العدد الثالث والاربعون - تموز

عودٌ على بدء: صراع الوجود المستمر

زهير فياض
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

 في حمأة الحديث عن سلام مزعوم في ما بات يعرف ب "الشرق الأوسط"، وفي عز الاندفاعة الدولية الجديدة باتجاه تسويات يتم انضاجها وتسويقها في "مطابخ" القرار الدولي، يأتي خطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعيد الأمور الى بداياتها، الى نقطة الصفر.

قد يكون الخطاب شكل صدمة للذين راهنوا على تقدم ما في ما يسمى بعملية "السلام" في المنطقة، أو ربما شكل "خيبة" تضاف الى سلسلة الخيبات لأولئك الذين ربطوا مستقبلهم السياسي بأمل "السلام" وحلمه الجميل، وأضاعوا الأيام والسنوات في شرح خياراتهم ومساراتهم التفاوضية لشعوبهم وناسهم على مدى يناهز ال 15 عاماً على الأقل.

خطاب نتنياهو ليس مفاجأة، هو امتداد للنظرية وللسلوك الصهيونيين في فلسطين منذ اغتصابها. هو تعبير أمين عن مكنونات "العنصرية" الصهيونية الصادقة مع ذاتها، والمتصالحة مع موروثها العقائدي والايديولوجي.

خطاب نتنياهو صادق، وواضح ولا يكتنفه لبس ولا غموض. بل أنه من المفترض أن يساهم اسهاماً "بنَاءً" في ازالة "اللبس" و "الغموض" في مواقف بعض "العرب" الذين سوقوا لمفهوم مختزل ومشوه للاعتدال المزعوم.

ماذا قال نتنياهو؟ وما هي الرسالة التي وجهها في كل الاتجاهات؟

 لقد حدد الرجل القواعد التي يجب أن ترتكز عليها عملية "السلام" ، وهي تتمثل في:

أولاً: الاعتراف الفلسطيني باسرائيل "دولة الشعب اليهودي" هو الشرط الأساس لاطلاق "مفاوضات بلا شروط"، تؤدي في نهاية المطاف الى اقامة دولة فلسطينية.

ثانياً: القدس "ستبقى موحدة عاصمة لدولة اسرائيل".

ثالثاً: ملف اللاجئين سيحل خارج الدولة العبرية.

رابعاً: الدولة الفلسطينية المفترض قيامها، والتي لم يشر الى حدودها لا تصريحاً ولا تلميحاً، ستكون منزوعة السلاح وممنوعة من عقد أحلاف عسكرية، وستكون أجواءها وجميع معابرها خاضعة للسيطرة الاسرائيلية.

خامساً: في موضوع المستوطنات، أكد نتنياهو أنه لا يستطيع وقف أو اعاقة "النمو الطبيعي" للسكان ، وبالتالي أقصى ما يستطيعه هو الامتناع عن اضافة أراض جديدة اليها. واللبيب من الاشارة يفهم!

في القراءة الأولية للخطاب، نرى أن قواعد التسوية التي حددها نتنياهو تأتي على الشكل التالي:

القاعدة الأولى: "اسرائيل دولة يهودية " - وهذا يرتبط ب"ترانسفير" لحوالي مليون ونصف انسان من فلسطينيي الداخل أي أراضي 1948 لتأمين "نقاوة" الدولة اليهودية المتوخاة.

القاعدة الثانية: ان الدولة الفلسطينية التي قد نصل اليها (وقد لا نصل اليها!) وان تمت تلبية كل الشروط الاسرائيلية، ستكون دولة منزوعة السلاح، لا سيادة لها لا على الأرض ولا على الجو ولا على المياه، وكل معابرها ستكون خاضعة للسيطرة الاسرائيلية. وبالتالي هي دولة ناقصة مبتورة ومزيفة.

القاعدة الثالثة: القدس الموحدة عاصمة دولة اسرائيل الأبدية - هذه القاعدة واضحة - لاتتطلب شرحاً.

القاعدة الرابعة: "ان ملف اللاجئين سيحل خارج الدولة العبرية" - وهذا يعني أن لا حق بالعودة لفلسطينيي الشتات.

هذه هي قواعد "التسوية" التي يقبل بها الاسرائيلي بعد كل التنازلات العربية المذلة، وبعد مسارات المفاوضات "المضنية" و "الشاقة" أدت الى هذه النتيجة "الباهرة".

وبعد، يرتسم في الذهن السؤال من جديد: أي المسارات أقل كلفة على أمتنا؟ التفاوض أم المقاومة؟

هذا السؤال برسم "عرب الاعتدال"، وليفكروا ملياً قبل الاجابة!

أما الثابتة التي يجب أن تدركها الأجيال القادمة وترمن بها: طالما في الوجود إسرائيل، سنظل في صراع وجود دائم معها.