الأول مثل القبلة. وعندما يكبر يدرك أن والداه كذبا عليه فيبدأ بالبحث الذاتي عن المعرفة الجنسية، ويٍسأل: لماذا كذبا علي؟ فيخاف من الجسد والغرفة المظلمة، وهنا تقع التحريمات على الجسد وخصوصا الفتاة التي يصبح جسدها رمزا للعيب. اذا، التربية تشوه أحيانا صورة الجسد لدى الإنسان بعد أن يفرض الأهل التحريم على الجسد عند البلوغ وبخاصة عند الإنسان الشرقي.

 

أي أن الجسد تابو ومحرم ومقدس في نفس الوقت!

نعم. فمن الخطأ أن نتعرى وأن نعبر عن ذاتنا وأن ننطلق بحرية في مجتمعنا الشرقي، وكأننا وضعنا شريعة للجسد الذي هو رمز العار والشرف في نفس الوقت. وأيضا هو رمز الأمومة المقدسة والجنس المدنس، حتى أن العملية الجنسية بين الزوجين تدخل في دائرة العيب. وفي الأٍساطير القديمة كان الحيض عند المرأة فكرة مدنسة. لذلك كان يهجرها زوجها في هذه الفترة اعتقادا منه أن لعنة حلت عليها. وبالطبع هذه الفكرة ليست موجودة اليوم ولكن رواسبها تعيش داخلنا!

 

هل ترى أن العملية الجنسية في المفهوم الشرقي تتم من أجل الإنجاب بعيدا عن المتعة الشخصية؟

هنا اقتربت من نظرية الإقتصاد الجنسي التي تقول بأن الأمراض النفسية والجسدية تنتج عن الفهم الخاطىء للعملية الجنسية، لأنها تتحول إلى علاقة تناسية بعيدا عن الإشباع العاطفي. وهنا يقول وليم رايش أن المشاكل النفسية- الجسدية ناتجة عن العلاقة الجنسية المشوهة. كما أن النشوة الجنسية التي يصل إليها الشريكان تكون منقوصة، لأن الطاقة الحيوية الجنسية التي فطرنا عليها تنحصر داخل الجسد بسبب اصطدامها بالكبت الإجتماعي. ومن ناحية أخرى، اختزل المجتمع جسد المرأة في كونها وعاء للإنجاب وتفريغ لذة الرجل وبذلك يعظم رحمها فقط من دون جسدها! لذلك تنظر المرأة إلى جسدها كما ينظر إليها الرجل. وتحاول التعايش مع جسدها الذي اعتادت عليه والجسد الذي طرأ عليها!